ثقافةرأيشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

استقلت ليبيا عن إيطاليا واستُعْمِرَت السينما الليبية من قبل القذافي

إن أول دار عرض تأسست في ليبيا كانت في مدينة طرابلس، ويرجع تاريخ تأسيسها إلى ما قبل عام 1911، أي خلال العهد العثماني الثاني وقبل الاحتلال الإيطالي لليبيا. وقد عُرِفَت دار العرض هذه باسم “سينما توغراف باب البحر”، وكان مدخلها قوس “ماركوس أوريليوس” الروماني المعروف، وبسبب ذلك قام الايطاليون بعد احتلالهم لليبيا بهدمها مع المنازل المجاورة، حتى لا تغطي معالم القوس الروماني التاريخي.

نحن إذاً أمام جذور سينمائية عريقة جدا، حتى لو كان الأمر يتعلق فقط بالعرض وليس بالإنتاج، ففي ذلك التاريخ لم تكن السينما أصلا قد ظهرت كظاهرة إنتاج إلا في فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة وروسيا، وعلى نطاق ضيق جدا. وبالتالي فليبيا – وفي العهد العثماني الأخير – انتبهت للسينما، فباشرت بإنشاء دار للعرض في ذلك التاريخ المبكر، ومع ذلك فليبيا بعد مائة عام من ذلك التاريخ تعدُّ صحراء سينمائية قاحلة تعاني من القحط والجدب بامتياز وبلا منازع إذا ما قورنت بالدول التي دخلت عالم السينما بعدها بعقود.

إلا أن بعض الليبيين كانوا قد استشعروا أهمية الفيلم السينمائي في الحياة الثقافية لبلادهم، في زمن اتخذت فيه الأشرطة الإخبارية والتسجيلية والروائية “الأجنبية” من الأراضي الليبية ساحة مكشوفة لمخططات الدول السياسية والثقافية والاجتماعية خلال الحقبة الاستعمارية. ولقد كان ذلك في مرحلة الاحتلال الإيطالي المتأخرة. فقد خاض الفنان “فؤاد الكعبازي” في عام “1947” تجربة سينمائية للمرة الأولى بفيلم تسجيلي صوَّر فيه مع صديقه الإيطالي “أنريكو” نشاط “الزاوية الأسمرية”. (تحولات السينما في ليبيا، 24 مارس، 2014، https://www.djazairess.com/djazairnews/70358).

وبعد هذه التجربة الوحيدة خلال الحقبة الاستعمارية، لن نشهد أيَّ عمل سينمائي ليبي، متوقعين أن يصار إلى الولوج في أعماق هذا العالم المبهر بعد الاستقلال، لنصاب بخيبة أمل كبيرة ونحن نتعقَّب السينما للليبية على مدى النصف الثاني من القرن العشرين. فرغم حصول ليبيا على استقلالها من الاستعمار الإيطالي في العام 1951، إلا أن القطاع السينمائي في البلاد، ظل خاضعا لسلطة الاستعمار المنسحب عسكريا والمتواجد ثقافيا، وذلك من خلال الاستمرار في عرض 40 فيلما إيطاليا في السنة الواحدة، و50 فيلما مصريا، و10 أفلام أميركية، مع غياب الإنتاج المحلي للسينما غيابا كاملا. وقد وصل عدد دور العرض في العاصمة طرابلس في العام 1966 إلى 13 دارا، تسعة منها مخصصة للأجانب فقط، فلا يدخلها الليبيون عادة، وكان لزاماً أن يتم عرض فيلم إيطالي كلَّ يوم أحد، لتلبية رغبات الإيطاليين الذين كانوا لا يزالون متواجدين بليبيا على رغم استقلالها. (محطات في تاريخ السينما الليبية، هدى أمين، 30 مارس 2018، http://www.hayatweb.com/article/107571). مع العلم بأن الأفلام الإيطالية كانت تعرض بدون ترجمة عربية وبلغتها الإيطالية الأصلية فقط. (تحولات السينما في ليبيا، 24 مارس، 2014، https://www.djazairess.com/djazairnews/70358).

خلال فترة الاستقلال المبكرة عن إيطاليا، اهتمت جهات أجنبية غير ليبية بالإنتاج السينمائي في ليبيا فيما لم يهتم الليبيون بذلك على الإطلاق. فقد أنتجت شركات إيطالية في العام “1954” أربعة أفلام تسجيلية هي: “طرابلس عروس البحر”، “غدامس درة الصحراء”، “حياة في الصحراء”، “واحات من رخام”. يستدل من الطبيعة “التسجيلية” لهذه الأفلام أن صانعيها أدركوا الظروف المواتية والطبيعة الخلابة التي تنطوي عليها ليبيا من بحر وصحراء وآثار واعتدال جو للتصوير السينمائي.. إلخ، وهو الأمر الذي جذب مخرجا أمريكيا يدعى “هاثوي” لتصوير فيلمه الروائي “تنبكتو” في ليبيا، ليصبح تقليدا لشركات أجنبية أخرى، وكان الأمريكان قد أنشأوا مركزين للوسائل “السمعية البصرية” في ليبيا في تلك الفترة، للتغلغل في محيط التعليم ونشر الهيمنة الثقافية الأمريكية عبر الوسائط والأدوات السينمائية. (تحولات السينما في ليبيا، 24 مارس، 2014، https://www.djazairess.com/djazairnews/70358).

لم ينتبه الليبيون بعد الاستقلال إلى ضرورة الاهتمام بالسينما إلا في عقد الستينيات من القرن الماضي فتشكلت خلايا السينما التقنية عبر “الجريدة الإخبارية” التي كانت تنتجها “وزارة الإعلام والإرشاد”، وتمثلت في التصوير والتوليف والصوت على مقاس “16 ملم” و “35 ملم”. وفي سياق هذا التفتح السينمائي البطيء والمتثائب بعد طول سبات تجيء محاولة المخرج المسرحي “عبد الحميد المجراب” لتوظيف شرائح فيلمية في مسرحيته “ظلام في الظهيرة” عام 1964. أما في عام 1967 فلا يسعنا إلا أن نحزن على ضياع جهود المخرج والمصور “محمد الفرجاني” حينما تعرض فيلمه الروائي القصير “صائد الحوت” للتلف في بلد التحميض في ظروف غير مفهومة الحيثيات. (تحولات السينما في ليبيا، 24 مارس، 2014، https://www.djazairess.com/djazairnews/70358).

إلا أن السينما الليبية اتخذت منحى جديدا في عقد السبعينيات، لأن القيادة الجديدة للبلاد بأيديولوجيتها المهيمنة وبنمط الاستبداد لدى زعامتها، وقد كان لابد لهذا المنحى من أن يتأسس تحت إشراف الدولة – دولة الرجل الواحد والرأي الواحد – لكي يتمكن من توظيف هذه الأداة الحساسة لوجهة الدولة الجديدة. ففى سنة 1973 تمَّ استحداث “الشركة الليبية للإنتاج السينمائي” التي أنتجت حتى عام 2001 ما لا يزيد عن 300 شريط سينمائي و10 أفلام طويلة. وكان العمل الذى تم بالتعاون مع المخرج السوري الأصل مصطفى العقاد والمتمثل في فيلمي “عمر المختار” و”الرسالة”، هو ما ميز وأبرز نشاط الشركة الليبية للإنتاج السينمائي.

في الفترة ما بين 1974 و1979، تم إنتاج حوالي 134 شريطاً تسجيلياً، وسبعة أفلام روائية طويلة، وظهرت أفلام وطنية كفيلم “معركة تاقرفت” الذي تم إنتاجه في العام 1979، وهو من إخراج خالد مصطفى خشيم. أما في الفترة الممتدة من عام 1979 وحتى عام 1984 فقد تم إنتاج فيلمين هما “عندما يقسو القدر”، لمخرجه عبد الله الأروق، و”الشظية” لمخرجه محمد علي الفرجاني، وفيلم “الضوء الأخضر” للمخرج عبد الله المصباحي. لينقطع الإنتاج السينمائي في البلاد من ذلك التاريخ وحتى عام 1992 الذي تم فيه إنتاج فيلم “معزوفة المطر” للمخرج عبد الله الزورق. (محطات في تاريخ السينما الليبية، هدى أمين، 30 مارس 2018، http://www.hayatweb.com/article/107571).

وأمام تساؤل هام حول الأسباب التي جعلت السينما في ليبيا تعاني من هذا التردي على الرغم من أن هناك ما يؤشِّر على عراقة الوعي السينمائي في هذا البلد الذي انخرط في أول عرض سينمائي قبل عشرات الدول التي لحقته في ذلك، والتي أصبحت أكثر منه إنتاجا وإبداعا واهتماما بهذا الفن المبهر.. نقول: أمام تساؤل مهم كهذا، فإن النقاد السينمائيين الليبيين يجمعون على أن أبرز العوامل التي أخّرت مسيرة السينما الليبية، هي العوامل السياسية التي ظلت تقيّدها، وخاصة بعد التحوُّل التراجيدي الذي اعتراها عقب أحداث عام 1969، فأوصل إلى سدَّة الحكم نظاما شموليا أكثر تطرفا من كل الشموليات العربية الأخرى، عندما ظهر منذ البداية أنه بالمرصاد لكل إبداع يخرج عن البوتقة الأيديولوجية للنظام الجديد، لا بل لرمز النظام الأوحد. فحتى الشمولية الجزائرية أنتجت سينما عالمية مميزة في تلك الفترة السبعينية من القرن الماضي، أما السينما المصرية فقد بقيت رغم عمق الشمولية لدى نظام عبد الناصر وخليفته السادات، قادرة على أن تتحرك في قلب رؤية مستقلة عن رؤية النظام لتنتج سينما فيها ما يميزها بقدر أو بآخر.

أما في ليبيا فبعد انطلاقة سينمائية بدا أنها ستكون مُبَشِّرَة وقوية منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي مع الفيلم الروائي الطويل ”عندما يقسو القدر” للمخرج الليبي عبد الله رزق، وبطولة الممثلة الليبية زهرة مصباح، بالإضافة إلى طاقم التصوير وتحميض كان كله من معهد التحميض والطبع الليبي، ما جعل الفيلم من أوله إلى آخره بمثابة تجربة ليبية خالصة.. بعد هذه التجربة السينمائية الرائدة، راحت هذه الانطلاقة الجنينية تخبو قبل أن تتكامل وتنمو.

إلا أن هذه البداية المبكرة للسينما الليبية لم تدم طويلا، فقد كانت السينما الليبية ضحية مشروع “الشعارات القومية” التي عملت بها “شركة السينما الرسمية التي دعت إلى تأسيسها جامعة الدول العربية”، ما دفع بالسينما الليبية نحو الخط السياسي “الفج”، على حد قول الناقد السينمائي الليبي “رمضان سليم”، خاصة بعد أن أنتجت السينما الليبية  فيلم “الضوء الأخضر”، بطلب من معمر القذافي نفسه. حيث جاء تنفيذ الفكرة بمشاركة كبار الممثلين المصريين، مثل فريد شوقي وليلى طاهر، ليعكس رسائل سياسية مبطنة إلى الشعب الليبي، من خلال قصة الفيلم التي تناولت موضوع عائلتين واحدة محافظة وأخرى متفتحة.

ومضت أفكار القذافي في التأثير على السينما الليبية، من خلال فيلم “معركة تكرفت” وفيلم “السفراء”، وهو إنتاج مشترك بين ليبيا وتونس، شارك فيه حتى الممثل الجزائري “سيد على كويرات”، وكان الفيلم يهدف إلى تسليط الضوء على البعد الأيديولوجي والسياسي للمغرب العربي.

وتكمن خطورة هذه المرحلة حسب النقاد الليبيين في إعطائها الضوء الأخضر للشباب الليبي حينها للتفكير بطريقة العقيد القذافي من أجل الحصول على الدعم المالي حتى يتمكنوا من إخراج أفلامهم وتجسيد أفكارهم السينمائية، فقد قال الناقد السينمائي “رمضان سليم”: “لا بد من خط سياسي يتماشى مع فكر العقيد، للحصول على الدعم المالي”. وقد أدت هذه التجربة إلى إنتاج حوالي 300 فيلم وثائقي يصفها الناقد رمضان سليم بـ “الكارثة الحقيقية” نظرا لما تحمله من دعاية فَجَّة للعقيد ونظامه ورؤيته. (لا أفلام في ليبيا منذ عقدين، 9 حزيران 2014، محمد علال، http://www.elkhabar.com/press/article/46606/).

 

أسامة عكنان

المصدر : رؤية ليبية العدد الثاني بتاريخ 04 يونيو/جوان 2018 الموافق لــ18 رمضان 1439

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق