حوارات

عباس الجراري: لو كانت الأمور عادية في المغرب لانشغلنا بإصلاح المسار التنموي

                عباس الجيراري، مفكر وأكاديمي مغربي مرموق، ومستشار للملك محمد السادس. أغنى المكتبة المغربية والعربية بعشرات الكتب في الفكر الإسلامي وقضايا الثقافة والتراث. في هذه السلسلة الحوارية، يفتح الجيراري قلبه وعقله لـ«أخبار اليوم» حول كل شيء.

  • كيف تنظر إلى الفكرة الداعية إلى إعادة النظر في النموذج المغربي ككل؟

إذا أردنا الحكم على النموذج المغربي، أو حين نتطلع إلى كيف ينبغي أن يكون، يجب أن ننظر إلى المغرب باعتباره الدولة التي استمرت عدة قرون بحضارتها المميزة وثقافتها. وحين ننظر إلى النموذج المغربي اليوم فلا شك أننا نشعر بالاعتزاز. معتزون بدرجة الأمن والاستقرار والطمأنينة التي نعيش فيها ويشعر ويلهج بها المواطن، بفضل النظام الأصيل المرتبط بكل الثوابت، من مذهب مالكي وعقيدة أشعرية وما معها، وكلها تتبلور في إمارة المؤمنين. ويكفي أن نعلم أن المغرب هو البلد الوحيد في العالم الذي يقوم نظامه على إمارة المؤمنين.

وبناء عليه، فمن حقنا أن نفخر اليوم بنموذجنا المغربي، في ظرف عصيب عربيا. فالعالم العربي المشتت والممزق في حال لا يحسد عليها، حيث الاقتتال قائم بين الإخوة والطوائف إلى غير ذلك. لكننا غير قانعين، وغير راضين عن الوضع ككل.

  • هل تقصد أن المغرب، رغم كل شيء، استثناء جيد؟

صحيح، لكننا، كما قلت سابقا، بحاجة إلى أن نحافظ على هذا النموذج الاستثناء وما يميزه، خصوصا أننا صرنا واعين بتناقض الوضع مع مؤهلاتنا المغربية، وغير راضين عن تدبير شؤون شتى، وندرك أن تعليمنا، مثلا، لا يناسب موقعنا السياسي، وموقع دولة لها نظام ثابت قوي، وغير ذلك.. نحن المغاربة، بما لنا من تاريخ وحضارة وما لنا من خيرات في بلادنا، لا يمكن أن نقنع بالوضع الراهن، ونقبل بأن تكون هناك فئات عريضة من الفقراء والمعوزين لا يستطيعون تعليم أبنائهم، وفئات عريضة من الأميين وما شابه ذلك… فهذا لا يناسب حقيقة وجودنا. وأؤكد في هذا الصدد أن المغرب بإمكانه أن يكون متقدما وأفضل من ما هو عليه حاليا بدرجات. ولا أقصد فقط التقدم في المظاهر المادية، التي انسقنا خلفها، وإنما أيضا التقدم الفكري والعقلي والروحي.

علما أن المواطن المغربي مواطن ذكي، وليس غافلا عما يجري داخل بلده ولا عما يجري خارجه، لذلك، ينبغي أن يكون البناء في بلده المغرب ملائما له، وأن تكون الحياة الفكرية ملائمة لحالته الاقتصادية ولحياته الاجتماعية، وهذا يقتضي مراجعة التدبير العام كما قلنا.

ارتباطا بالحديث عن الاستثناء، وفي الوقت الذي تتحدث فيه فئات عريضة عن الاستثناء المغربي بفخر، تتحدث فئات واسعة من المواطنين عن الاستثناء المغربي بسخط ممزوج بالسخرية، وهي تعيش النكسات والهزات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية على مدار السنة في مختلف مناطق المملكة. فهل يصح الحديث عن الاستثناء الجيد؟

ينبغي التفريق بين الأمور، فأن يكون هناك خلل في الصحة أو التعليم أو على مستوى العدالة الاجتماعية وعلى المستوى الحقوقي، لا يسوغ لنا كمغاربة أن نضرب ذاتنا في العمق ونقتل أنفسنا، سيكون ذلك انتحارا بدل معالجة الخلل أو الإشارة إليه. المغرب يتوفر على موارد بشرية قادرة، وكفاءات في جميع الميادين. كفاءاتنا تستفيد منها اليوم جميع البلدان. لذلك، كما قلنا سابقا، فاستراتيجية التنمية، كما نادت بذلك أعلى سلطة في البلاد منذ أكثر من سنة، لم تعد صالحة، لذلك، ينبغي على المسؤولين فتح المجال أمام الخبراء الحقيقيين لتصحيح هذا المسار التنموي.

  • ومن يمنع هؤلاء الخبراء من التفاعل مع نداءات المواطن ونداء الملك بإصلاح المسار التنموي؟

لو كانت الأمور عادية في المغرب لانشغلنا بإصلاح المسار التنموي، لكنها ليست كذلك. فقد دخلنا لمدة طويلة جدا في مشاكل تشكيل الحكومة، ومشاكل الأحزاب، وهل الحكومة قائمة؟ وهل رئاسة الحكومة ستعدل؟ إلى غير ذلك. والإعلام يتابع ذلك ويركز عليه. وهذه مسائل خارجة عن الخط السليم لخدمة الوطن والشعب. فقد كان ينبغي الانكباب علميا وعمليا على المنهج التنموي، وتشريح لماذا لم يعد صالحا، وكيف يمكن أن نصلحه والبدء في التطبيق. ولنكن متأكدين أنه لو التفت المشرفون على التطبيق والتنفيذ إلى الإصلاح، وركزوا اهتمامهم على ما نادى به جلالة الملك، لكان من السهولة واليسر استدعاء الخبراء من مختلف الشركات والجامعات، وبدء العمل الذي ينتظره المواطن.

اليوم 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق