تحاليلثقافةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

فيلم الشظية أول وآخر الأفلام الروائية الليبية قلبا وقالبا

أسامة عكنان*

 

         يعتبر فيلم “الشظية” أحد أهم الأعمال الروائية في السينما الليبية، فهو يتناول مأساة الألغام المدفونة في الأرض الليبية منذ الحرب العالمية الثانية. ولقد حصل الفيلم على جوائز من مهرجانات عربية وعالمية، كما نال التقدير والإشادة من قبل الكتاب والنقاد السينمائيين والمخرجين والفنانين العرب والأجانب على حدٍّ سواء. وتتبدى أهمية هذا الفيلم فضلا عن أهمية القضية التي يعرضها، في اعتباره أول محاولة لنقل الأدب الليبي إلى الشاشة، فهو قد قام على عمل أدبي للروائي “إبراهيم الكوني”.

أما قبل تجربة فيلم “الشظية” فلم تنتج السينما الليبية إلا عددا محدودا جدا من الأفلام الروائية والتسجيلية منها الأفلام الروائية القصيرة التالية:

1 – “عندما يقسو القدر” وهو من إنتاج الشركة الليبية للإنتاج السينمائي عام 1973.

2 – “الطريق” الذي أنتجته “إدارة السينما” عام 1973 وهو للمخرج محمد يوسف شعبان.

وبالعودة إلى فيلم الشظية الذي يعد بالفعل أهم الأفلام التي أنتجتها صناعة السينما الليبية بكوادر ليبية من أولها إلى آخرها، لتبدأ هذه الصناعة بالانهيار والانحدار، قبل أن تكتمل ولادتها، رغم ما كان يمثله هذا الفيلم من مبشر خير على المستقبل المشرق الذي ينتظر هذه الصناعة في ليبيا لو لم تطلها أيادي الجدب الثقافي والفني والإبداعي التي رافقت ما يسمى بالزحف الثوري وبهيمنة اللجان الثورية على الحياة الليبية بما فيها الحياة الثقافية.. نقول: بالعودة إلى هذا الفيلم فإننا سنجد حبكة درامية متقنة إبداعيا لتصوير حالة إنسانية ناتجة عن وضع حقيقي سببته الحرب العالمية الثانية.

فأحداث الفيلم تدور حول لقاء بين “سالم” وهو حطاب يجمع الحطب أدى دوره الفنان الراحل “على العريبي”، و”البهلول” وهو قاتل هارب من ثأر، أدى دوره الفنان الراحل “الطاهر القبلاوي”، حيث تجبرهما الظروف على التواجد سويا في أرض ملآى بالألغام وسط الصحراء. من خلال الحوار الذي يدور بينهما نتعرف على قصتيهما. فـ “سالم” فقد زوجته التي تلعب دورها الفنانة الليبية “كريمان جبر”، إثر انفجار لغم أودي بحياتها وبأغنامه. أما “البهلول” فقد هرب بعد قيامه بقتل عريس حبيبته “ريم” التي أدت دورها الفنانة الليبية المعتزلة “نجاح عبدالعزيز” والتي قام والدها عم “البهلول” بتزويجها من رجل ميسور الحال، رافضا تزويجها لابن عمها. يقوم الحطاب “سالم” بإنقاذ “البهلول” من الموت عطشا، ثم انقاذه من الموت بلغم، وفى أثناء قضائهما ليلتهما في مغارة بعد هبوط الظلام ومحاصرة الذئاب لهما، تزول حالة التوجس والخوف بينهما، ويروى كل منهما للآخر حكايته. وفى الأثناء يقرر بعض أبناء قبيلة “سالم” البحث عنه بعد تأخره في العودة، فيقتلون في حقل ألغام، وينتهى الفيلم بفشل “سالم” في التخلص من لغم يقضي عليه وعلى “البهلول”.

هذا وقد شارك في النمثيل في فيلم الشظية إلى جانب النجوم الرئيسيين سابقي الذكر كل من “علي الورشفاني”، و”أنور الطرابلسي”، و”رمضان نصيـــر”، و”أم السعد علي”، و”صالح بوغزيل”، و”أحمد باكير”، و”عبدالسلام الورفلي”، أما مدير التصوير فقد كان هو “محمد ابديرى”.

بدأ تصوير الفيلم بتاريخ 17 مارس 1984 وانتهت عمليات التصوير بتاريخ 16 أكتوبر 1984، أي بعد سبعة أشهر كاملة، وهي مدة طويلة جدا في أعراف تصوير الأفلام السينمائية. وكان أول عرض للفيلم بمهرجــــــــان دمشق السينمائي عام 1985.

أدى كل من العريبي والقبلاوي وجبر أدوارهم باقتدار، وكان أداء الفنان العريبي لدور شخصية الحطاب يتسم بالتلقائية، وقد ساعدت انتماؤه لقبيلةٍ عربية من بدو برقة على تقمص هذه الشخصية بكفاءة .

تم تصوير الفيلم في أماكن طبيعية، وبكوادر تقنية ليبية، ولم تنفذ أي مشاهد داخل استوديوهات مقفلة، فقد كان مخرج الفيلم “الفرجاني” حريصا على تقديم عمل سينمائي يتسم بقدر كبير من الواقعية، وقد ظهر هذا من خلال تمسكه بتصوير مشاهد المغارة التي كان يحتمي فيها “سالم” و”البهلول” في مغارة حقيقية بدل الاستعاضة عن ذلك باستعمال مرشحات خاصة للتصوير تعطى إيحاء بواقعية المكان.

لم تستمر الشركة العامة للخيالة المملوكة للدولة آنذاك والتي أنتجت فيلم “الشظية” في تنفيذ أعمال سينمائية بمستوى هذا الفيلم” إذ أدت قرارات الدمج والحل التي تعرضت لها “الشركة العامة للخيالة” خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وحتى إلغائها في عام 2003 بعد تراكم الديون عليها، إلى القضاء على نمو وتطور مشروع صناعة السينما في ليبيا.

هذا ولقد جاءت هذه السلسلة الطويلة من محطات الفشل في إدارة هذا القطاع الفني بعد تطبيق النظام السابق لمبدأ الزحف الثوري على مؤسسات الدولة، وهو ما نتج عنه تأميم دور العرض الخاصة المملوكة لمواطنين ليبيين، فتشكلت لجنة ثورية لإدارة هذه المؤسسة مع باقي دور العرض العامة دون أن يكون لأعضاء اللجنة أي خبرة أو دراية بهذا المجال، فأسهموا من ثم في تضخم الكادر الوظيفي بإعداد غير مؤهلة ولا صلة لها بهذه الصناعة، مع تفشي مظاهر العجز عن تسويق الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة المنتجة من قبل الشركة، بالإضافة لسوء الإدارة، إلى أن عجزت الشركة حتى عن دفع مرتبات موظفيها. فإذا أضفنا إلى كل ذلك انعدام الرؤية الواضحة والخطة الإنتاجية المدروسة، فإننا نستطيع تفهم السبب الذي يقف وراء دخول السينما الليبية في حالة سبات، بل في حالة غيبوبة لم تحاول الإفاقة منها إلا بعد فبراير 2011 حين بدأت تظهر مشاريع ومؤسسات أخذت تنشط في هذه الصناعة، إما إنتاجا أو إخراجاً أو كتابة.

 

المصدر: رؤية ليبية، العدد 15 بتاريخ 24 سبتمبر 2018، ص6

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب أردني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق