بورتريه

سعاد الحداد أو سيدة المسرح الليبي    

لقد دأب الوسط الفني المصري خاصة والعربي عامة على إطلاق ألقاب خاصة على بعض الفنانين من باب تمييزهم عن سواهم في الحقل الفني الذي برزوا فيه. فأم كلثوم هي “كوكب الشرق”، وعبد الحليم حافظ هو “العندليب الأسمر”، وفاتن حمامة هي “سيدة الشاشة المصرية”، ونبيلة عبيد هي “نجمة مصر الأولى”، وناديا الجندي هي “نجمة الجماهير”، وشادية هي “دلوعة الشاشة” وفريد شوقي هو “وحش الشاشة”، فما الذي جعل من الفنانة الليبية “سعاد الحداد” رائدةً للمسرح، تحظى بتسمية “سيدة المسرح الليبي” من قبل رواد المسرح في ليبيا؟

إن تتبُّع المحطات الأهم في حياة هذه الفنانة ستساعدنا حتما على تَلَمُّس مُسَوِّغات هذا اللقب الذي حظيت به بعد رحلة اغتراب بدأتها أسرتها بالهجرة إلى سوريا في بدايات العهد الاستعماري لليبيا. وهناك في دمشق انضمت أسرتها إلى الجالية الليبية في الشام، وهي الجالية التي تجمَّع فيها مهاجرو ليبيا تحت عنوان مغاربيتهم. ومنذ ذلك الوقت المبكر من تاريخ الاغتراب، نشطت تلك الجالية سياسيا واجتماعيا وثقافيا في حاضنة النضال الاغترابي بكل أشكاله دعما للفعل النضالي المقاوم على الأرض الليبية لدحر المستعمر الإيطالي.

في تلك البيئة الاغترابية النضالية الحاضنة قدمت سعاد الحداد عملها المسرحي العربي الأول بترشيح مؤلف ومُخرج ومُمثل ليبي مغترب مثلها هو “صبري عياد”. فكانت هي وهو ومن عمل معهما من الليبيين والعرب الشاميين الجيل التأسيسي للفن الدرامي العربي مسرحا وتلفزيونا وسينما. إذ من نقطة الانطلاق هذه، ومن الحاضنة الفنية البعيدة تلك، تولدت قامات فنية عرفناها لاحقا وعلى مدى عقود من العطاء الفني، مثل “دريد لحام” و”نهاد قلعي” وغيرهما.

اقتحمت سعاد ميدان الفن برغبتها وبدعم من أسرتها منذ وقت مبكر من حياتها، ولقد واتاها الحظ عندما لعبت أول أدوارها في المهجر ضمن فرقة الفنان المصري الكبير “حسين رياض”. فوالدها كان صديقا للفنان “صبري عياد” الذي منحهُ والدها ثقته في أن يجعل من ابنته فنانة مسرحية مُتمكنة الأداء والأدوات. فكانت بسبب هذه البيئة المحيطة بها وبصورة مفاجئة ساعدها فيها القدر على نحو لم يكن ليتاح لغيرها من الطامحين بسهولة، عندما أصبحت هي المرشَّحة التاريخية التي أنقذت فرقة “حسين رياض” من الحرج الذي تسبب فيه تغيُّب الممثلة “فاطمة رشدي” عن دورها في مسرحية “قيس وليلى” التي كانت تلك الفرق تعرضها في دمشق في تلك الفترة.

كان عملها المسرحي الأول بعد أن شاركت في تأسيس المسرح الوطني، مسرحية “أهل الكهف” للمخرج المسرحي “عمران المدنيني” عام 1965. ثم توالت مُشاركاتها المسرحية بعد ذلك، وكانت أدوارها رئيسة دائما وأغلبها بطولات درجة أولى، ومن المسرحيات التي أدت فيها أدوار البطولة على سبيل المثال لا الحصر: مسرحية “الزير سالم” للمخرج الأمين ناصف، ومسرحية “الصوت والصدى” للكاتب “عبدالله القويري”، ومسرحية “وطني عكا” للطاهر القبائلي، ومسرحية “لعبة السلطان والوزير” للبوصيري عبدالله.

كانت سعاد قد دخلت المسرح المسموع – الإذاعي – كممثلة في الإذاعة الليبية منذ عام 1966. لذلك نجدها منذ تلك الفترة تعمل على تثبيت نفسها في الدراما المسموعة ممثلة ومعدة ومقدمة ومخرجة أيضا. ولقد أهلتها هذه الخبرة لتكون أول سيدة ليبية تعبر إلى التلفزيون كممثلة ثم كمخرجة بعد دورة تلقتها في الإخراج المرئي عام 1968 بالإذاعة الليبية, حيث اشتغلت مُخرجة لنشرات الأخبار والبرامج. ورغم قلة الإنتاج السينمائي الليبي إلا أنها شاركت في فيلم “تاقرفت” للمخرجين الليبيين “خالد خشيم” و”عياد دريزة” كمُمثلة أولا وضمن الطاقم الفني كمساعدة مُخرج ثانيا.

حظيت سعاد الحداد بتقدير وتكريم رسميين وجماهيريين عاليين، فمنحت رسميا “وسام الريادة”، وكرمت جماهيريا أكثر من مرة في أكثر من مدينة ليبية. وفي مهرجان مسرحي بطرابلس عام 2007 تم اختيارها رئيسةً شرفية له، وقفت مُحيية الجمهور قائلة:

“لقد كان المسرح خلال سنوات رحلة حياتي هو مدرستي وبيتي وأساتذتي وزميلاتي وزملائي وصديقاتي وأصدقائي، كنت أحاول أن أُسهم معهم جميعاً في حفر خصوصية مسرح ليبـي بقدر ما يستفيد من المسرح العربي والعالمي، وبقدر ما يكون مسرحاً ليبياً خالصاً يقتحم الواقع الليبـي ليواجه قضاياه المعقدة، وليكون الأستاذ الحقيقي الذي يدفع نحو تقدم حقيقي في جميع مجالات الحياة”. فهل نجحت في ذلك أم أن المعوقات والمثبطات كانت تقف دائما في وجهها، كما كانت تقف في وجه كل شرفاء ليبيا الذين غيبتهم أدوات الاستبداد والقمع والاستعلاء.

عندما رحلت سعاد الحداد، قال عنها الصحفي والأديب الليبي “أحمد الفيتوري”:

“سعاد الحداد كما أبي ذر الغفاري جاءت وحدها، عاشت وحدها، أخلصت وحدها، ومشت وحدها، سعاد الحداد يليق بها الحِداد، سعاد الحَداد تليق بها ليبيا، سعاد الحداد ابنة الوطن الذي حلمت به وعملت من أجله وان لم تره، سعاد الحداد يليق بها الحِداد، فسلام عليك يوم ولدتِ ويوم عشتِ ويوم تُبعثين حية”.

أسامة عكنان*

المصدر : رؤية ليبية العدد 9 بتاريخ 30 يوليو/جويلية 2018

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب أردني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق