تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

هل تُنقذ الخطة “ب” ليبيا؟

تفاصيل خطة وليامز السرية والعثرات المتوقعة

                 
عماد الدين زهري المنتصر (*)                                             د. محمد فؤاد (+)

لا يشك أحد أن ليبيا اليوم تمر بأسوأ مراحل تاريخها منذ ثورة 2011. ففي بلد يمتلك ثروات نفط وغاز هائلة لا تستطيع الحكومة المدعومة دوليا من تقديم أبسط الخدمات كالكهرباء والماء وحد أدنى من الأمن. ويستفحل في عاصمتها في الغرب نفوذ العصابات المسلحة التي تحكَّمت في كل شئ. أما في الشرق فقد لحق الدمار ثاني أكبر مدن ليبيا ووقعت فيها جرائم الحرب والإبادة وانتهى المطاف بزعيم قوات الكرامة بعد سنين أربع من الحرب بانحسار نفوذه حيث انشق عنه محمود الورفلي الذي يقود قوات متمرسة كان يعتمد عليها حفتر في تحقيق أحلامه للوصول للسلطة. جنوبا تفقد ليبيا هويتها تدريجيا بتدفق قبائل التبو والطوارق والمهاجرين من دول أفريقيا المجاورة ويبسط المتمردون الأفارقة من السودان وتشاد والنيجر سيطرتهم على مناطق شاسعة من الجنوب الليبي. وهكذا تحولت ليبيا ليس إلى دولة فاشلة واحدة، بل إلى ثلاث دول فاشلة يتزاحم عليها المسلحون والفاسدون والانتهازيون ينهشون خيراتها ويذلون مواطنيها

على هذه الخلفية المحزنة، تقدم المندوبة الجديدة للمبعوث الأممي السيدة ستيفاني وليامز خطتها السرية الخطة “ب” لمعالجة فشل خطة طريق غسان سلامة الذي لم يحقق تقدما يذكر طيلة فترة ولايته، ولم يجد غسان سلامة بداً من اللجوء إلى خطة وليامز حيث أشار لها في إحاطته أمام مجلس الأمن منذ يومين عندما قال مهددا  “فإذا لم يتم تشريع قانون (الانتخابات) قريباً، فإننا لن نستمر في هذا النهج، إذ ثمة سبل أخرى لتحقيق التغيير السياسي على نحو سلمي وسوف نتبناها دون تردد، وبكل حماس بالتأكيد”…

وعلى الرغم من الدعم الدولي المتوقع، لابد لوليامز من التعامل مع أخطاء وتجاوزات في خطتها قد تؤدي لفشلها….

إضمحل دور الحكومة والقضاء والشرطة فانتشر العنف والفساد والإجرام في كل صعيد وفي كل مكان من ليبيا، أما البرلمان فلم يصدر تشريعا واحدا ذا أهمية طيلة أربع سنوات بل تعمَّد التقاعس عن التصديق على الحكومة وإصدار قانون الانتخاب والإعداد لمشروع الاستفتاء على الدستور والتخلص من المؤسسات الموازية.

استغلت دول الجوار وبعض الدول الأجنبية هذا الفراغ و هذه الفوضى فساهمت في تأصيل و ترسيخ العنف و الفساد، من هذه الدول من يتنافس على مصالح ونفوذ وسياسات كإيطاليا وفرنسا ومنها من يتنافس لإفشال المشروع الديمقراطي كمصر و الإمارات، ويستقوي أطراف الصراع في ليبيا بهؤلاء اللاعبين الدوليين جميعا و ها هو خليفة حفتر يطالب على لسان متحدثه الرسمي بتدخل و دعم الرئيس الروسي  شخصيا …

زاد في خلط الأوراق وضبابية المشهد هجوم بعض الكتائب المسلحة على العاصمة منذ أسبوعين (بداية من 27 أغسطس/أوت الماضي)، بذريعة التخلص من الميليشيات والفساد. وقد تسبب هذا الهجوم في وقوع إصابات بين المدنيين وانتهى بإعلان وقف للنار بوساطة البعثة الأممية يوم الثلاثاء 4/9/2018.

احتمال اشتعال المعارك لاحقا يظل قائما بدون أي دليل على وصول المهاجمين لأهدافهم المعلنة فاتفاق وقف النار لا ينص على خروج المليشيات أو ملاحقة المتورطين في الفساد

 ++ الخطة ب

في خضم هذه الأمواج المتلاطمة دفعت وليامز بالخطة “ب” التي تعتمد على تشكيل و انعقاد مؤتمر وطني يقوم باتخاذ خطوات حاسمة رسمتها له وليامز بدقة. سيبدأ المؤتمر عند انعقاده بمطالبة مجلس الأمن بسحب الاعتراف من كل الأجسام السياسية في ليبيا المستمدة لشرعيتها من القرار الأممي رقم 2259، ثم يقوم المؤتمر الوطني الجديد “بتوجيه” مجلس الأمن لعدم إجراء انتخابات رئاسية في الظروف الراهنة لانعدام الأمن وانتشار النزاعات مما سيؤدي للمزيد من الانقسام (من أهداف السيدة ويليامز والحكومة الأمريكية هو عدم تمكين أي طرف واحد من تحقيق انتصار). ثالثا، سيطالب المؤتمر مجلس الأمن بإلزام كل الأطراف واستناداً على الفصل السابع بإجراء انتخابات برلمانية خلال ستة أشهر اعتماداً على أحد القوانين الانتخابية الحالية (2012 أو 2014) كأساس لهذه الانتخابات.

أخيرا، تعتمد الخطة على أن تلوِّح الولايات المتحدة بعصاها في وجه كل الأطراف محذرة من مغبة عرقلة الخطة ومطالبة الجميع باحترام نتائج الانتخابات.
اللمسات النهائية على خطة وليامز سترسم في اجتماع روما المخطط له في شهر نوفمبر لهذه السنة.

تواصل وليامز المشاورات بخصوص صفة المدعوين وعددهم بعد مطالبة بعض الجهات الدولية بتحجيم دور القيادات السياسية الحالية كمجلس النواب والمجلس الرئاسي وحفتر وسيكون هذا التحجيم عن طريق دعوة شخصيات قبلية وأعضاء مجالس بلدية ونشطاء سياسيين، وتسعى وليامز لمشاركة رموز كل من التكتلات الثلاثة: ثوار فبراير وانصار الكرامة و أنصار العهد السابق سعيا لتقاسمهم السلطة جميعا….

من الاستعدادات الخفِّية التي تقوم بها وليامز هي التواصل مع بعض الحقوقيين والنشطاء الليبيين للتصدي لأي تشريع يصدره برلمان طبرق و من شأنه عرقلة الخطة “ب” تقوم وليامز كذلك بمحاولة “ترويض” مليشيات طرابلس.

على سبيل المثال، تُعقد لقاءات دورية بين جهاز الاستخبارات المغربية بالتنسيق مع وكالة المخابرات الأمريكية من أجل استيعاب قادة مليشيات طرابلس الأربعة الكبار وتحويلهم لمتعاونين….

++ المصاعب والعثرات

مع أن وليامز تتحرك على عدة محاور لضمان نجاح الخطة “ب”، إلا أن هناك عثرات وأوجه قصور لابد لها من تداركها إن أرادت أن يكتب لخطتها النجاح:
أ- العثرة الأولى، هي محاولة احتواء والتعاون مع مليشيات طرابلس، هذه المليشيات المتغولة تعتمد في نجاحها وقوتها وإيراداتها على غياب الأمن والاستقرار، وستقوم هذه المليشيات بمحاولات تخريبية ناعمة لهذه الخطة والعمل على تعثر قيام الدولة لتضمن النفوذ والمال والإفلات من العقاب،  ونحذر أن تحويل هؤلاء القادة إلى “متعاونين ” لن يضمن الاستقرار أو النجاح كما كان خليفة حفتر المتعاون الرسمي مع وكالة المخابرات الأمريكية، دائما عنصراً منغصاً لأي محاولة لقيام الدولة و استقرارها….
ب- العثرة الثانية، اعتماد الخطة ب على قوانين الانتخابات الحالية سيؤدي لرفضه من قبل المدن والمناطق المتضررة من تجاوزات هذا القانون،  لابد للخطة ب من آلية لتعديل قانون الانتخابات وجعله أكثر إنصافا و موافقة للقانون الدولي، أما الدستور فتتجاهله تماما الخطة “ب” لابد لهذه الخطة من وضع خارطة طريق لإقرار دستور و يكون هذا عن طريق تعيين لجنة فنية دولية مصغرة تقوم بتعديل دستور 1963 والإعداد للاستفتاء عليه السنة القادمة

ت- العثرة الثالثة، أو الخلل الآخر للخطة ب هو الإصرار على القيام بعملية انتخابية موَّحدة في كل أنحاء البلاد، وكما أنذرت جهات مختصة عدة كــ”هيومن رايتس واتش”، فإن المناطق التي ترزح تحت الحكم العسكري أو يصعب فيها الانتخاب بحرية لا يمكن أن تكون جزأ من عملية الانتخاب إلا بعد استتباب الأمن وضمان الحريات، ولهذا فإن أطروحة الانتخابات التزايدية التي تقدم بها السيد عماد الدين المنتصر تكون هي الحل الأمثل والوحيد لهذه المعضلة. في الانتخابات التزايدية، تعقد الانتخابات أولا في المناطق التي ينطبق عليها الحد الأدنى من المعايير الدولية، ويتشكل البرلمان الجديد من هؤلاء الأعضاء المنتخبين بغض النظر عن عددهم، ويكون لهذا البرلمان الجديد كافة الصلاحيات التشريعية والسيادية ويمارس مهامه المعتادة ومنها تشكيل حكومة، وللدوائر التي لم تجرى فيها الانتخابات اللحاق بالركب حالما توفرت المعطيات اللازمة للانتخابات وترسل عندئذ هذه الدوائر منتخبيها للمشاركة في البرلمان المنعقد،  وهكذا يتشكل برلمان من أول مرحلة انتخاب ثم يتطور ويزداد عدد المشاركين فيه على التوالي عند انعقاد المزيد من الانتخابات في الدوائر الأخرى…

ث- العثرة الرابعة، لن تنجح الخطة ب ما لم يُكبح جماح المشوشين الإقليميين، ولابد من وضع حد للمحاولات الفرنسية لتشكيل حكومة موالية لباريس و لأبي ظبي،  ولن تنجح الخطة “ب” بدون تعقب و محاسبة الفاسدين من السياسيين و العسكريين والمليشيات ويكون تجميد أرصدتهم من أولويات المجتمع الدولي..

أما الممولين للميليشيات والمحركين للقلاقل والاضطرابات كمصر والإمارات العربية المتحدة اللتين انتهكتا مرارا حظر توريد السلاح لليبيا فيجب أن يواجهوا عقوبات صارمة لا تحابي أحدا. على وليامز أن تتفادى أخطاء المبعوثين الدوليين الآخرين الذين ينتقون من قرارات الأمم المتحدة ما يشاؤون تطبيقه ويتغافلون عن قرارات أخرى لحسابات شخصية أو دولية…

ج – العثرة الخامسة، والأخيرة هي أن على المجتمع الدولي أن يعيَ تماما أن طائفة المداخلة تمثل تهديدا وجوديا للدولة الليبية، يتحتم على المملكة السعودية أن تجفف سبل دعم هذه الفرقة التي تتخذ من السعودية مهدا ومركزا روحيا لها. وإن تطَّلَب الأمر، فعلى المجتمع الدولي أن يدعم عمل عسكري ليبي ضد هذه الجماعة المتطرفة المُمعنة في الفساد والإجرام….

تحقيق الاستقرار والرفاهية في ليبيا سيحرم المتطرفين كداعش والمداخلة من قاعدة استراتيجية في شمال أفريقيا وسيضمن مصدر للطاقة للقارة الأوروبية يغنيها عن الاعتماد على روسيا، والاستقرار والرفاهية في ليبيا ستحدان من الهجرة غير الشرعية التي تهدد أوروبا والتي أصبحت من أكبر هواجس المنتخبين فيها. الخطة ب لا تحقق جل أهداف ثورة فبراير. فهي تصنع جسما هجينا من الثوار واتباع القذافي والمتهمين بجرائم حرب وإبادة. ولن تحقق خطة وليامز إلا نوعا من الاستقرار والديمقراطية الاستعراضية التي لا تتأصل فيها الحريات أو الحقوق، لكن مع عجز أنصار الديمقراطية والحرية والثورة عن تقديم البديل، فليس لهم إذا إلا تجرع كأس وليامز المُر.

++++++++

(*)، محلل سياسي وكاتب ليبي مقيم في أمريكا. رئيس”مؤسسة الديمقراطية وحقوق الانسان” وصاحب مؤلفات نشرتها مراكز الأبحاث والتخطيط في واشنطن…

(+)، ناشط سياسي مقيم في إيطاليا…

الناشر: مكتب أبحاث الأتلانتك كاونسل، واشنطن – الولايات المتحدة الأمريكية

المصدر: رؤية ليبية ، العدد 13 بتاريخ 10 سبتمبر 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق