رأيشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

مفهوم العصر الذهبي للمسرح بالمعايير الليبية شكلي وليس مضموني، هيكلي وليس بنيوي، إداري وليس إبداعي!!

بحسب أحد النقاد المسرحيين الليبيين، فإن المسرح الليبي الحالي يعيش ما أُطْلِقَ عليه “الحالة الظلية”، سواء من حيث التجربة النصية أو من حيث العرض، بسبب عدم وجود نصوص مسرحية تسمح بالتأمل والتقويم أصلا، وبسبب عدم وجود عروض مسرحية حقيقية من ثم تصلح أن تكون محلا للتحليل. فليست ثمة نصوص منشورة في الصحف، أو مطبوعة في كتب.

أما فيما يخص النص “الركحي”، أي المسرحيات التي تكتب مباشرة للفرق، بدون وساطة النص الإبداعي، فقد بدأت حياتها مع حقبة ما بعد حكم القذافي بمغازلة الثورة، وذلك على سبيل الترحيب بنظام جديد يأمل أصحاب تلك المسرحيات أن يكون أفضل حالاً مما سبقه. إلا أن الأعوام العجاف التي مرت على ليبيا حتى الآن لا تشير إلى ذلك أبداً. وعندما استشعر بعض المسرحيين خيبة الأمل في الثورة تخندقوا على الفور في خنادق الانتقاد رغبة في التنفيس لا رغبة في التغيير. الأمر الذي يجعلنا نؤكد على أن الخطاب المسرحي الذي يسترشد وينقد ويحلِّل ما يزال غائبا موضوعا وقيمة.

إن مناقشة الحالة المسرحية الليبية الراهنة للتعرف على مكوناتها السلبية والإيجابية، المُبَشِّرَة أو المُثَبِّطَة، تسحبنا حتما إلى قراءة تاريخية نسبر من خلالها أغوار ما يعتبره البعض بمثابة العصور الذهبية للمسرح في ليبيا، وذلك بُغية التعرف على المؤثرات الموضوعية التي جعلت تلك العصور ذهبية، ربما نسترشد بها كي نعرف وجهة المسرح المقبلة في ضوء المؤثرات الراهنة. مع العلم بأننا نتحفظ على مقولة “العصور الذهبية للمسرح الليبي”، اللهم إلا إذا قسنا “الذهبية” بالمعايير التوصيفية الليبية الممعنة في اختزال المعنى إلى درجة اعتبار وجود حالة مسرحية طارئة لمدة ثلاث سنوات، سبقتها سنين عجاف طويلة، ولحقتها عقود جفاف أطول، بمثابة انتفاضة مسرحية ذهبية، وفي هذا التوصيف الاختزالي ما فيه من الإجحاف في حق مفهوم “العصر الذهبي” من حيث المبدأ.

وإذن وبعيدا عن تحفظنا ذاك، ولغابات النقاش التصنيفي الأكاديمي، فقد اعتبر بعض مؤرخي المسرح الليبي أن هذا المسرح لم يعرف عصراً ذهبياً واحداً، بل هو عرف ثلاثة عصور ذهبية وعاشها:

العصر الذهبي الأول: وذلك في فترة الأربعينيات من القرن الماضي، وتحديدا من سنة 1944 إلى 1948، أي لمدة أربع سنوات فقط!! سبقتها ثلاثون سنة وتلتها عشرون سنة أخرى بلا مسرح تقريبا. وأنصار ذهبية هذا العصر يعتبرون ذهبيته راجعة إلى أن المسرح الليبي كان في هذه الفترة يدور على ستة محاور هي:
1 – الفرق المسرحية العاملة.
2 – فرق النوادي الرياضية.
3 – فرق المؤسسات الشبابية، كرابطة الشباب الإسلامية.
4 – الفرق الإيطالية المقيمة.
5 – الفرق الإيطالية الزائرة التي كانت لها زيارات شهرية تقريباً.
6 – المسرح المدرسي الذي كان له مهرجان خاص يقام كل عام بمناسبة المولد النبوي الشريف.
أي أن الذهبية تكمن في الشكل والهيكلة، لا في المضمون والبُنيَة.

العصر الذهبي الثاني: وذلك في فترة الستينيات، أي في الفترة الممتدة من سنة 1964 إلى سنة 1967، أي لمدة ثلاث سنوات فقط، سبقتها عشرون سنة كاملة من الجفاف والقحط المسرحيين. ففي هذه الفترة تولى “خليفة التليسي” وزارة الإعلام والثقافة، فأسَّس إدارة الفنون والآداب وأسند إلى الفنان المسرحي “شعبان القبلاوي” قيادة هذه الإدارة، فيما أسندت مهام رئيس قسم المسرح إلى المسرحي “عبد الحميد المجراب”، فشهد المسرح خلال هذه الفترة إزدهارا طيباً نعثر على صداه في صحف المرحلة المرصعة بكتابات النقاد: “سليمان كشلاف”، و”محمد أحمد الزوي”، و”فوزي البشتي”، و”الصيد أبو ديب”، و”عبد الرحمن الشاطر”. وفي هذه الفترة تأسست فرقتان للمسرح الوطني إحداهما بطرابلس والثانية بمدينة ببنغازي، كما تأسس معهد التمثيل والموسيقى بطرابلس.

وهنا أيضا نجد أن الذهبية تُعزى إلى الإدارة وإلى الهيكلة وليس إلى الجوهر والبناء والمضمون. إذ لا نجد أي استدلال بمسرحية أثرت، أو بنص علق في الأذهان، وإنما بذكر اسماء أشخاص يتحركون مسرحيا على الهامش الإداري والنقدي للعمل المسرحي الحقيقي أي البنيوي.

العصر الذهبي الثالث: وهذا العصر انطلق في سنة 1971. وقاد حركة الازدهار فيها “إبراهيم عريبي” الذي سعى إلى تأسيس ظاهرة المهرجانات المسرحية، وأصدر لوائح المكافآت للممثلين والمخرجين والكتاب، ووزع مقاراً على الفرق المسرحية. وقد كانت قبل ذلك تقيم في “جراجات”. وقد أسفرت جهوده عن تأسيس الهيئة العامة للمسرح والموسيقى، وهي أعلى درجة إدارية يحظى بها المسرح الليبي. وعملت هذه الهيئة على إيفاد عددٍ من المواهب لدراسة فنون المسرح دراسة تخصصية. وقد انتكس هذا العصر سنة 1976، بسببين: أولهما التأويل والوشايات التي كان يقدمها المخبرون – وبعضهم من أهل المسرح – وثانيهما صدور قانون التجنيد الإجباري الذي زج بكثير من رجال المسرح في معسكرات التدريب.
وللمرة الثالثة نحن أمام عصر اعتبر ذهبيا لفترة خمس سنوات فقط لأسباب شكلية ومظهرية وإدارية لم نرى لها مردودا مسرحيا حقيقيا على الأرض. ومن هنا فالمسرح الليبي ما يزال في مرحلة صياغة المفاهيم.

أسامة عكنان*

المصدر: صحيفة رؤية ليبية، العدد 08، بتاريخ 23 جويلية 2018

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*- كاتب أردني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق