تحاليلتونسسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

الشاهد ومزالي، تشابهت المسارات فهل ستتشابه المآلات أم للثورة والمتغيرات أحكامهما؟

علي اللافي *                                    

 

          في صائفة 1986 كانت تونس ترزح تحت سُلطة الحزب الواحد والفكرة الواحدة والزعيم الأوحد والذي مُنح منذ 1975 الرئاسة مدى الحياة بالتزكية والتهليل وسط تدجين الإدارة والمؤسسات وخنق أنفاس المجتمع ومحاصرته من طرف أجهزة الدولية الأمنية والعسكرية والثقافية والإعلامية، حيث كان الصراع على الخلافة على أشده بين محاور السلطة والحزب “الخادم”- “الخاتم” بين أجنحة “مزالي” و”الصياح” و”البكوش-بن علي” و”الهادي المبروك”، وكان مزالي أكبر المُتقدمين في تلك الصراعات المحتدمة على خلافة الرئيس العجوز (يومها 83 سنة)، ولكن كانت المعادلات تتغير كُل يوم لهذا الطرف أو ذاك نتاج الاصطفافات ( رجال القصر – هياكل الحزب – خيارات السفارات – كبار موظفي الدولة…)، ليُشاهد مزالي في الأخير ومن بيته في سكرة، تقريرا خبريا مفاده عزله من منصبه وتسمية رشيد صفر بدلا عنه – بعد أن قبل هذا الأخير الدنية في مواقفه وقبوله بإملاءات السخيري وابنة اخت الزعيم سعيدة ساسي –  وهذه الأخيرة تقربت من الجنرال الطامح للسلطة وسط مسار صامت ولكن بتؤدة وحذر شديد حتى توصل الى ترأس الحكومة في 02 أكتوبر 1987 ثم أعلن عن انقلابه صبيحة السبت 07 نوفمير مستبقا تحرك مجموعة “الإنقاذ الوطني” بدعم وخدمة للتيار الإسلامي والذي وصلت المواجهة بينه وبين السلطة الى مراحلها الأخيرة…

تقدم مزالي في البداية بسُرعة أذهلت مُنافسيه ولكنه أُبعد بعد تطورات سريعة ودراماتيكية، وذلك يُشبه كثيرا تطورات أخيرة منذ أشهر لصالح يوسف الشاهد أمام خُصومه الندائيين أي من نفس حزبه، كما تكاثر المصطفين معه في الأيام الأخيرة وتردد البعض الآخر، وتشابهت السياقات وخصائص الرجلين وخصائص منافسيه وخاصة نده المباشر إلا أن طبيعة المرحلة الحالية وان تشابهت سنتي 2018 و1986 من حيث طبيعة الرهانات والصراعات والوضع الاقتصادي في البلد، إلا أن وضع المجتمع يختلف بين المرحلتين فهو اليوم مُتحرر رغم الرهانات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية، كما أن وضع المنظمات الثلاث الكبار مختلف ومواقع الفاعلين والمتصارعين مُتغير الأنساق، كما أن الاستحقاقات ليس هي نقسها فـــفي 2019 ستبقى الكلمة في الأخير للشعب الذي أنجز ثورة، والتي لن يتراجع مُنجزوها مهما رُذلت ومهما حدث، بينما 1987 كانت رهانا للانقضاض والانقلاب والبحث عن الغلبة والغنيمة وتصفية الخصوم ولو بالدم والضحايا ودفع البلد للمجهول، أما اليوم وفي أفق 2019، فإن المجتمع المدني والرؤية الدولية لتونس وموقعها وثورتها ومسارها لن يسمح سوى بالمرور لإنجاز الاستحقاقات الانتخابية، وإن مر طرفي الصراع في النداء للإقصاء والتوظيف بل وتجاوز ذلك منذ أيام لحرب الملفات، وان كان تقييم المتابعين اليوم أن هناك أسبقية مُعتبرة للشاهد (وكانت لمزالي لمدة سنوات وأشهر)، نتاج اصطفاف بارونات وفاعلين من القديمة وحزبها المنحل وظهور أفق لكمال مرجان وحليفه الدائم محمد الغرياني، فإن رهان الصراعات سيتواصل عبر ما سماه المرزوقي يوما، بتوازن الضعف بين وداخل كل مكون أو فريق من الأطراف المتصارعة …

صحيح أن مزالي (وهو تلميذ منظر العروبة ساطع الحصري)، جاء من بعيد لقيادة  الحزب الدستوري حيث أنه لم يكن مديرا له يوما قبل توليه رئاسة الوزراء سنة 1980 كما ان الشاهد ليس سوى سائح سياسي قبيل التحاقه بالنداء…

في الأخير خسر مزالي (وشرح الكيفية مفسرا ذلك بعد عقدين في مؤسسة التميمي أن “الطيبة في السياسة غباء”) كما تقرب مزالي من الإسلاميين ولكنه لم يستطع توظيف ذلك إيجابيا في صراعاته مع خصومه والذين تمادوا في استعمال القذارات على غرار اختراقهم  مجاله القريب فهم اقتربوا من فريد مختار ثم قتلوه عبر حادث مدبر في طريق رأس الجبل، أما الشاهد ورغم تقدمه الواضح اليوم على خصومه وعرضه ما سمي بالتوافق الاستراتيجي على حركة النهضة والتي يختلف حجمها السياسي والاستراتيجي  عن حجمها سنة 1986 (ربما اقل بكثير وربما أقوى بمقادير وفي كل الاتجاهات وبكل المقاييس)، ورغم أن الشاهد متمسك بالدستور وقدسية موعد الاستحقاقات في 2019 فان مستقبله مرتبط فعليا بقوة وجدارة فريقه الاستشاري وديناميكية العقل السياسي المدبر لخطواته وأيضا بمدى فعل خصومه وقدراتهم على فهم تطورات الأحداث محليا وإقليميا ودوليا ومواقف الفاعلين الدوليين تجاه ما يجري قبل وبعد 15 أكتوبر وأيضا قبل وبعد 31 ديسمبر….

مآلات الشاهد غامضة وظروف كسبه حاليا غير مضمونة ومصير مزالي في صائفة 1986 أقرب اليه، وكل ذلك مرتبط بظهور لاعبين غير ظاهرين في الصورة حاليا وأيضا بحسابات ومربعات المؤسسات السيادية والمنظمات الوطنية وأيضا بخيارات قياديي حركة النهضة…

وفي الأخير يمكن الجزم أن الثورة بناء تراكمي للفعل السياسي والاجتماعي وأن صراعات مكونات النداء المتواصلة منذ 2015 لا تعني الشعب في شيء، وأن آمالنا في بناء “دولة الشعب” أفقه رحب وواسع، رغم أن طرفي الصراع الحاليين يتجاذبان على من يتولى منهما رهان اعادتنا لمربع “شعب الدولة”….

المصدر: الرأي العام العدد 74 بتاريخ 20 سبتمبر 2018

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب ومحلل سياسي تونسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق