ثقافةرأيشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ما هي معايير تحديد تاريخ نشأة المسرح الليبي؟

في بلد يعتبر المسرح فيه فنا هامشيا وثقافة لا تحظى بالشعبية المطلوبة، عندما يكون الجدل محتدما بصورة تثير الاستغراب حول تاريخ نشأة هذا الفن وظهوره في البلاد، فإننا نكون أمام أمر مثير للدهشة فعلا. فأن يتم التنازع على تاريخ تأسيس المسرح في بلد مثل ليبيا لا يتجاوز عدد المسرحيات التي عرضت فيه على مدى مائة عام عدد المسرحيات التي كانت تعرض في مصر خلال عام واحد فقط، لهو أمر يدعو إلى التوقف والتأمل.

في حقيقة الأمر عندما تتفشى الضحالة في فن من الفنون انتشارا واهتماما في بلد ما، فإن المعنيين به يجدون أنفسهم مدفوعين بلاوعي إلى الغرق في تفاصيل لا قيمة لها، ولا هي تقدم ولا تؤخر في إثراء ذلك الفن. من هنا فقد كُتِب عن الجدل حول تاريخ نشأة المسرح الليبي أكثر مما كتب من نصوص مسرحية تم عرضها على خشبات المسارح.

في هذا الصدد يعتبر بعض الليبيين أن عام 1908 هو تاريخ ظهور المسرح في ليبيا، والسبب في ذلك كما يقولون هو ما كتبته صحيفة “الترقي” بتاريخ 11 أكتوبر 1908، حين نشرت مقالة بعنوان “حب الوطن” تحدثت فيه عن مسرحية عُرِضَت على مسارح طرابلس آنذاك حملت عنوان “وطن”، قدمتها “جمعية التشخيص” التي أسسها الصحفي الليبي محمد قدري المحامي، وألفها الشاعر التركي محمد نامق. وهي مسرحية جاءت تعاطفا مع عمال البناء الذين رفضوا تفريغ سفينة نمساوية تعبيرا عن موقفهم من الصراع الذي كان دائرا في البوسنة والهرسك آنذاك. كما أشارت ذات الصحيفة إلى أن هذه الجمعية قدمت مسرحيتين بعدها هما: “شهيد الحرية” و”محاكمة المستبدين”، إلا أن أعمالها ما لبثت أن توقفت بعد دخول الإيطاليين إلى ليبيا وقمعهم لجميع الوطنيين بلا استثناء.

في المقابل هناك مجموعة من الفنانين والمؤرخين لا يعترفون بهذا التاريخ كمنطلق للمسرح الليبي، ويتمسكون بفكرة أن التاريخ الحقيقي لتأسيس المسرح الليبي جاء على يد الفنان “محمد عبد الهادي” في مدينة درنة عندما عرض مسرحية “آه لو كنت ملكًا”، لأنهم انطلقوا من فرضية أن اعتبار ظاهرة ما مسرحا يعود لتحَقُّق ثلاثة عناصر هي: العرض المسرحي، وخشبة المسرح، والجمهور المشاهد للعرض، وهو ما يعتبرون أنه لم يتحقق إلا بدءا من هذه المسرحية.

ومع أنا أحدا لا يستطيع إنكار الدور المهم الذي لعبه الفنان “محمد عبد الهادي” في الحركة المسرحية الليبية، سواء في حياته أو حتى بعد وفاته. ومع أن أحدا أيضا لا يستطيع إنكار أن محمد قدري قدم مسرحا عام 1908، فإن الجدل الدائر حول نشأة المسرح الليبي بهذا التجاذب الغريب الذي يتعاطى مع عرضين ليبيين قُدِّما في ليبيا، مُنْكِراً أن يكون أحدهما هو البداية لأسباب شكلية مظهرية، يجعلنا نعطي لأنفسنا الحق في توصيف حركة التأريخ للمسرح الليبي بأنها حركة شكلية لا تتعاطى مع الجوهر.

فالمسرح في بلد ما يظهر في اللحظة التي يتم فيها تقديم عروض مسرحية تتعاطى مع قضايا محلية بالدرجة الأولى، لتأتي القضايا غير المحلية في المقام الثاني، بصرف النظر بعد ذلك عن العناصر الشكلانية لهذا التقديم، مثل وجود خشبة وجمهور بشكل أرستقراطي من عدم وجوده. فمسرح الهواء الطلق، ومسرح الشارع، هي التي غيرت  التاريخ في الكثير من الدول، مع أن الخشبة كانت هي الرصيف، ومع أن الجمهور كانوا هم العابرون البعيدون عن أي مظهر رسمي للمشاهدة المسرحية.

يبدو أن المتجادلين حول تاريخ نشأة وتأسيس المسرح الليبي بهذه الطريقة السقيمة مغرقين أنفسهم في شكلانيات لا قيمة لها، هم فضلا عن ذلك قد خلطوا كثيرا بين ظهور المسرح بوصفه ظاهرة فنية، وبين ظهور العنصر المسرحي سواء كان هذا العنصر نصا أو ممثلا أو مخرجا أو خشبة مسرح.. إلخ. فظهور العنصر المسرحي في ليبيا – مثلا – لا يعني ظهور مسرح في ليبيا. فلو جاءت فرقة مسرحية مصرية وبنت مسرحا خشبيا على وجه السرعة وعرضت مسرحية مصرية قلبا وقالبا، فلا يمكن أن يُقال أننا أمام مسرح ليبي حتى لو شاهده ليبيون. فهذا تسفيه لدور المسرح ولعلاقته بالبناء الثقافي للمجتمع. كما أن فرقة مسرحية ليبية لو قدمت عرضا مسرحيا لمسرحية “عطيل” لشكسبير، حتى لو كان ذلك أمام جمهور ليبي، فإننا لا نكون بصدد مسرح ليبي.

إن هاتين المسرحيتين وغيرهما من المسرحيات التي قد تعرض في ليبيا من قبل مسرحيين ليبيين أو غير ليبيين، لا يمكن اعتبارها جزءا من ظاهرة المسرح في ليبيا إلا إذا كانت جزءا من كل يقوم أهم ما في هذا الكل على واقعة تجسيد الفعل المسرحي لقضايا أبناء البلد وهمومهم. ولذلك قيل أن من يريد ان يتعرف على شعب من الشعوب فليشاهد مسرحَه. ترى هل من يشاهد مسرحية “ريا وسكينة”، أو مسرحية “عطيل”، أو مسرحية “القطط”، أو مسرحية “ترويض النمرة”، في مسرح ليبي وأمام جمهور ليبي، يستطيع أن يتعرف على الشعب الليبي من خلالها؟! بكل تأكيد إنه لا يستطيع، لأن هذه المسرحيات ليست ليبية حتى لو أداها ليبيون وأخرجها ليبيون وشاهدها ليبيون.

من هنا فإننا نستطيع القول بأن من يريد تَعَقُّب تاريخ ظهور ونشأة المسرح الليبي، عليه أن يبحث عن أول عمل مسرحي ليبي صيغَ من صميم القضايا والهموم الليبية وأداَّه ليبيون أمام جمهور ليبي على الأرض الليبية بالدرجة الأولى، ليكون هذا التاريخ هو المنطلق. وبعد ذلك عندما نرى أنه من بين كل عشرين مسرحية ليبية تعرض – بهذه المواصفات – توجد ثمان مسرحيات عالمية أو عربية، فإننا نستطيع أن ننسب هذه المسرحيات إلى المسرح الليبي باعتبارها تُعْرَض على هامشه بمسرحيين ليبيين.

أسامة عكنان*

المصدر: صحيفة رؤية ليبية ، العدد 10 ، بتاريخ 06 أوت 2018 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب أردني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق