رأيشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا وضرورات اللحظة الراهنة  

عمليا ومن خلال قراءة تشخيصية بسيطة يمكن الجزم أن ليبيا الحبيبة تعاني لا من الانقسام السياسي فقط والخوف من مخاطر التقسيم والمكرس فعليا لا رسميا بل أن ليبيا تعرف رغم تضحيات شهداء فبراير البررة الذين سقوا بدمائهم الزكية ترابها، مجمل التحديات والمشاكل التي كانت موجودة فيما كان يسمى بــ”العهد الجماهيري” أي عندما كان النظام السابق ينفق أموال الليبيين في اتجاهات عدة وعلى نرجسيات القذافي وبلطجية أجهزته ….

ورغم ايماننا بضرورة تحقيق أهداف فبراير واستكمال مهام الثورة الليبية فإننا لابد أن نؤكد انه لم يتغير مرحليا سوى المسميات على غرار الانتقال من “الأمانات الشعبية” الى مسمى “وزارات الدولة الليبية”، ذلك أن العقل السياسي فشل راهنا في تحقيق الآمال وفي دفع المؤسسات لخدمة الليبيين كما أن المصالحة الوطنية بمراحلها المختلفة لم تتقدم خطوات تذكر فلا المحاسبة تمت والاعتذارات تمأسست وأرشفت  ولا العدالة الانتقالية تزحزحت أي خطوة الى الامام …

كما أن جرائم عدة مازالت ترتكب اليوم وفي مقدمتها آفة الفساد إضافة الى انتشار ظواهر التملق والتزلف، بل أن المواطنين يعانون رغم صبرهم الكبير نتاج ايمانهم أن 17 فبراير هي وحدة وطن أولا وقبل كل شيء، إن الليبيين يعانون يوميا من عدم صرامة أداء الحكومات الليبية في عموم القطاعات الحكومية…

وحتى نكون منصفين فإننا لا بد وأن نؤكد أن كل ذلك هو عملية مركبة ومعقدة من النظام السياسي السابق الذي كان قائما على الفرد الواحدة والحزب الواحد والفكرة الواحدة الى النظام السياسي الحالي المرتبك والمنقسم على ذاته بين تياري فبراير وتيار السبتمبريين وأيضا عبر تجسد ثان للصراع متعدد الأوجه بين تيار الثورة وبين تيار الثورة المضادة المسنود إقليميا ودوليا لغايات لا علاقة لها بمصالح الليبيين…

أما سياسيا ورسميا فان الأقطاب السياسية مستمرة عمليا في التنازع على السلطة والثروة والسلاح وعلى ولاءات قبلية وإقليمية ودولية بل أن الحكومات غيبت أن من أدوارها التاريخية أن تكمل التضحيات التي بذلها الأجداد….

ان لا حل في ليبيا سوى الحوار أولا وأخيرا وكشف نوايا الباحثين على قذافي2 بأساليب الارتزاق والاصطفاف الإقليمي، كما لابد من اكتساب نفس طويل لبناء ليبيا التي حلم الجميع عشية 17 فبراير أنها ستنقذهم من الضياع الذي رمتنا فيه كليبيين بلطجية اللجان الثورية ونظامها السياسي الذي كان قائما كما هو معروف للجميع على نزوات الحاكم وعلى حاشيته العائلية والحزبية والاستشارية وسادية أجهزته الأمنية….

أن الوطنية منزع إيجابي في القدرة العملية على الدفع نحو سيادة الدولة الليبية على ثرواتها وعلى ارثها التاريخي والثقافي والقدرة على بناء مسار انتقالي ديمقراطي يسع الجميع ويدفن آلام الماضي عبر مسار عدالة انتقالية عادلة يتصارح من خلالها الجميع خاصة في ظل تردد وتراجع الحكومات الليبية عن السبيل الصحيح من وحدة الشعب الليبي…

إن أعراض انقسام الليبيين وأعراض مرض العجز عن التوافق بين الفرقاء يعود عمليا للاهتزازات القيمية والاجتماعية والعلمية، وذلك يعني أن المشكلة كبيرة وخطيرة باعتبار أنها تأسست على مرور عقود وتحديدا على أيدي النخبة الليبية المتعلمة والواعية في عهد “النظام الجماهيري” السابق كما امتدت إلى عهد ما بعد ثورة السابع عشر من فبراير المجيدة، وهو ما يعني ان الحوارات بين الفرقاء الليبيين يجب ان تتعدد وتنتج عنها منهجيا قراءات ودراسات استراتيجية تضع الخطوط الكبرى للإصلاحات …

ان المطلوب من الليبيين اليوم أن يفرضوا على النخب السياسية السعي الدؤوب الى الدولة الدستورية التي تتكون من كل أبنائها وبناتها وتقديس ثقافة العمل والإنتاج بعيدا عن ثقافة الاقصاء والاستئصال التي يروج لها بعض أشخاص وأطراف نخبوية عبر استجابة لثقافة وتمويل من أطراف بل أذرع إقليمية ساهمت عمليا في نشر منطق وثقافة العنف والقتل والتخريب ضد الوطن والمواطنين…

وفي الأخير نجزم أن الحوار هو الطريق الأصح بل هو أيضا الوسيلة الأنجع للمضي في المسار الديمقراطي السلمي رغم تعثراته وعندئذ ستلتحم ليبيا مع لحظة 24 ديسمبر 1952 من جديد، بل ويمكن عندئذ ان يسعد الليبيون كل الليبيين وعلى أرض سقاها عمر المختار بعرقه وسقاها شهداء التحرير وشهداء فبراير وشهداء القضاء على عصابات داعش المخترقة والممولة لوجستيا من أذرع الثوة المضادة ومن طرف قوى إقليمية لا تريد ان تكون ليبيا متقدمة وهانئة بل مساهمة في لعب أدوار إقليمية ودولية وذلك هو أفقها الحقيقي…

المصدر: افتتاحية العدد 05 من صحيفة رؤية ليبية – بتاريخ 02 جويلية 2018

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق