دراساتشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا: توازن الضُعف بين مُكونات المشهد وحتمية الحل السياسي (2 من 3)

 علي عبداللطيف اللافي

لا يختلف اثنان أن الصراعات المُتواصلة في ليبيا وإن كانت بين أطراف ليبية فإنها في حقيقة الأمر واجهة عملية لحروب بالوكالة تخُوضها أطراف ومكونات وتشكيلات ليبية عبر الولاء المباشر وغير المباشر لأطراف إقليمية ودولية وهذه الأخيرة لها مصالح ومطامح في ليبيا تاريخيا واقتصاديا وثقافيا واستراتيجيا، بل أن كل ما يهم تلك القوى الدولية و أذرعها الإقليمية هو فقط ترسيخ حضورها الاستراتيجي واللوجستي المستقبلي في كل أرجاء القارة الإفريقية وان كان الهدف المرحلي، هو بسط النفوذ وتطويع الخيرات الباطنية في شمال افريقيا وبعض دول الساحل والصحراء الافريقية….

           الحلقة الثانية

 توازن الضعف داخل وبين مكونات الأطراف الإقليمية  

 

منذ أشهر تبيَن للجميع أن الذهاب للحل السياسي والانتخابات أصبح حتميا نتاج توازن الضعف بين الأطراف المتصارعة في الداخل الليبي وأيضا بين الأذرع الإقليمية الخادمة بطبيعتها لقوى قوى دولية، فما هي عمليا مُجسدات توازن الضعف وتوازن القوى في مسرح الاحداث في ليبيا سياسيا وعسكريا بين الأطراف الإقليمية المرتبطة بالملف الليبي؟

++ ملاحظات أساسية ومنهجية  

عديدة هي الأطراف الإقليمية التي سعت وتسعى للتأثير في مسارات الملف الليبي لأسباب مختلفة، وبغض النظر عن المواقف الدبلوماسية المعلنة فانه لابد من التأكيد على الملاحظات التالية:

أ – منذ سنة 2014 تشكل محور رئيسي أثر بشكل كبير في تطورات الاحداث ميدانيا وهو المحور المصري – الاماراتي واضافة أن كان المحور متماه مع السياسات الغربية في بعض تفاصيل ورؤى، فانه أصبح مسنودا بالمملكة العربية السعودية كمكون ثالث منذ منتصف 2017 بشكل كلي ومطلق، وهو محور في تماه مع السياسات الفرنسية في افريقيا عسكريا وسياسيا وان بمقادير مختلفة من دولة الى أخرى، ولكن التماه مع الفرنسيين في الملف الليبي شبه كلي وهناك تكامل في الأدوار والترتيبات السياسية والعسكرية…

ب- تراجع أداء وحضور المحور القطري التركي منذ بداية سنة 2017 وتراجعت فاعليته واداؤه في الملف الليبي ميدانيا وسياسيا وعمليا ليس هناك شريك ثالث للمحور بشكل مستمر ولا شراكة تكاملية وإنما تقاطعية نسبيا مع الايطاليين في فترات بعينها …

ت- بقيت أدوار ومواقف قوى إقليمية على غرار الجزائر والسودان والأردن غير متمركزة ضمن المحور الاقليمين الرئيسيين المذكورين أعلاه…

ث- دول مجاورة ودول لها علاقات مباشرة وغير مباشرة بالملف الليبي على غرار تونس والمغرب وموريتانيا والسينغال والكونغو لم ولن يكون لها أدوار تأثيرية مباشرة نتاج طبيعة مكونات السلطة السياسية فيها او نتاج العقل السياسي للديبلوماسية فيها، إضافة الى أنها لم تصطف أيضا ضمن المحورين الإقليميين المذكورين أعلاه ….

++ توازن القوى داخل وبين مكونات المحور المصري-الاماراتي – السعودي

رغم التماسك الظاهر داخل هذا المحور ورغم التحاق السعودية بالمحور في مرحلة ثانية من تشكله إلا أن هناك خلافات كبرى في إدارة الملف الليبي وهناك إرادة إماراتية في إدارة الملف وأن يكون شريكيها ذوي أدوار لوجستية ميدانية وتنفيذية مباشرة كما أن هناك خلاف في ماهية أدوار المصريين سياسيا وفي العلاقة المباشرة مع عقيلة صالح وطبيعة علاقته بخليفة حفتر وأيضا في طبيعة العلاقة مع بعض الشركاء الغربيين دولا و لوبيات في بعض دول أخرى وأيضا مع بعض صانعي القرار الغربيين وبعض الدول الافريقية الفاعلة في الملف الليبي على غرار الكونغو والسينغال وجنوب افريقيا، كما أن هناك خلافات مع مصر في أدوار شخصيات سياسية أخرى وأدوارها المستقبلية وفي ظهورها العلني مستقبلا   ….

أ- النظام المصري والملف الليبي

لم ولن يكون النظام المصري بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي مُرتاحا للمضي قدما في الحل السياسي بعيدا عن مصالحه وطبيعته العسكرية رغم تطوَر مواقفه مقارنة بمواقفه المعلنة وغير المعلنة اثر امضاء اتفاق الصخيرات في أوت 2015  والنظام المصري سيبقى حبيس سؤال هل ستحتاج الحكومة الليبية القادمة لدعمه اللوجستي  وهل سيستأثر بعطايا برامجها وخاصة الاقتصادية منها، ورغم ان الوضع الداخلي المصري سيدفع المصريين  للقبول بإجراء انتخابات يكون فيها حليفهم حفتر شريكا وليس الآمر الناهي، فان المصريين لن يكونون مرتاحين للوضع الجديد بعيدا عن رؤيتهم القديمة، وسيبقى السيسي حبيسا لعقلية استئصال تيار الاخوان المسلمين حتى خارج مصر  ….

  • رؤية الاماراتيين

يعتبر الإماراتيون ثاني الأطراف التي لن تكون مرتاحة  بالذهاب بعيدا في الحل السياسي، وطبعا  يستند الإماراتيون بقوى محسوبة على القوى المضادة للثورات العربية وعلى رأسهم  محمد دحلان وشبكاته المتلحفة بغطاء جمعياتي في عدد من الدول العربية والآسيوية والافريقية، ورغم أن الإماراتيين يبقوا دائما مرتبطين بالتوجه الخليجي، فانهم حلفاء موضوعيين للسياسات الفرنسية  كما أنهم مستقبلا لن يكونوا معارضين واضحين للسياسيات الأمريكية والاوروبية، بل هم فاعلين فيها بشكل من الأشكال وحالمين بالتأثير فيها من حيث صنع القرار عبر التأثير المالي والاستثماري حسب رؤيتهم، وهم لن يكونوا مرتاحين لنجاح أي توافق  ليبي- ليبي ولن يرتاحوا أبدا لتشكيل حكومة يتواجد فيها إسلاميو ليبيا ولن تكون رؤيتهم للتعامل معها بعيدة عن رؤيتهم لحكومات تونس ما بعد الثورة، وستكون استراتيجيتهم قائمة على الدفع بأكثر من مرشح مُقرب منهم في الدور الأول للرئاسيات الليبية المنتظرة ….

++ توازن القُوى داخل وبين مُكوَنات المحور التركي –القطري

أ- الحقيقة أن الحديث عن محور قطري – تركي هو ربط موضوعي لتحالفهم السياسي والاقتصادي والذي بلغ درجة من التحالف الاستراتيجي حسب رأي المتابعين وخاصة بعد 2014، و هذا التحالف المُعلن ليس طرفا محايدا في ليبيا رغم أنه تحالف لا يترك البصمات السياسية في الموضع الليبي تحديدا على عكس بقية القضايا الإقليمية الأخرى وعلى عكس قُوى إقليمية أخرى في ليبيا،  فالتحالف “التركي- القطري” يتحرك بهدوء وببطء ويسند سياسيا حكومة السراج منذ بداية 2016 رغم أن أنصار حكومة طبرق يعاملون بمثل معاملة بقية الاطراف في المدن التركية المختلفة بل أن عددهم في أنقرة و إسطنبول أكثر بكثير من غيرهم…

ب- تراجع دور المحور القطري-التركي منذ بداية 2017 وخاصة منذ تراجع أدوار القطريين العربية، وخاصة بعد انكفائهم على أنفسهم في مواجهة حصار دول المقاطعة الأربعة، وهو أيضا ما حصل عمليا لتركيا نتاج تطورات الوضه الداخلي خاصة بعد ترتبات المحاولة الانقلابية الفاشلة واثر التطورات السياسية التركية اثر التصويت على إقرار النظام الرئاسي ثم الدعوة لانتخابات مبكرة ثم تراجع الليرة التركية منذ أسابيع وحاليا الاهتمام الكلي بالاستحقاقات الانتخابية المبرمجة لــ24 جوان الحالي….

ت- من المهم التأكيد أن السياستين التركية والقطرية تُساند بقوة مخرجات اتفاق باريس على الأقل سياسيا واعلاميا ربما بسبب الضعف السياسي لحلفائهما الليبيين، ومعلوم أنهما تدعمان الأطراف الإسلامية الأقرب للتيار الاخواني…

++ موقع ووضع ورؤية أطراف إقليمية أخرى

أ-  من الخطأ الاعتقاد أن الإيرانيين والاردنيين والسودانيين هم أمثلة للذكر لا الحصر، ليسوا طرفا في الملف الليبي وهم أطراف إقليمية معنية موضوعيا بحاضر ومستقبل ليبيا وتتناقض مواقفهم بشأن دعم الحوار الحالي أو العمل على اعاقته لسبب من الأسباب…

ب- الجزائريون وإن كانوا طرفا مهما وفاعلا لا يمكن تغييبه بأي صورة من الصور، باعتبارهم الجار التقليدي لليبيا فانهم يرغبون في استقرارها وعدم السماح للغير بمس العملية السياسية فيها لأسباب عدة منها ما هو تقليدي ومبدئي في تقاليد الدبلوماسية الجزائرية وفيها ما هو مرحلي في قراءة مطامح القوى الدولية في القارة السمراء وبعضها ناتج من حضور أطراف إقليمية في ليبيا وما يعنيه ذلك استراتيجيا ….

++ في توازن القوى بين الأطراف الإقليمية دولا ومحاور

أ- بعيدا عن الديبلوماسيات والبروتوكولات بين الدول، فان الجزائريين لم ولن يسمحوا في رأينا بأي خطوة عسكرية لأي قوى دولية أو إقليمية ولن يسمحوا باي خطوة مصرية تتجاوز مدن الشرق الليبي سياسيا أو أما عسكريا فانهم مثلما كانوا واضحين بداية 2016 في رفض أي تدخلي فانهم لن يقبلوا أي مغامرة عسكرية في أي شبر من التراب الليبي بل وسيعتبرون ذلك استهداف لهم بشكل مباشر كما أنهم سياسيا لن يسمحوا بتغييبهم عن جزئيات الملف واداراته خارج الأطر التقليدية أي دول الجوار او الاتحاد الافريقي او الجامعة العربية أو البعثة الأممية أو اطار دولي يشارك فيه الجميع، وذلك معناه في المستقبل التقليص من أدوار المحورين الاماراتي المصري المسنود سعوديا والقطري التركي ….

ب- بعض الدول العربية الخليجية أو المشرقية ما هي الا أذرع لسياسات دولية ولا تتجاوز أدوارها التنزيل أو تهيئة الأرضية لتلك السياسات…

ت- بعد حادثة اغتيال المعلنة في الصحافة الإسرائيلية للاثنين من الحرس الثوري الإيراني، ستتمسك الدول المغاربية بالأساس بانتقاد أي حضور اسرائيلي على الأراضي الليبية باي شكل من الاشكال وأن ذلك خط أحمر لا يمكن السماح به وأيضا بـانتقاد الأدوار الإيرانية في المنطقة المغاربية عموما….

ث- من المنتظر أن يدفع عددا من السياسيين الليبيين الثمن غال سياسيا وخاصة المقربين من المحورين الإقليميين المذكورين أعلاه، كما ستحدث انقسامات كبرى بين عدد من الوكلاء لنفس المحور وسنعرف في الأشهر القادمة لنشر غسيل التعامل القذر هذا المحور أو ذاك وخاصة عمليات التمويل والمساعدات اللوجستية المسداة للوكلاء بين سنتي 2014 و2017…

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 7 جوان 2018

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق