دراساتشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

جذور ثقافة المقاومة الاستباقية في الوعي الليبي المعاصر (الجزء الثاني)

تؤكد الوثائق الوطنية التي تكشف عن أسماء أعضاء الجمعية الخيرية التي نشأت في ليبيا نهايات القرن التاسع عشر، والتي تولت إعداد الشعب الليبي ثقافيا لروح المقاومة بشكل استباقي، أنهم كانوا من مثقفي مدينة طرابلس في البداية، ثم من مثقفي ليبيا عموما في وقت لاحق عندما توسعت وتنامت أعمالها ونشاطاتها. ويبدو أن سلسلة المحاضرات التي كانت تُلقَى على مسامع تجمعات هؤلاء الشباب في علوم مختلفة، وخاصة في علمي الجغرافيا والسياسة اللذين كانا يتعرضان لكيفية التوسع الاستعماري الأوربي في العالم الإسلامي، قد تمكنت من خلق بذور وعي عميق بمتطلبات الجهاد لمقاومة التغلغل الأوربي الاستعماري في البلاد.

هذا ويمكننا استخلاص فلسفة وفكر هذه الجمعية الخيرية السرية الأم التي تحدثنا عنها في المقال السابق لجهة ثقافة المقاومة الاستباقية، التي كانت بحق، الحبلَ السِّري الذي ربط الشعب الليبي منذ بواكير إحساسه بالمؤامرة، بمستقبله المرتقب وهو يتعرض لها، كي يعيشَها واعيا بتفاصيلها، عارفا بكل تداعياتها، ومتوقعا كل نتائجها، ومؤمنا بنفسه كشعب قادر على التخلص من أتونها، ومدربا وجاهزا سياسيا وعسكريا لمواجهة صانعيها من أساطين الاستعمار الأوربي، حتى النهاية.. نقول.. يمكننا استخلاص فلسفة هذه الجمعية فيما أورده ميثاقها ونظامها الداخلي في المواد الخمسة عشرة الأولى منه، وهي على النحو التالي:

المادة الأولى:

وتنص على أهمية العضو المنضم إلى الجمعية، ويظهر ذلك من خلال الاحتفال الخاص والمهيب بانضمامه إليها، ضمن طقوس تُرَسِّخ الثوابت الوطنية والقومية والدينية للشعب الليبي.

المادة الثانية:

وتنص على ضرورة السؤال عن العضو إذا غاب أكثر من يومين، وعيادته إذا مرض، والأخذ بيده إذا تعرَّضَ لأيِّ مُلِمَّة.

المادة الثالثة:

وتنص على أن على العضو الحضور كل ليلة إلى مقر الجمعية ومعه خبر جديد، سواء كان داخليا من الولاية، أو خارجيا يكون قد سمعه أو قرأه، كي يلقيه على مسامع الأعضاء الآخرين. وهو ما ينطوي على التحريض على تتبع أخبار الأوربيين المتغلغلين، ونشاطات القناصل، والتجار الوافدين من أوربا، والمتعاونين معهم من أبناء البلد، فضلا عن مواقف الوالي العثماني ورجاله.

المادة الرابعة:

وتنص على ضرورة توجيه الدعوة إلى الشخصيات البارزة لاستقطابها، مثل زعماء الطوائف الصوفية والشخصيات المتنفذة.

المادة الخامسة:

وتنص على ضرورة ربط طبقات الشعب كافة بالجمعية، سواء من أجل الحصول على دعم المتنفذين في مقاومة الخطط الاستعمارية، أو من أجل تعبئة الطبقات الشعبية المختلفة وإعدادها ليوم المواجهة الذي كان يقترب.

المادة السادسة:

وتنص – انطلاقا من وعي تنظيمي وحركي عالٍ باستحالة دمج كامل الشعب تحت مظلة تنظيمية وحركية واحدة – على الإكثار من تأسيس الجمعيات الشبيهة، نظرا للفائدة التعبوية الكبيرة الكامنة في انتشارها في ربوع الوطن، على أن تتآلف فيما بينها في إطار الحوار الحر المفتوح الرامي إلى المصلحة الوطنية العامة، في ضوء رؤية مركزية تمثلها الجمعية الأم.. وقد جاء نص الفائدة السادسة في “النصائح” على النحو التالي:

“يجب على الجمعية أن تستسهل كل صعب حتى تكثر الجمعيات في البلاد بحيث تجعل غرضها المقصود تكثير جمعيات الوطن. فإذا كثرت الجمعيات وحصلت المناظرة والمسابقة بينها إلى فعل الخير، تكون قد وصلت إلى الدرجة المقصودة التي لا صعوبة بعدها”.

المادة السابعة:

وقد نصت على خص قبائل البادية باستهداف استقطابها، نظرا لما لها من أهمية كبيرة في إعاقة التغلغل الأجنبي عبر مسالك الصحراء ودروب القوافل. إذ نصت على أن يعتبر أعضاء الجمعية التركيب الاجتماعي القبلي بمثابة جمعيات سياسية حادت عن الطريق السوي، ولذلك يجب على الجمعية إرشادها وتعديل القوانين التي تحكم العلاقة بينها وبين نظام الحكم.

المادة الثامنة:

وتنص على تنشيط الوعي السياسي محليا، ومراقبة نشاط الأقليات وتوجيهه لمصلحة البلاد.

المادة التاسعة:

وتنص على ضرورة التزام أعضاء الجمعية باحترام الأجانب وإكرامهم، وخاصة أولئك الذين تواكب مصالحهم مصلحة الوطن، بحيث تتمكن الجمعية من مدِّ جسور الصداقة مع أوربا قدر ما تستطيع لما فيه مصلحة البلاد.

المادة العاشرة:

وتنص على ضرورة اضطلاع الجمعية بالسعي إلى الكياسة فيما يخص رؤوس الأموال الأجنبية، وخاصة أموال اليهود والنصارى، وألا تخرج مصلحة هؤلاء عن مصلحة المواطنين المخلصين لمصلحة البلاد. ومعنى ذلك ألا يخرج نطاق توظيف أموالهم عن المشاريع النافعة للبلاد، أما ما يخالف ذلك فيجب أن يعامل معاملة الأموال المُخَلْخِلَة للنظام السياسي والاقتصادي في البلاد.

المادة الحادية عشرة:

وتنص على سرِّيَّة العمل، وعلى الالتزام بالقانون الداخلي للجمعية.

المادة الثانية عشرة:

وتشير إلى الإهمال الذي تعرضت له البلاد أثناء الحكم العثماني، وتُلزم كل عضوٍ بإبداء الغيرة على الوطن والدين والجنس واللغة، وعلى نساء العرب المسلمين وأطفالهم وأموالهم وشرفهم الذي عبث به الزمان، وذلك بإظهار الحمية والغيرة بالقول والفعل تسابقا نحو عمل الخير.

المادة الثالثة عشرة:

وتنص على أهمية إعلاء شأن القيم السابقة كمرحلة مهمة من مراحل الإحياء والتيقُّظ الوطني، مشيرة إلى أن على كل عضو الاعتقاد بأن قيامه بهذه الفوائد والنصائح انتصار لله الذي تعطلت أحكامه في البلاد منذ طغى العثمانيون وخرجوا عن تعاليم الدين الحنيف.

المادة الرابعة عشرة:

وقد ركزت على العناية بالتثقيف الشعبي وبمتابعة ما ينشر في الصحف.

المادة الخامسة عشرة:

وقد أشارت إلى أهمية إظهار الولاء والطاعة للسلطان العثماني تحاشيا للاصطدام بقوات الأمن التركية في مرحلةٍ هي مرحلة إعداد شعبي لمواجهة المخططات الاستعمارية القادمة التي سوف تهل على الولاية العثمانية.

أسامة عكنان*

المصدر: رؤية ليبية __ العدد 13 بتاريخ 10 سبتمبر 2018

 

يــتــبــع …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب أردني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق