رأيشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

  حتى لا يكون الاتفاق هشّا رغم أنّه برعاية أممية … هذا ما يأمله الليبيون 

مما لا شك فيه أن ما حدث في طرابلس منذ أسبوعين خُطط له من حيث بعض مراميه وجزئياته عبر تقاطعات واجتماعات مختلفة ( ليس المخطط والفاعل فيها بالضرورة طرف واحد)، وقد تم ذلك في عواصم عربية وإسلامية وغربية، ورغم أن المواطن الليبي العادي وغير المُسيس، قد تنبأ ومنذ أشهر بما سيحدث بطرابلس بل أن أغلبية من قابلوا المبعوث الأممي قد لمحوا له بطرق شتى بأن مسرح القتال سيكون مستقبلا في طرابلس، إلا أن الثابت أن الجميع في الشرق والغرب الليبيين والقوى الاقليمية والدولية كانوا يغلبون مصالحهم الآنية والاستراتيجية على مصلحة الليبيين ولذلك لم يتخذوا أي خطوات وقائية وعاجلة لإنهاء مآسيهم…

إن ما حدث في طرابلس بين 27 أغسطس/أوت الماضي و04 أيلول/سبتمبر الحالي، كان مخططا له وكانت بدايته باستعراض ترهونة لقوات كبيرة ومدربة وكانت رسالة واضحة بأننا قادمون ولكن قادة ليبيا العسكريين ومن هم حول السراج لم يستنتجوا شيئا من ذلك بل كانوا مشغولين بلقاءات غسان سلامة و”وليلمز”، كذلك الدول التي ادعت وتدعي أنها حريصة على ليبيا تعرف ذلك وتريد شيئا ما يحدث للقضاء على المليشيات، فان نجحوا تُهلل لهم وأن سقطوا تُندد بهم وهذا واضح من البيانات الهزيلة وطريقة تعاملهم مع الاحداث عند هجوم اللواء السابع على طرابلس، كذلك اجتماع ترهونة ومصراته والزنتان قبل شهور وبيانهم والذي يُبين أن الطريق الوحيدة للقضاء على المليشيات هو جرهم ومحاربتهم خارج طرابلس، ولا شك أن من كان يُتابع الأحداث يعرف أنها قادمة وكانوا يُريدونها جميعهم بما فيهم السراج وحكومته حيث أنهم يعيشون إذلالا ما بعده اذلال من تسلط “مليشيات الاعتمادات” عليهم وإرغامهم على دفع أجورهم ومنحهم عطايا تلو العطايا، إضافة إلى أخذ الاعتمادات والمناصب لهم ولمؤيديهم ومناصريهم، بل أن الثابت أن الكل ضاق ذرعا بالمليشيات ولكن التردد والحسابات الضيقة والايادي المرتعشة هو الذي جعل تلك المليشيات بل والمداخلة تستبد وتستمر في إهانة الناس وقهرهم وأكل قوتهم ….

ان الاتفاق الذي تم توقيعه بالزاوية قبل أيام بين ممثلي المليشيات المتناحرة وبحضور غسان سلامة و”وليامز”، هو اتفاق هش عمليا طالما قد لا تُنفذ بنوده أصلا حيث أن الصراع داخل طرابلس كان منذ أكثر من سنة بين ثلاث مليشيات (الردع وثوار طرابلس والنواصي) خاصة بعد طرد خصومهم في ماي 2017 وبهذا الاتفاق زاد العدد الي أكثر من 7 الى حد الآن وهذا فقط في الغرب الليبي …

ولكن ورغم الأخطاء والتقديرات غير الصائبة فان هذا الاتفاق يجب أن يُطبق لسبب بسيط وهو أن القتلى قد يكونون بالآلاف في حالة تمكن اللواء المتقاعد من دخول طرابلس (لا قد الله)، وأيضا في صورة اندلاع القتال في طرابلس مُجددا لأنه باختصار اتفاق هش ولن يعير البعض له اهتماما إذا لم يتحصلوا على ما يريدونه أو في صورة عدم ردعهم جديا بخطوات وإجراءات ترتيبية حاسمة ….

لقد أكد سلامة للمجتمع الدولي خلال الأيام الماضية أن:

  • البرلمان واعضائه فشلوا ويكفيهم ما أخذوه من الأموال وعليهم العمل من اجل ليبيا أو يغربوا وشدد كذلك على الانتخابات…
  • السراج وحكومته لم يقدموا شيئا وفاشلين ولكن سندعمهم لأنهم يطبقون ما نقوله لهم، وآخرها ان السراج عين نفسه وزيرا للدفاع…
  • حفتر وقواته لا يجب ان يدخلوا طرابلس حيث الحل العسكري غير ممكن ولن يسمحوا له….
  • المليشيات تعيثُ فسادا في ليبيا وعليهم التوقف والبحث عن طريق آخر…

والسيد سلامة لم يعط خارطة واضحة للحل، وكأنه بذلك أراد أن يقُول للليبيين أن عليهم بمزيد من الصبر، والسؤال المطروح هو: هل نسيت الأمم المتحدة أن الوضع مأسوي ويُنذر عمليا بقتل جماعي لا حدود له وجوع منقطع النظير وتهجير يشبه بتهجير الفلسطينيين من ديارهم واحلال إسرائيل بدلهم؟، ثم ألا يكفي إهدار الأموال والارواح من شباب في عمر الزهور؟

ومن حيث الحلول فهي عديدة وجيب العمل بها في أسرع وقت وخاصة البندين الأول والثاني:

أ- نزع السلاح وفك المليشيات بأسرع وقت، لتجنب حرب ثالثة في طرابلس وستكون مدمرة لان الصراع ليس صراع سلطة بين المليشيات ولكن صراع من اجل السيطرة على منابع القرار والأموال…

ب- إنعاش اقتصادي، وذلك بالاستعانة بخبراء دوليين من داخل ليبيا وأجانب لتسير منابع الأموال وبكل شفافية ومهنية حيث الشعب مقهور والفقر طال كل البيوت ولن تستطيع انشاء دولة والشعب جائع ومقهور وامواله تسرق امام عينيه من قبل مجرمين وخونة وعملاء…

ت- تبني دولة واحدة من الدول دائمة العضوية لهذا واستعمال العصي بدل الجزرة اليابسة والتي تلوح بها الأمم المتحدة طوال السبعة سنوات الماضية…

ث- ابعاد أي حل عسكري داخل طرابلس والبدء في انشاء جيش ليبي وطني وتفعيل الشرطة في كل مناطق ليبيا…

ج – اشراك المليشيات في أي حل سياسي والتعامل معهم وجعلهم داخل الصندوق لا خارجه لأنهم يخافون على مُستقبلهم ومستقبل من يُحاربون معهم ومن اجل حماية أنفسهم…

ولابد من تشخيص دقيق لا الضحك على الذقون فالصراع مستمر الان بين المليشيات في غرب ليبيا وبين القبائل في شرقها، أما الجنوب فهو مهمش وخارج الصندوق في أي حل سياسي بليبيا…

وكاستقراء مستقبلي، فان الصراع في غرب ليبيا سيستمر وسيكون عنيفا إذا لم يتم اقتناص هذه الفرصة بهذا الاتفاق الهش وبناء اتفاق قوي مفيد للجميع لتجنب الحرب والدمار والجوع والفقر لسكان العاصمة والتي سيؤثر على جميع مناطق ليبيا…

أما شرق ليبيا ورغم أن الحرب توقفت في بنغازي منذ أكثر من سنة وخاصة بعد استعمال حفتر للترغيب والترهيب مع خصومه ومناوئيه وحتى داخل مسعكره، فإن المواطن لا يختلف عن المواطن في غرب ليبيا حيث الفقر والقهر وعدم وضوح الرؤية، فالي أين سيأخذهم من قاد هذه الحرب، ويمكن التأكيد أن تسرع حفتر واجتماعه بالقيادات من القبائل والمجتمع هو إشارة بأن القبيلة في شرق ليبيا لها دور وحلت محل المليشيات وهي من ستكبل حفتر ولن تجعله يستمر في خطته، وكذلك رسالة مجلس الامن بأنه لن يكون هناك حل عسكري بليبيا، فهي رسالة قوية له بأن يبقي حيث هو ولا دخل له بغرب ليبيا وهي رسالة مطمئنة للمليشيات في غرب ليبيا وكذلك للسراج وحكومته الهزيلة….

والسؤال الذي يلح على الليبيين وعلى الصادقين من نخبهم هو هل سيتوقف الصراع؟، والاجابة شبه مؤكدة أن ذلك لن يحدث هذا أبدا طالما لن يتم استعمال هذا الاتفاق الهش كنقطة بداية وفرصة ثمينة للعمل من أجل نزع السلاح وعمليا ضاعت فرص كبيرة بالسابق ونتمنى أن لا تضيع هذه الفرصة الثمينة والثابت المؤكد أن ليبيا لن تنحني لهؤلاء حتى وان كان الشعب جائعا ومقهورا ومغلوبا…

وفي الأخير يجب التأكيد ان لا حل إلا بجلوس الجميع الى طاولة الحوار ومن يرفض فهو الجاني والخصم لكل الليبيين، ومما لا شك فيه أن يراهن على الشعب الليبي فهو الرابح. الأكبر قبل وأثناء وبعد المؤتمر الدولي حول ليبيا في نوفمبر القادم في مدينة “شياكا” الإيطالية ….

المصدر: صحيفة رؤية ليبية ، العدد 13 بتاريخ 10 سبتمبر 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق