رأيليبيا

نعم للانتخابات بناء على أسس دستورية، ولا لفترة انتقالية أخرى   

فرض منطق توازن الضعف بين أطراف الصراع، على كل الأحزاب والأطراف الاتفاق على ضرورة إجراء انتخابات عامة للخروج بالبلاد من أزمتها وأن تكون هذه الانتخابات بداية جديدة لعملية سياسية مستقرة بعيداً عن الصراع وتنازع الشرعية والتكدس في مراكز السلطة ولكن الخلافات القائمة حاليا تبقى حول التفاصيل والاولويات والزمن ومن المعروف أن إجراء الانتخابات يحتاج موضوعيا إلى إطار دستوري يعطي نتائجها الشرعية، ويمثل المرجعية التي يُحتكم إليها عند الاختلاف والتنازع القانوني أو الدستوري، وذلك الأمر يمثل طبعا نقطة الخلاف الكبرى التي تحول دون إجراء الانتخابات، حيث برز اتجاهان مختلفان:

أ- اتجاه أول يُنادي بضرورة الاستفتاء على مشروع الدستور الذي انتهت من إعداده منذ أكثر من سنة هيئة منتخبة ثم إقراره أو تعديله، -والذي لازال يمنع من الاستفتاء عليه مجلس النواب الملزَم بإصدار قانون للاستفتاء على مشروع الدستور يضمن من خلاله أن يكون هذا الاستفتاء شفافاً ومعبراً عن إرادة الشعب-، ثم بعد ذلك الذهاب إلى الانتخابات العامة وهذا موقف يدعمه الإسلاميون وحلفائهم من أنصار فبراير وضمن تعمه إيطاليا وعدد من الدول العربية والأجنبية بغض النظر عن الخلاف في التفاصيل او الالتقاء السياسي والايديولوجي ….

ب- اتجاه ثان يدعو إلى الذهاب إلى الانتخابات قبل الاستفتاء على مشروع الدستور وإقراره أو تعديله، والتوافق على إطار دستوري لهذه الانتخابات يُعدَّل بموجبه الإعلان الدستوري، وتبدأ بذلك مرحلة انتقالية جديدة يتم فيها إعادة النظر في مشروع الدستور والحكم عليه، ولعل ما حدث أخيراً في مجلس النواب من عرقلة ومنع لعقد الجلسة الخاصة بالتصويت على قانون الاستفتاء يعكس إصرار أصحاب التوجه الثاني على فرض رؤيتهم السياسية ومصادرة حق الشعب من الاستفتاء على الدستور، ويؤكد العجز المستمر لمجلس النواب عن القيام بمهامه أو حتى عقده جلساته بشكل صحيح وسلس، وأنه–أي مجلس النواب- أصبح أداة لرئاسته المتمثلة في المستشار عقيلة صالح، يقامر به من أجل تحقيقه طموحاته السياسية، ولابد من الإشارة الى ان المصريين والاماراتيين وفرنسا وعدد من الدول العربية والأجنبية تدعم هذا المسار بأشكال مختلفة بغض النظر عن الاختلاف في التفاصيل ….

وواقعيا يحتج به الرافضون لمشروع الدستور أنه غير توافقي وتم إعداده وصياغته في حالة انقسام وأزمة سياسية حادة ولا يمكنه بذلك أن يحقق الاستقرار المنشود، إضافة إلى اعتراض مكونا الأمازيغ والتبو عليه، وهنا يجب الإشارة إلى أنّ مشروع الدستور هو نتاج هيئة منتخبة مباشرةً من الشعب، لذلك فإن الذي يملك حق قبول أو رفض مشروع الدستور هو الشعب، وليس لمجلس النواب هذا الحق، فمجلس النواب مهمته إقرار قانون الاستفتاء الذي يضمن أن يكون الاستفتاء معبراً عن إرادة الشعب بكل شفافية ونزاهة، ومن أراد رفض الدستور وعدم إقراره فليبحث عن سبيل غير مجلس النواب ليحثّ الناس على رفضه وعدم الرضا به لأنهم أصحاب الكلمة الفصل في ذلك.

أما فيما يخصّ المكونات الاجتماعية سواء التي قاطعت عمل الهيئة أو التي شاركت فيه ولم تكن راضية عما خلصت إليه الهيئة، فإنها مسؤولة أمام من تمثلهم عن هذا سلوكها وموقفها، ومع ذلك فإن مشروع الدستور يعترف ويضمن بشكل كبير جداً حقوق كل مكونات المجتمع الليبي، وكل محاولات التضخيم لقضية المكونات الاجتماعية هي من باب المناكفة السياسية لا غير.

ان الاختلافات بين الليبيين يجب أن تحل بالحوار ولا يجب إخراجها ان هناك صراعات بين الفرنسيين والايطاليين والتي هي صراعات حقيقة ولكنها في واقع الأمر ليس بالطريقة التي يصورها البعض لأنه في الغرف المغلقة وفي استراتيجيات الدول هناك لغة أخرى للتخاطب والتعامل وليبيا والليبيين ليسوا معنيين الا بما يخدم استقرار بلادهم وعدم سقوطها في اتون الحرب الاهلية او مزيد من تأزيم الوضع الاجتماعي وانعدام لغة الحوار والذي يبقى اللغة الوحيدة للحل على مسار سياسي توافقي يحتكم في الأخير لإرادة الشعب الليبي باعتباره صاحب السيادة الفعلية …

إن مشروع الدستور ليس مثاليا، إلا أنه نتاج هيئة منتخبة ومستقلة وهو الفرصة الأكبر لإنهاء ركام المراحل الانتقالية المتداخلة والمتنازعة التي مرّت بها ليبيا بعد 201 وخاصة بعد ماي 2014 ولابد حاليا من الدخول الى مرحلة الاستقرار السياسي بمرجعية دستورية متكاملة وواضحة،  ذلك أن الذهاب إلى مرحلة انتقالية جديدة هو استمرار في محاولة الإقصاء والتفرد بالسلطة، لأن المنادين بذلك يجعلون التوافق على إطار دستوري للانتخابات حقّاً حصرياً لمجلس النواب العاجز عن عقد جلساته على غرار جلستي 30 و31 يوليو الماضي مما أحالنا الى الجلسة المنتظرة اليوم 06 أغسطس/أوت 2018، وهو ما يبين الأسباب الحقيقية التي تدفع البعض في اصرارهم على  الذهاب إلى مرحلة انتقالية جديدة، فهي تمثّل لهم الفرصة الأخيرة لإقصاء خصومهم السياسيين أو القضاء عليهم، ثم تعديل مشروع الدستور وتفصيله بما يناسب مقاساتهم السياسية ومصالحهم بعيدا عن آلام الناس ومشاغلهم اليومية وآمالهم في لبيا جديدة…

ان وجود تلك العقلية هي عمليا الدافع والمحرّض على ذلك التوجه الرافض في الحقيقة لإرادة الشعب ولكن يتم تغييب ذلك في الخطاب السياسي وتوجيه الاتهامات للخصوم بالاعتماد على قنوات عربية ولوبي سياسي ومالي في المنطقة يخدم أجندات التصهين والوصاية الأجنبية المقنعة، وهو بذلك يريدون تأبيد عملية الفوضى والانقسام واللذان سيبقيان مستمرين خاصةً وأن معلوم للجميع أن الإعلان الدستوري الحالي أصبح مهترئاً لكثرة ما طاله من تعديلات، واتسعت فيه خروق الفوضى والانقسام على أن ترقعها تعديلات المنقسمين والمتنازعين…

ان البعض تقوده عقلية مواصلة منطق الوكالة لقوى إقليمية لا تريد للدستور الليبي ان يرى النور ولا ترى رئيسا لليبيا الا من يخدم مطامعها ومطامحها في خيرات ليبيا التي يحلمون ان تبقى دوما مقسمة ولكن للشعب خياراته ولقواه الطلائعية من نخب وشباب ونساء من أن يفرضوا مرحلة البناء واجراء انتخابات بناء على أسس دستورية مثلما سطروا ملاحم الوطن ذات 17 فبراير ومثلما رفضوا الوصاية في وفرضوا الاستقلال والوحدة بداية الخمسينات من القرن الماضي.

المصدر: صحيفة رؤية ليبية ، العدد 10، بتاريخ 06 اوت 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق