تقاريرسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا في النظام العالمي من منظور “إسرائيلي”

لقد أثر الصراع المستمر في ليبيا على علاقات القوى الكبرى. فقد أدى تدخل الناتو في ليبيا عام 2011م وما أعقبه من أحداث إلى خلاف بين الولايات المتحدة وروسيا فقد احتجت موسكو التي سمحت ضمنا بتدخل الناتو عن طريق الامتناع عن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فقد احتجت بأن الناتو قد قام بتحريف خطة الأمم المتحدة لحظر الطيران وذلك من أجل التسويق لتغيير النظام، ومن جانبه فقد عانى الاتحاد الأوروبي – الذي لعب دورا رئيسيا في المساعدة في الوساطة في الاتفاق السياسي الليبي – من أجل تقديم نهج موحد ومتسق للأزمة الليبية. في حين أن إيطاليا تميل إلى دعم حكومة الوفاق الوطني فإن فرنسا قد أبدت رغبة متزايدة في دعم حفتر في سعيه لتوسيع نطاق سيطرة الجيش الوطني الليبي في حين أن المملكة المتحدة ظلت منشغلة بقضية خروجها من الاتحاد الأوروبي. هذه الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى امتناع أمريكا عن توسيع نطاق مشاركتها خارج نطاق مكافحة الإرهاب قد منح موسكو الفرصة لتضع نفسها كوسيط فاعل وكوسيط إقليمي للسلطة في قضايا تبدأ من إنتاج النفط والهجرة إلى قضايا الإرهاب.

لقد وجهت روسيا الجزء الأكبر من دعمها العسكري والاقتصادي والسياسي لحفتر حتى الآن. وقد ذكرت الانباء ان بوتين قام بشحن أسلحة الى الجيش الوطني الليبي عبر مصر للتحايل على قرار حظر الأسلحة الذي فرضته الامم المتحدة، وأرسل عشرات من الجنود من وحدات القوات الخاصة إلى الحدود الليبية المصرية للمساعدة في عمليات حفتر الأمنية. وهناك تكهنات بأن الجيش الوطني الليبي سيمنح روسيا منفذا دائما إلى قاعدة بحرية على الساحل الليبي مما سيضاعف من قدرة البحرية الروسية لتوسيع نفوذها في المجال المعروف عنه بأنه مجال النفوذ الأوروبي. وفي مجال المساعدة الاقتصادية قدمت موسكو لحفتر مساعدات مالية عن طريق طباعة النقود (أي ما يعادل حوالي 3 مليارات دولار بالعملة الليبية) ونقلها إلى مصرف تحت سيطرته. وعلاوة على ذلك فقد استضافت روسيا حفتر ثلاث مرات في محاولة لإضفاء شرعية سياسية عليه بما في ذلك ظهور علني على حاملة الطائرات الروسية الأدميرال كوزنيتسوف. وتواصل أيضا موسكو إشراك الجيش الوطني الليبي والسراج مدركة أنه لم يبرز أي طرف واحد لديه السيطرة الكاملة على ليبيا وربما تأمل إلى تقديم نفسها كصانع سلام بديل عن الأمم المتحدة.

وبالإضافة إلى هذه المصالح الجيوسياسية فإن روسيا تسعى إلى الاستفادة المادية من وجودها في ليبيا. فمع سقوط القذافي خسرت روسيا ما بين 5 و 10 مليارات دولار من العقود العسكرية والبنية التحتية التي بدأت بالفعل في استردادها. ففي أوائل عام 2017م على سبيل المثال وقعت شركة روزنيفت اتفاقية لشراء النفط الخام مع شركة النفط الوطنية الليبية وفي يوليو الماضي بدأ عملاق النفط الروسي شراء النفط الليبي. ومن شأن رفع الحظر المفروض على بيع الأسلحة والحاجة لإعادة الإعمار داخل ليبيا أن يوفر في نهاية المطاف فرصا إضافية لروسيا في قطاعات تطوير الأمن والبنية التحتية.

تدخل روسيا في الدولة الشمال أفريقية (ليبيا) قد مكن موسكو من تأكيد ما ترمي إليه. ففي حين أن الولايات المتحدة والغرب عموما يصنعون المشاكل فإن روسيا تقوم بمعالجة تلك المشاكل. وقام الكرملين أيضا بتحويل ليبيا الى ورقة مساومة مع الاتحاد الأوروبي. فالممثلون الأوروبيون مقتنعون بشكل أكبر بأن حل المشكلة الليبية سيتطلب التنسيق مع روسيا. وفى ضوء رغبة بوتين لرفع العقوبات المتعلقة بالاتحاد الأوروبي وجهود الاتحاد الأوروبي الرامية إلى منع تدفق المهاجرين من خلال ليبيا فإن روسيا قد تحاول الاستفادة من نفوذها في ليبيا لصالحها. وعلاوة على ذلك فإذا ما قررت روسيا زيادة الضغط على أوروبا فيمكن أن تلجأ إلى أسلوب عملها في سوريا وتدعم الحملات العسكرية لحفتر بدعم جوي من شأنه أن يشعل موجة جديدة من اللاجئين وزيادة أزمة المهاجرين…

 إعداد: سارة فيور، أوفير وينتر، آري هيستين، وبار لوبو *

(+) المصدر: مقتطفات من دراسة “انهيار الدولة في ليبيا: الآفاق والآثار”، تقرير لما يسمى “معهد الدراسات الأمنية الوطنية الإسرائيلي”، تاريخ النشر: 14 فيفري 2018

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * كاتب ومحلل سياسي تونسي مختص في الشؤون الافريقية

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق