تقاريرسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ما وراء الحدود…أو العض من وراء الحدود

       على مدى أعوام ماضيه وإلى هذه الفترة..بات يلاحظ بين حين وأخر ظهور الأراء والتصريحات من بعض الساسة ورجال الفكر والصحافة في مصر حول الحدود الغربية لمصر مع ليبيا, ذلك اْمر توالى بلا توقف..وينبغى أن يتوقف بصراحة,لأنه لا مجال هنا للعاطفة أو الاجتهاد أو الفتاوى فثمة اتفاقات ومعاهدات دولية ملزمة للطرفين منذ زمن يتعين احترامها والتزام بها,إن ذلك أمر واجب ولازم, صوت العقل والحكمة يظلان أقوى من صوت العاطفة والدغدغه في كل الأحوال وعبر جميع الظروف.

 

ودائما يظل النزاع على الحدود بين دولتين أو مجموعة دول جاهزا لمزيد من الاشتعال والانفجار نتيجة لشحن النفوس المتوترة فى الاصل اذا لم ينهض التعقل والتروي,لابد أن أمثلة كثيرة تظل شاهدة على اْثار وتداعيات المواقف المتعجلة وأقربها ما يحصل وحصل بين دول افريقيا اضافة إلى المزيد من (الحدود العالقة) التي لم يحسمها بعد اْى ميثاق أو اتفاق, والاجتهاد اْحيانا مشكلة..والتغير فى المواقف يظل على الدوام من أكبر المشاكل ويعقد الأزمات ولا يساعد على حلها.

فى الواقع وبالرغم من اْشياء كثيرة..بقت مصر هي الأقرب إلى ليبيا في كثير من العصور خاصة في ظروف الشدة,المصالح والسكان والتشابه وصلات القربى والمصاهرة ولا توجد اْية مشاكل في الغالب تستدعي الاستفزاز أو التباغض.

ومنذ اتفاقية 1925 بين الجانبين المصري والايطالى بشاْن الحدود التي وقعها أحمد زيور باشا رئيس الوزراء المصرى وسفير ايطاليا في القاهرة..والكلام عن تلك الحدود يرتفع ثم يخفت. يجف حبره ثم يسيل. وفي فترة الاربعينيات الماضية وحتى بداية الخمسينيات حين كان مخاض الاستقلال الليبي عسيرا.. تتالت التصريحات والكتابات والنقاشات فى مصر.

كانت ليبيا تبحث عن الإستقلال وتمضي في الطريق اليه وكانت مصر هواها في الجغبوب ومناطق أخرى تعتبرها مصرية وكانت ليبيا تضغط على الجراح وتود مناقشة الموضوع عقب الاستقرار وتاْسيس الدولة لكن المسؤولين المصريين لم يتوانوا عن المطالبة بما اعتبروه جزء من الأراضى المصرية وثمة مواجهات شهيرة حدثت خلال اجتماعات الامم المتحدة عام 1949 المتعلقة ببحث مصير ليبيا.

كان عمر شنيب هناك مع رفاقه وكان فى الفترة من عام 1910 الى 1912 مديرا للسلوم,سلمته تركيا إلى مصر للحد من التوسع الايطالي وناقش الوفد المصري الذي كان يؤيده من وراء الستار الوفد الباكستاني بالكثير من الحجج والأسانيد في مقدمتها شخصه المدير فيى تلك الفترة وخمدت الفكرة ولكن إلى حين.

عمر فائق شنيب عام 1910 فى مكتبه بالسلوم عند ما كان مديرا له يشير بقلمه الى موقع السلوم فى الخريطة

وتواصل الحديث في هذه الفترة خارج الأمم المتحدة..الملك فاروق (ملك مصر والسودان) وعبدالرحمن عزام أمين الجامعة العربية الذي (لم يهدأ عن الحركة في كل الاتجاهات والمجالات لغاية في نفسه!) لقد قام عزام في ابريل 1940 بالاتصال بالمكتب البريطاني للشرق الأوسط في القاهرة سعيا لإجراء بعض التعديلات في الحدود مع ليبيا لصالح مصر..ورجال الوفد..علي ماهر.

وباختصار كانت مصر ترى في بحث مساْلة ليبيا على المستوى الدولي فرصة مواتية لاْعادة ترسيم الحدود ولم تكتف بالمطالبة في واقع الأمر بالجغبوب فقط بل البردية ومساعد والسارة واركنو والعوينات..بل ومصوع الميناء الارتري على البحر الأحمر المقابل للسودان التابع لمصر انذاك. ملوك وساسة. طرابيش وقبعات. وتحركات فى الكواليس بلا توقف. فرصة لاتعوض.

كان الوقت غير ملائما انتشرت أخبار باْن الامير ادريس وسط الملك عبدالعزيز ال سعود بينه وبين فاروق لحل المشكل ومراعاة الظرف والاتفاقيات التي أنجزت واعترف بها في فترة الإحتلال من قبل ايطاليا ومصر..ثم أكدت المصادر باْن المساْلة ستسوى بعد الإستقلال.. اذا ماتحقق.

• هل يجدى التاريخ؟

كان ثمة اتصالات حضارية وتجارية بين الليبيين وسكان مصر في العهد الفرعونى وتشير المصادر التاريخية باْن اسم ليبيا نقش فى الأثار المصرية القديمة كان في الحقيقة يدل دلالة واضحة على كل القبائل الليبية المتاخمة لمصر..المشواش والجرامنت والتحنو والليبو والماساي.. وغيرهم وهناك تاْثيرات جلية للحضارة الليبية القديمة في مصر وبلاد النوبة.

وليبيا بلد السباع كما سماها هيردوت ظل اسمها معروفا لدى الاغريق الذين وصلوا إلى برقة واْسسوا قورينا (شحات) التى ظلت تعرف باْسم ليبيا العليا وتمتد من غرب درنة الى شرق سرت فيما عرفت المنطقة الممتدة من درنة الى حدود الدلتا الغربية ووادى النيل باْسم ليبيا السفلى ويذكر التاريخ أن كثيرا من الأسر الليبية حكمت مصر فترة طويلة ونقلت معها نشاطاتها وحضارتها كما يذكر التاريخ القديم القائد الليبى (شيشنق) الذى حكم مصر بالذات, هكذا يقول التاريخ والمؤرخون, ويعرفه الجميع على حين يتعمد اخوتنا فى مصر تعمد القفز عليه!!

حين تم الفتح الاسلامى لليبيا كان اسم (لوبيا ومراقيا) وفقا للمؤرخين ايضا اسم لكورتين من كور مصر الغربية,والكورة فى اللغة الحزمة أو المجموعة أو الصقع (أصقاع الأرض) والبقعة التي يجتمع فيها قرى ومحال, أكد ذلك ابن عبدالحكم في تاريخه الشهير.

فى 13 فبراير 1841 أصدر السلطان عبدالمجيد فرمانه الهميونى بتولية محمد علي باشا الكبير ولاية مصر,وردت في هذا الفرمان المرفق بخريطة تبين حدود مصر ونطاق ولايته..(وبمناسبة ذلك صممنا على تثبيتكم فى الحكومة المصرية المبينة حدودها فى الخريطة المرسلة اليكم من لدن صدرنا الأعظم). تردد لاحقا أن الخريطة أصابها الحريق الذي دمر الاسكندرية عام 1852 وبقت نسخة في اسطنبول…حصلت مصر على صورة منها أثناء عقد اتفاق الحدود مع ايطاليا فى ديسمبر 1925 والذي صدق عليه الملك فؤاد عام 1926..وصار ساري المفعول, الخريطة قد تكون الآن فى ظلمات الارشيفات العتيقة!!

(الخريطة التاريخية) نسخة للحدود الغربية لمصر وفقا لفرمان السلطان عبدالمجيد عام 1841. الحدود الليبية عند راس الكنايس قرب الاسكندرية.
 

وراس الكنايس فى الخريطة العثمانية عام 1841 هو معطن الحدود أو (الضبعه) الان, وفي فترة أخرى من التاريخ أرسل المهدي السنوسي أحد تلاميذه وهو البراني الساعدي الزوي ليؤسس زاوية تقع بعد السلوم, كبرت المنطقة وامتدت واقامت بها قبائل وعائلات وصار اسمها سيدي براني.

كان الليبيون يتحركون في منطقة يعتبرونها وطنهم ونشاْت زوايا أخرى بالكيفية نفسها..أم الرخم واسملا التي اضحت (سملا) عمل بها الضابط أنور السادات أيام الاربعينيات والنجيلة والحمام مثلما نشاْت الزوايا والتجارة مع افريقيا, يتداخل التاريخ مع بعضه يتراكم ومن يتحدث هناك على ضفاف النيل يثير موضوعات انتهى زمنها ووقتها…ورجالها ايضا. يتحدث ويهمل التاريخ متعمدا اْو لاْنه لا يعرف التاريخ موضوعات لا داعى لاْعادتها.

مساْلة الحدود عند اخوتنا كانت على الدوام تثار بلا مبرر وتهداْ لتعود, وتركت أغلب الوقت للعاطفة ونسيان التاريخ والاتفاقات الدولية الملزمة والصريحة وفي كل هذا وغيره تصمت ليبيا ولا تتكلم لا يرد مسؤول ليبي لا ترد جهة شرعية أو غير شرعية!. لا يناقش الأمر مثقف أو سياسي,لا يتم التعرض للأمر بموضوعية والتوكيد على الجيره والجوار والوعي بالعلاقات والمنطق وتظل المساْلة تُدار بلا توقف هناك, في مرات سابقة حدث العكس.. لم يصمت من يهمه أمر بلاده.

• صحيفتا برقة الجديدة والتاج

فى ردود متتابعة عن المساْلة وجذورها حين نهضت خلال 1949 و1950 ونحن نتلمس الطريق نحو الاستقلال نشرت صحيفة برقة الجديدة في عددها الصادر يوم 1 اكتوبر 1950 مقالا لعمر فائق شنيب الذي كان مديرا للسلوم حتى عام 1912 كما سلف القول بعنوان “حدودنا في التاريخ” أشار فيه إلى أن.. (ومشكلة الحدود بين برقة ومصر ليست بالمشكلة المعقدة اذا حسنت النوايا وروجع التاريخ دليلا ونبراسا ووقفا عند الواقع الملموس وقوفا اكيدا. فالواقع الذى نحن فيه لا يبرر هذا الطلب مطلقا خصوصا في الوقت الذي ما زلنا نسعى فيه لاستكمال استقلالنا وبناء أنفسنا فكاْن جارتنا وأختنا مصر تعاون الاستعماريين علينا بعرقلة تقدمنا في هذه الفرصة التي قد لا تتاح لنا مرة أخرى. ان اْحد كبار المؤرخين المصريين يدعي أكثر من ذلك فيقول إن اأصل المصريين لوبيون وسليم حسن بك صاحب هذا الرأي أو مثبته على الأقل في الكتب العربية حجة لا على مصر وحدها بل على العالم العربي كله لمكانته العلمية كعالم مؤرخ مدقق وكثيرا من علماء التاريخ قبله وبعده يقولون ان مصر لم يكن لها وجود قبل عشرات الالوف من السنين حين كان النيل يجرى فى ليبيا ويصب فى خليج سرت ولما تحول مجراه إلى وضعه الحالي بعد الزلازل العظمى التي غارت على اثرها قارة كاملة فى البحر وغرق معها نحو ستين مليونا من الناس انسحب الليبيون مع النيل إلى مصر فتوطنوها )!!

ويتساءل شنيب في مقاله.. (فاْين اذن ما تدعيه جارتنا وشقيقتنا مصر من أن هضبة السلوم وواحة الجغبوب مصرية أصلية,هذه الدعوى باطلة من أساسها بحكم التاريخ وبحكم الواقع إلا اذا أرادت مصر أن تقر باْن أصولها ليبية محضة أو أن تدعي انهما باْنهما موقع استراتيجى. انها تنسى الناحية الأهم وهي أن السلوم سلمت اليها تسليما تنازليا من تركيا بعد انسحابها من برقة لكي تحمي هذا الجزء من الاستعمار على طريقة من قال ما لم يمكن كله فلا تضيع جله ولا يزال الذين حضروا تسلم السلوم اْحياء) وهو هنا يقصد نفسه…عمر شنيب وزميله الأخر عمر منصور الكيخيا النائب تلك الفترة عن بنغازى في المبعوثان..على ضفاف البسفور.

• فماذا قال الكيخيا؟

نشر مقالة بعد مقالة شنيب باْسبوع في برقة الجديدة يوم 8 اكتوبر 1950. كان رئيسا لديوان الأمير ادريس لكنه كتب بصفة شخصية وكان قبلها بقليل رئيسا لحكومة برقة المحلية عنونه باْسم (على حد ما نعلم) أكد فيه ليبية السلوم واْن حدود برقة على أصح الأقوال كانت بعد السلوم عند نقطة بير بقبق وانه عقب الاحتلال الايطالى.. تحديدا في شهر ديسمبر 1911 ذهب مع بعض زملائه النواب الى الصدر الأعظم سعيد باشا وطلبوا منه الحاق مقاطعة بنغازي بمصر حرصا عليها من الضياع بين أيدي الغاصبين وهكذا اخترنا اخف الضررين. ويقول الكيخيا في مقاله انه التقى الخديوي عباس واللورد كيتشنر وأخبراه باْستحالة تنفيذ هذا الطلب إلا اذا قامت انجلترا بحرب ضد الطليان وهذا غير ممكن في ذلك الوقت.

احدى الثكناتين اللتين بناهما على الغناي فوق هضبة السلوم عام 1908 ونال عن ذلك النيشان المجيدي

ويقول الكيخيا..(في مرتفع ميناء السلوم ثكنتان تقابل احداهما الميناء والثانية تقابل الصحراء والخارج من عقبة السلوم تاْتي احدى الثكنتين على يمينه والأخرى على يساره وهاتان الثكنتان اْنشاْهما ضابط برقاوي كان عام 1908-1909 قومندان السلوم والمرحوم علي افندي الغناي) قبل عمر فائق شنيب.

ويستمر رد الكيخيا في المقال..(استقر السيد احمد الشريف في بقايا هاتين الثكنتين وأحاطهما بخيام نزل فيها من معه من عرب وأتراك وكان بينهم نورى باشا أخ المرحوم أنور باشا وبعض رفقائه وبعد ذلك توسع الايطاليون في احتلال السواحل واتفقوا مع المصريين على أن يجعلوا منطقة حراما مقدارها يبلغ نحو 5 كيلو مترات تقريبا ثم وضعوا مانعا لهم هناك ليراقبوا الداخل إلى برقة والخارج منها وطوقوا الجهات التي وصلوا اليها بالشريط الشائك ولكن في انتهاء الحرب العالمية الثانية ورحيل الطليان من تلك الأماكن تقدم المصريون من الثكنات التي كانوا يحتلونها فيى مرتفع عقبة السلوم واجتازوا المنطق الحرام ووصلوا المكان الذى كان الطليان فيه واتخذوه مانعا وتوغلوا في الأراضي 15 كيلو مترا ومع ذلك قبلت برقة وسكتت ارضاء لشقيقتها مصر من غير تذمر أو احتجاج)!!

وعن الجغبوب تكلم.. قال في المقال (لم نسمع في المدة التي أقام فيها الأستاذ ابن السنوسي وما بعدها أن الحكومة المصرية ادعت باْن لها ملكية أرض الجغبوب كان الخديوي اسماعيل يرسل للسيد السنوسي رسلا أمثال الشيخ علي الليثي ويزودهم بالهدايا للأستاذ السنوسى ونجله السيد المهدي ودامت هذه الحال لا يدعيها أحد من الحكومة المصرية ولا الحكومة العثمانية إلى احتلال ايطاليا وعند ذاك فقط نجم الخلاف بين مصر والايطاليين باْعتراف مصر باْن الجغبوب تابعة لبرقة معلوم والجرائد المصرية وسواها التي كتب فيه لم يجف حبرها بعد).

وفي عددها الثالث الصادر في 4 ديسمبر 1950 نشرت صحيفة التاج مقالة بعنوان (حدودنا الشرقية) لفرج مبروك بن سعود أشار فيه إلى المحادثات التي عقدت بين الفريقين الايطالي والمصري في شهر نوفمبر 1925 واستمرت الى 6 ديسمبر من نفس السنة وأكد اتفاق الطرفين على أثرها لانتداب لجنة مختلطة لتقوم بتعيين الحدود نهائيا ووضع علامات واضحة على طولها وقد أجرى ذلك فعلا وثبتت علامات من 178 عمودا صنعت من الاسمنت المسلح طول الواحد منها مترا وثمانين سنتمترا.

لقد استعمل هؤلاء التاريخ المنطق والنقاش الهادي فمصر جارة مهما كانت الظروف واضافة الى ذلك ناقش مجلس النواب في برقة المساْلة فيى عدة جلسات له عقدت في بنغازى مع ارسال برقيات التعجب والاستنكار لاستغلال الظروف من الطرف المصري من الكثير من المواطنين وكان كل ذلك متلازما مع النقاشات والمواجهات في ردهات الأمم المتحدة,لم يسكت أحد, تداعى من يعرف للتوضيح فى وقت ندر فيه المحللون السياسيون والناشطون.

بعد الاستقلال لم يكن ثمة شيئ من هذا القبيل هداْت الضجة, زار الملك ادريس مصر في ديسمبر 1952. سافر في القطار من طبرق الى مطروح, ثم الى القاهرة استقبله محمد نجيب علاقات ود ومصالح واحترام وفي السنة الموالية 1953 بحث محمود المنتصر رئيس الحكومة الليبية في مصر أمر مساعدة ليبيا المحتاجة جداً الى العون…لكن الحكومة المصرية عدة شروط لكى تقدم المساعدة من بينها بحث مساْلة الجغبوب واعادتها إلى مصر,توقف الأمر وبرزت هنا المعاهدة الليبية البريطانية القوات موجودة في برقة وطرابلس اذن بريطانيا لا تبقى هكذا..تدفع لنا الايجار!!

.. وماذا حدث بعد ذلك؟ تحديدا عام 1963.. ثم عام 1967 من مصر والجزائر!

والذي حدث – ويظل يحدث – له مقدمات اْو جذور سابقة وربما يتصل باْثارة مساْلة الحدود اْو تحقيق تبديل حتى في نظام الحكم نفسه في عام 1954 بداْت في المنطقة العربية سياسة الاحتواء اْو (الحزام الواقي) وتبنته الولايات المتحدة وبريطانيا ووصل إلى الغموض الخلاق (دلاس وزير خارجية امريكا) وسد الفراغ (مشروع ايزنهاور) عام 1957 الذى انتهى إلى (الفوضى الخلاقة) وقد يترتب عنه تقسيم أو تفتيت.. أو كل شىْ في المنطقة!! ففي كتاب (الملك فيصل الثانى) لمؤلفه أحمد فوزي (دار الحرية للطباعة. بغداد. 1988) ورد الأتي وفقا لرواية “أحمد شفيق النائب” أحد المرافقين العسكريين الشخصيين للملك فيصل (اْرادت الولايات المتحدة أن تبدل الملك ادريس بشخص يميل اليها فاْقترح الدكتور محمد فاضل الجمالي رئيس وزراء العراق على أصدقائه الأمريكان أن يكون الأمير عبدالإله ملكا على ليبيا لكن بريطانيا عارضت الترشيح)! استراتيجية (امبريالية – بريطانية أمريكية) تتفق وتختلف وتخلق المشاكل في اْية دولة وما حولها. في عام 1957 تردد باْن انتوني ناتنج وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية اْعد تقريرا احتوى على فكرة مفادها ضم طرابلس إلى الجزائر وبعد عشر سنوات (1967) تاْكد لدى ليبيا باْن الرئيس الجزائرى هواري بومدين زار الاتحاد السوفييتي في تلك الأيام للقيام بدفع أموال لمساعدة مصر في امدادها بالسلاح بعد النكسة وعقد اجتماعا مع اليكسي كوسيجين واستمزج راْيه فى امكانية مساندة الاتحاد السوفييتى للجزائر لو تدخلت عسكريا في ليبيا.. لكن كوسيجين استبعد ذلك لاْن بلاده لا تريد مواجهة خطيرة مع الولايات المتحدة (الأطلسي ووارسو.. مناطق النفوذ) والروس تهمهم مصالحهم بالدرجة الأولى.

وعندما تولى السيد عبدالحميد البكوش رئاسة الوزارة في اكتوبر 1967 – وكانت المعلومات مؤكدة – اْراد أن يعلن ذلك في خطاب علني لكن الملك ادريس نصحه بالتريث وعدم اعلان ذلك واْشار باْن على الدولة أن تتخذ اْجراءتها بعد أن فهمت الموقف جيداً هنا ظهرت فكرة اعادة تنظيم الجيش والشروع في صفقة الدفاع الجوي لحماية الأراضي الليبية (مقابلة شخصية مع الأستاذ عبدالمولى دغمان مدير الجامعة الليبية. 20 ديسمبر 1999).

• تهداْ (متلازمة الحدود) ثم تعود في فترات ساخنة.. فماذا وراء الحدود؟

يحصل هذا بالطبع في ظروف لا تستقر فيها ليبيا اْو المنطقة برمتها..اْو هي تعاني من ماْزق اْو اْزمة  بقايا حرب أو جوع  وقع ذلك قبل الاستقلال واْيام الاعداد له كما قلت وفي ظروف مشابهة لغزو الكويت على سبيل المثال عندما اقتحم صدام الكويت في اغسطس 1990  تحركت مساْلة الحدود.

كتب اْنيس منصور مقالة في مجلة اكتوبر تلك الأيام عن اْحقية مصر في الجغبوب, ثم أصدر الكاتب والصحفي محسن محمد في ديسمبر 1990 كتاب (سرقة واحة مصرية), وقبل ذلك كتب سامى حكيم عن الجغبوب المغتصبة, سامي الذي اْغلب اْصدقائه من الليبيين وكانوا يزودونه بما يعتقد ويعتقدون اْنه اْسرار خطيرة ودفعوه لنشر كتبه..حقيقة ليبيا واستقلال ليبيا وهذه ليبيا ومعاهدات ليبيا وثورة ليبيا.  تاْرجح فيها فوق حبال كثيرة ثم لم يخجل رغم هذه الصداقات والصفقات من القول والإدعاء بمصرية الجغبوب واْنها مغتصبة.

وفي الظروف المعروفة الآن للجميع التي يتحرك فيها داعش في المنطقة.. في ليبيا قريبا من مصر, يكون اْحيانا التلميح من اْي جاهل باْمور التاريخ القريب والبعيد باْنه كان بالمقدور الغزو والاحتلال, طالما ان ليبيا ليست دولة بالمعنى المتعارف عليه في هذا الوقت,  اْراضيها مفتوحة,حدودها البرية والجوية والبحرية (على الهواء مباشرة أو خارج نطاق التغطية)..وليبيا مشغولة بما ليس في ليبيا. كل مسؤول لا تعنيه ليبيا..وربما كل مواطن ليبي يفقد للاْسف الإنتماء والولاء لليبيا.

حدث هذا قريبا وقد يستمر, حدث بعد (صنافير وتيران)! كل شىْ مغر في ليبيا بهذا الشكل. ولا يستبعد بدلاً من الغزو أو الإحتلال الزحف الديموغرافي من كل الجهات في تقادم الأعوام.. فانتظروا!!

• عام 1963

استقلت الجزائر عام 1962,الحكومة الليبية قبل الاستقلال في الجزائر فاتحت الحكومة المؤقتة وكان رئيسها بن يوسف بن خده في ما يتعلق بالحدود وضم فرنسا لأراض ليبية دون وجه حق وعد بتسوية الموضوع بعد استقلال الجزائر,طار الوعد في الهواء كانت المعاملة فظه من قبل الحكومات المتعاقبة في الجزائر.

تم التنكر للوعود ولوقفة الشعب الليبى اْيام النضال الجزائري,في مايو 1963 قام الرئيس جمال عبدالناصر بزيارة إلى الجزائر وصل بحرا من الاسكندرية إلى ميناء الجزائر صحبة وفد رسمي كبير على هامش الزيارة عقد اجتماع سري بين عبدالناصر وأحمد بن بلة وشخصية ليبية معارضة (؟!) -أتحفظ هنا عن ذكر اسمها- تقيم في القاهرة وصلت مع عبدالناصر, طرح في الاجتماع ضم فزان للجزائر وبرقة إلى مصر,وصلت المعلومات الى ليبيا (تحديدا أجهزة الأمن من أصدقاء جزائريين في الدولة الجزائرية) تكتمت ليبيا عن الرد باْية طريقة وصدرت التعليمات للحكومة بوضع ذلك في الحسبان ومنعت الاشارة إلى ذلك في الاعلام والصحف.(مقابلات شخصية مع الزعيم حسن التومى مدير عام أمن الدولة ومدير عام ادارة الحدود في العهد الملكي. بنغازي 1991).

هل كانت الجزائر ومصر تبحثان عن شيء ما؟ هل لحرب اليمن وما ينشاْ عنها داخل مصر سبب للفت أنظار الداخل ؟ هل هي اشارة من قوى دولية؟ هل ذلك مجرد جس نبض.. ودراسة واعداد لشىْ؟ أسئلة ستفصح عنها الوثائق المجهولة ذات يوم..وقد أشار بعضها إلى ذلك والواقع أن موقف ليبيا رسميا مما حدث  كان ترددا أو مجاملة أو  احجاما عن عدم اْثارة للمشاكل مع الجيران..مشاكل تعتقد ليبيا انها ليبيا ليست فى بابها.

• صحيفة الزمان

في يوم السبت الموافق 12 اكتوبر 1963 في العدد (361) من صحيفة الزمان التي تصدر في بنغازي كتب رئيس تحريرها عمر الأشهب في الصفحة الأولى مقالا بعنوان (مطامع بعض الدول في ليبيا) اْشار فيه إلى ما حدث وتسرب عن اجتماع مايو.. منذ خمسة أشهر.. ذكر فيه باْن عدد من الصحف الاستعمارية كانت تثير حسب زعمها في تعليقاتها الصحفية التشكك عن عدم قدرتنا الى معرفة اْهمية البترول في بلادنا وقد بداْت تعلن على حد المعلومات السياسية التي وصلتها من مختلف المحافل عن مطامع بعض الدول العربية فى ليبيا.. و(اْقول هذا وبين يدى قصاصة مترجمة عن صحيفتى الكوريرى ودى انفورما تسيوني الصادرتين بتاريخ 24.8.1963 جاء فيها نقلا عن احدى المصادر المطلعة في احدى العواصم الكبرى أن اجتماعا حصل في المدة الأخيرة بين قطبين كبيرين في احدى البلاد العربية تناولا فيه وضع خطة محكمة لإحتلال ليبيا وتقسيم مناطقها البترولية إلى مناطق نفوذ بين تلك الدولتين المشتركتين متى حان الوقت المحدد لذلك والمصادر المعنية التي تسرب منها هذا الخبر الى الصحف المشار اليها هي مصادر دبلوماسية بالطبع وما دمنا قد ذكرنا هذه المصادر بالذات فعلينا أن نذكر جميع الافتراضات التى نحاول من ورائها أن نستنتج صورا متعددة عن نشر هذه الاشاعة ومدى أثرها والغاية من اشاعتها أو القصد منها..)… ثم يمضي قائلا.. (عالجنا هذه الإشاعة معالجة نفسية وواقعية وذلك على ضوء سلوك ليبيا مع جميع الدول العربية والدول الأجنبية سلوكا يكاذ يكون في السياسة الخارجية أمراً مثاليا لا مثيل له في سياسة الدول الأخرى. وليبيا المعتزة بكيانها ونظامها وتاريخها العريق وعقائدها الصافية النقية الروحية البناءة ستحترم كل من يحترمها وستقف في وجه كل طامع يتربص بها ولن تتخلى عن أي شبر من أراضيها لأي طامع مهما كان هذا الطامع عربيا اْو اْجنبيا ونحن لا نكترث بالخطط المبيتة حتى من أولئك الذين اْويناهم وقت الشدة وغمرناهم بمختلف صنوف الرعاية والعناية حتى اذا وقفوا على أقدامهم أصبحوا يتاْمرون على كياننا ويريدون نهب ثروتنا مع الغير في خطة مبيتة تتسم بمعاني الغدر والتنكر فالى هؤلاء جميعا نعلن باْننا شعب قادر على الاطاحة بأي خطة غادرة قد وضعت من الغير ضدنا مهما كان الأمر..).

ويوجه كلامه إلى الحكومة (كان رئيسها د. محي الدين فكيني) قائلا.. (وفي الوقت نفسه نطلب من الحكومة أن تتحرى الحقائق التي نشرت في الصحف المشار اليها في هذا المقدمة ما دامت مصادرها الدبلوماسية مذكورة في تلك الصحف واذا ثبت للحكومة الليبية صحة ذلك فعليها ادانة تلك الجهات المعنية في نطاق المفاهيم الدولية أما أن تبقى الحكومة ساكتة عن مثل هذه الأوضاع المخيفة فهو أمر ياْباه الشعب الذي له من القدرة والمقدرة ما يجعله قادراً على حفظ كيانه ومقدساته التي لا تُداس أبداً)…

فماذا حدث للزمان؟ عطلتها الحكومة لمدة ثلاثة أسابيع عن الصدور بدعوى اثارة البلبلة. (مقابلات شخصية مع الاستاذ احمد يونس نجم. بنغازى. مارس 2009). وقام رئيس الحكومة مع وفد رسمي بزيارة الجزائر وتونس ثم وصل فريق نادي الهلال الرياضي ببنغازى لاْجراء مباريات ودية في الجزائر العاصمة وعنابه, كان أول فريق رياضي عربي يصل الجزائر عقب استقلالها ثم أول بعثة كشفية ليبية أيضا.

اخرها… قال المثل

(اللي يعضك وقضك لسنونك).يقول الليبيون.والأمثال دائما يرددونها.ولا موقف رسمي أو شعبي مما يقال حولنا, والمطلوب باْستمرار بين كل الشعوب.. بين كل الجيران. استيعاب التاريخ والوعي به وفهمه واحترام الاتفاقات والمواثيق التي رسمت الحدود حتى لو تمت في عهود الاستعمار والحماية, يتحمل الطرفان بعضهما, يكملان بعضهم, يظلون اخوة وجيران..وأيضاً للقمر.. بدلاً من فرقعة الكلمات.. أو العض  من وراء الحدود!! .

 

سالم الكبتي __ بوابة ليبيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق