رأيشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

معضلة المسرح الليبي هل هي: في النص، أم في الممثل، أم في المرفق، أم في الدعم، أم في انعدام “الثقافة المسرحية؟!

يلجأ المتحدثون عن حقول الفن والثقافة العربية إلى نوعٍ من التنميط الذي غدا لازمة لا ينفكون عنها في أحاديثهم الثقافية والفنية، وهي لازمة نابعة من صميم لا وعيهم الذي يريد أن يبرِّرَ الحاضر بأسباب لا علاقة لها بالماضي ومفارقة له، وهو الأمر الذي يدفعهم إلى الإفراط في تأويل السيرورة التاريخية لتبرير الانتكاس، فيفشلون في الأمرين معا، توصيف الماضي على حقيقته غير المشرقة، وتبرير الحاضر بحقيقته المُرَّة.

على سبيل المثال لا الحصر، نسمع المتحدثين عن المسرح الليبي يقولون دائما: “شهد المسرح في ليبيا أوج تألقه في منتصف السبعينيات نظرا للدعم الرسمي والشعبي وهو ما انعكس على عطاء الممثلين إبداعا وتألقا، ثم مع التطورات السياسية، لم يعد الإقبال عليه كما في السابق. وشهد انحدارا تدريجيا حتى وصل إلى ما يمر به اليوم من ركود وجمود وتردٍّ”(1).

ويذهب البعض إلى عكس ذلك تماما عندما نسمعهم يقولون:

“تم افتتاح مسرح بنغازي رسمياً سنة 1928، حيث أقيمت به عدة عروض مسرحية وموسيقية إيطالية وأوروبية واستمر في العمل حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية ليتعرض للإهمال حتى أواسط الخمسينيات، بعدها استخدم مبنى المسرح بشكل رئيسي كدار للسينما عُرفت باسم سينما “برنيق”، إضافة لاستخدامه كمسرح في عروض موسيقية من بينها حفل للمطربة المصرية أم كلثوم سنة 1969، إضافة إلى احتفالات أخرى – لا علاقة لها بالمسرح أصلا – ليستمر الأمر حتى أواخر الثمانينيات – بما في ذلك عقد السبعينيات كاملا طبعا – ليغلق المبنى لاحقاً حتى الآن”(2) .

نستشف بوضوح حجم التناقض والتضاد بين الموقفين التبريريين السابقين، مع أنهما يتحدثان عن الحاضر المؤلم الذي يريانه ماثلا أمامهما، في ظل ماضٍ مشرق يفترضه كلا منهما.

يتجلى التناقض لا في الشراكة في تصوير حاضرٍ يحسُّ به أصحاب الموقفين السابقين، وإنما في اختيار الماضي الذي تلقى في أحضانه الدافئ كل القدرية والجبرية والذرائعية غير المفهومة.

أما وجه التناقض فيتمثل في أن الموقف الأول يعتبر ماضيه الذي انطلق منه ليزهو به ويتحسر على فقدانه هو “عقد السبعينيات” الذي رأى فيه الفترة التي شهدت “أوج تألق المسرح الليبي – بهذا الوصف تحديدا – دون أن ندري لماذا اعتبر كذلك!!

فيما أزاح الموقف الثاني ماضيه إلى عشرينيات القرن الماضي إبان فترة الاحتلال الإيطالي، وذيوع العروض الأوروبية، التي لا ندري لماذا وعلى أي أساس اعتبرها ازدهارا في المسرح الليبي!! ليعتبر أن ما بعد عام 1969 بما في ذلك عقد السبعينيات هو عهد انتهاء مرحلة المسرح في ليبيا، ذاكرا واقعة إغلاق مبنى مسرحي بعد تحويله إلى دار عرض سينمائي، ثم إلى قاعة حفلات غنائية.

وأمام تناقض صريح كهذا، نفهم من بعض المسرحيين بموجبه أن مرحلة السبعينيات كانت مرحلة ألق للمسرح، فيما نفهم من بعضهم الآخر العكس تماما، وهو أن عقد السبعينيات كان عقد الانحدار في ذلك المسرح، نقف مترددين لا في معرفة واقع وتاريخ المسرح الليبي فحسب، بل وفي مدى اليقين أننا أمام متحدثين يعرفون عما يتحدثون أصلا.

ولكن التحليل السيكولوجي لهذه النزعة “الماضوية” في جلد “الحاضر”، يمكن تفهُّمها بتتبع أصحاب تلك المواقف المتناقضة. إذ أن كلا منهما توصل إلى ما توصل إليه بسبب الزاوية التي نظر منها إلى المسرح – أي إلى الظاهرة الفنية أو الثقافية محل المناقشة والتحليل – والمنطلق الذي بناء عليه اتخذ موقفه.

إذ من الواضح أن الطرف الذي افترض أن عقد السبعينيات كان عقد تألق في الفن المسرحي في ليبيا انطلق من واقعة أن الساحة المسرحية الليبية شهدت نشاطا انصب في اتجاه تخليق “الظاهرة المسرحية” بصرف النظر بعد ذلك عن المديات التي وصلت إليها محاولة التخليق هذه.

فيما نظر الطرف الثاني إلى المسرح من خلال المرافق المسرحية، لذلك اعتبر أن وجود مبنى مسرحي تقدم فيه العروض المسرحية هو دليل على وجود مسرح ليبي حتى لو كانت العروض لا علاقة لها بليبيا، أو لا يشاهدها ليبيون أصلا. لا بل يتأكد لديه هذا التوصيف، عندما يصر على أن المسرح بدأ يتراجع بتراجع دور المبنى المسرحي من قاعة تُعرض فيها المسرحيات، إلى قاعة تُعرض فيها الأفلام، فالأغاني، ليؤول بها مطاف الانحدار إلى الإغلاق النهائي….

وهذا الطرف من ثم قد لا يعتبر ظاهرة “مسرح الشوارع” مسرحا حقيقيا ما دام يفتقر إلى “المرفق المسرحي” أي إلى “المبنى المسرحي”.

والخلاصة أننا عندما نتحدث عن المسرح ونرغب في التأريخ له يجب أن نحدد موضوعاتنا، ونوضح ملفاتنا. فالمسرح أو “الظاهرة المسرحية”، بقدر ما هي نص مسرحي، وممثل مسرحي، ومرفق مسرحي – قد يكون هو الشارع نفسه – فهو أيضا دعم للمسرح، وهو قبل ذلك وبعده وفي كل وقت “ثقافة مسرحية”، يغفل الكثيرون عن عزو المشكلة إليها عندما يتحدثون عن مشكلة مسرح في ليبيا، بل وفي غير ليبيا أيضا….

أسامة عكنان

المصدر: صحيفة رؤية ليبية ، العدد 07، بتاريخ 16 جويلية 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق