رأيشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

حتى لا نُضيع بوصلة فهم الأحداث والتطورات :ماذا يجري في طرابلس وماهي سياقات الاحداث ومالاتها المنتظرة؟

مكّن الصراع المحتدم منذ منتصف 2014 بين جناحي فبراير (“فجر ليبيا” – “الكرامة”) والمغذى من طرف السبتمبريين ومن طرف أذرع اقليمية وقوى دولية، من تحويل الشعب الليبي إلى ضحية وأصبحت الأطراف المتقاتلة حاضنة للمقاتلين وللمرتزقة الأجانب، وبيئة مناسبة للارتزاق من خلال ممارسة العنف لأغراض البحث عن السلطة والثروة والنفوذ، فسادت حالة من عدم الاستقرار والانفلات الأمني…

لقد دخل المجلس الرئاسي إلى العاصمة طرابلس تحت حماية الكتائب المسلحة الداعمة للاتفاق السياسي، ووسط سخط المعارضين السياسيين والكتائب المؤيدة لهم، وتم إرساء ترتيبات أمنية بتخطيط المنسق الأممي لبعثة الأمم المتحدة الضابط الإيطالي باولو سيرا، الذي يعتقد على نطاق واسع أنه كان وراء سيطرة الكتائب المؤيدة والتابعة للمجلس الرئاسي على العاصمة طرابلس في مارس 2017 وطرد الكتائب المعارضة للاتفاق السياسي، وعمليا أخذت الكتائب المسلحة الساخطة، والتي أُخرجت من طرابلس، تتحيّن فرصة الرجوع إليها حيث حاولت عدة مرات، ومقابل ذلك اتبعت الكتائب الموجودة في طرابلس وخاصة القريبة من التيار المدخلي أساليب لترسيخ نفوذها، فبالرغم من الاعتراف بقيام بعض من هذه الكتائب بدور هام ومفصلي في بسط الأمن ومتابعة المجرمين وإبعاد شبح الإرهاب عن طرابلس، إلا أن وتيرة اتهامها بالقيام بممارسات مخالفة للقانون قد ارتفعت، حيث اتُهمت من قبل الكثيرين، بارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان من تعذيب وإخفاء قسري وقتل خارج سُلطة القانون، وبنهب واستغلال المال العام، فضلًا عن ممارستها لعمليات ابتزاز للمسؤولين في الدولة، بل أن وتيرة السخط والاستيلاء قد ارتفعت داخل العاصمة وخارجها، حتى أن بعثة الأمم المتحدة قد حذرت منذ ثلاث أسابيع من هذه الكتائب وممارساتها في بيان وصف بشديد اللهجة من قبل وكالات الانباء الأجنبية…

وما حدث أن الفرصة قد حانت للكتائب الحانقة على كتائب طرابلس والتي وصفت أخيرا بــ”مليشيات الاعتمادات” حيث حدث صدام بين اللواء السابع “الكانيات” من مدينة ترهونة، وبعض هذه الكتائب في منطقة قصر بن غشير وسوق الأحد  (جنوب طرابلس)، وأدى ذلك إلى اشتباكات ومواجهات عنيفة ومعارك كر وفر، وقد شاركت في هذه المواجهات أغلب الكتائب التي لديها موقف عداء من الكتائب المتبقية داخل طرابلس، باستثناء بعض الكتائب التي لها امتدادات جهوية خارج طرابلس، مثال ذلك الكتيبة 301 من مصراتة، التي فضلت تجنب ذلك الصدام مع امتدادها، في حين لم تشارك كتائب تاجوراء، حتى مساء أول أمس السبت في هذه الاشتباكات بالرغم من أنها قادت مواجهات سابقة ضد الكتائب الموجودة في طرابلس.   

وبالرجوع للخلفية السياسية لما يجري يكفي أولا التأكيد على اخفاق مجلس نواب طبرق والمجلس الأعلى للدولة في التوصل إلى أي مقاربة تخفف من حدة الانقسام السياسي، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والمالية، فحكومة الوفاق لم تمنح الثقة، كما أخفق المجلسان في إصدار التشريعات المنهية للمراحل الانتقالية مع أن نصيب مجلس النواب من هذا الفشل أكبر نتاج أدائه المُخزي، ولأنه الجسم التشريعي الوحيد بينما كان أداء المجلس الأعلى أفضل بشهادة كل المتابعين…

وفي السياق الاجتماعي للتطورات الأخيرة يمكن القول أن الرأي العام في العاصمة لم يلعب أي دور يُذكر في تغيير واقع الصراع والتنافس السياسي والعسكري، حيث لم تكترث الجماهير الطرابلسية لأي طرف، بل ساوت بين القوى المهاجمة والمدافعة، وانشغلت في المطالبة بحل مشاكلها المعيشية، ذلك أن رغبة الشعب الليبي تتمثل في تحقيق الأمن والاستقرار وتوحيد سلطة الدولة، وبناء مؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية، ولأن كُل طرف من الأطراف السياسية و”الميلشياوية” كان هدفه كسب القاعدة الشعبية وبناء على ذلك أفرز التنافس والصراع السياسي والعسكري سواء بين السياسيين أو بين “الميليشيات” حالة من الاستياء لدى سكان طرابلس، وصل حد مطالبتهم بنقل العاصمة إلى مكان آخر؛ لأن ذاك الصراع هو صراع على النفوذ والسلطة وليس على طرابلس بذاتها وبالتالي خسرت القوى السياسية والكتائب المسلحة أي تعاطف من الليبيين عامة، وسكان العاصمة خاصة (لم يخرج في المظاهرة التي دعت لها بعض القوى المدنية الوطنية الجمعة 31 أغسطس/أوت 2018، للمطالبة بوقف الاقتتال، سوى عشرات من المواطنين لا غير)،  ومعنى ذلك انتظار شعبي لمرحلة ما بعد المليشيات”….

إزاء ما حدث، تطور الموقف الدولي من قلق إلى إدانة ثم المطالبة بوقف إطلاق النار، حيث أصدرت بعثة الأمم المتحدة بيانات متصاعدة في اللهجة بدأ بالمطالبة بضبط النفس، وتطور إلى الإدانة الصريحة دون أن يحدد طرفا بعينه ولكنها شملت كل الأطراف، ثم عبَّر البيان المشترك الصادر عن السفراء والقائمين بأعمال دول فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة عن القلق العميق من أي تصعيد مطالبًا بضبط النفس، وأكد دعمه لجهود المبعوث الأممي غسان سلامة، مع الانتباه  أن بيانات البعثة ذكرت حكومة الوفاق ولم تذكر المجلس الرئاسي، بينما لم يرد ذكر المجلس الرئاسي والاتفاق السياسي في بيان السفراء بالمطلق وذلك له معانيه الكثيرة…

ووفقا للسياقات والمعطيات سالفة الذكر أعلاه فإن السيناريوات المنتظرة هي:

1- سيطرة الكتائب المهاجمة على العاصمة، والانقلاب على الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري وإصدارها إعلانا دستوريا جديدا، وهذا يعيد الأمور إلى النقطة صفر بل ويزيد الانقسام بين المناطق التي يسيطر عليها حفتر والمنطقة الغربية، إلا إذا جرى الاتفاق مع حفتر وبرضا كتائب مصراتة والزنتان، وهذا خيار وارد ولكنه ضعيف جدا …

2- سيطرة   المهاجمين من السيطرة على العاصمة والاعتراف بالاتفاق السياسي والإعلان الدستوري، وتطالب المجلسين (النواب والدولة) بسرعة إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق والمناصب السيادية المذكورة في المادة (15). وهذا يتطلب توافقا لن يمرّ إلا برضا حفتر ومحيطه العائلي والاستشاري بسبب ولاء مجلس النواب له مع إمكانية تطورات الصراع الصمت بين حفتر وعقيلة صالح….

3- اتخاذ حكومة السراج قرارات جريئة بإعادة تشكيل الكتائب المسلحة وقياداتها، والتي لا تأتمر بأمر الجهة التي تتبعها، أو حتى سحب الشرعية منها ومحاسبة تلك القيادات المتهمة بأنها ارتكبت جرائم وانتهاكات متعددة، ورغم أن ذلك يخفف من الاحتقان عسكريا إلا أنه لا يُنهي الانقسام ولا يحقق الهدف السياسي…

4- بقاء الحال على ما هو عليه، وسيكون ذلك استمرارا لحالة القلق إلى حين إعادة الهجوم على العاصمة من جديد، وهذا خيار ضعيف نسبيا…

وفي الأخير يمكن التأكيد ان ما يحدث الآن فيه أدوار مفصلية وأجندات لأطراف متحكمة ودافعة بهدف الوصول الى حالة سياسية خادمة لها كما أن سيناريوهات قد سقطت وأن خيارات عديدة وضعت في التسلل، وأنها ربما تريد حكومة انتقالية واسعة الصلاحيات مع تحجيم أو انهاء دور السراج ومجلسه، ومع ذلك فإن حالة الفوضى والعبث قد لا تتوقفان في العاصمة وفي كل ليبيا أيضا، فمتى سيعي الجميع أن من مصلحتهم الخاصة والعامة قيام الدولة ومؤسساتها؟، فالمشهد ربما قد يكون مرشحا لمزيد من الخلاف والاقتتال بين القوى المنتصرة نتاج عقليتي “الغلبة” و”الغنيمة”…

والثابت الأكيد أن لا حل في ليبيا إلا الحوار ونكران المصالح الذاتية والفئوية والمسارعة في بناء   مؤسسات الدولة على أسس وطنية ومهنية….

 

المصدر: صحيفة رؤية ليبية ، العدد 12، بتاريخ 2018/09/03

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق