رأيشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا:  حيثيات وتفاصيل الاشتباكات وتجددها تُؤكد أن هناك استباق ممنهج لنتائج المؤتمر الدولي  

 أنيس الصقري

لعل أكثر أخطاء حكومة الوفاق الحالية أنها عمدت الى مهادنة الكتائب المسلحة منذ دخولها لطرابلس في مارس 2016 بل انها لم تكتف بذلك حيث عقدت اتفاقيات مع عدد منها، من أجل تسهيل عملها داخل العاصمة، وضمان أمنها، مقابل منحها دورًا فاعلًا في العملية السياسية، ثم عمدت في وقت لاحق الى إيجاد ترتيبات خاصة بوزارة الدفاع؛ حيث عمدت الى إنشاء الحرس الرئاسي بهدف تأمين المقارّ الرئاسية السيادية والمؤسسات العامة في الدولة، وتأمين الأهداف الحيوية، ومنها منافذ الدخول البرية والبحرية والجوية واعتبر المتابعون يومئذ القرار خطوةً مهمة من أجل إعادة ترتيب أوضاع الجيش وهيكلته، بحكم أنه يعاني عدم الكفاءة والجاهزية، إضافة الى تشتت الولاء؛ فبعضه تحت قيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر بينما تتبع الوية منه حكومة الوفاق….

ولكن السراج  وحكومته لم يوفقا في متابعة تلك الخطوات وإنجاز بقية المهام نتاج السقوط في معالجة الوقائع اليومية وفي خوض غمار رأب الصدع في الخلافات الليبية – الليبية أي بين فرقاء الصراع وفي مخاطبة المجتمع الدولي وأيضا نتيجة رفض عدد كبير من الكتائب المسلحة الانخراط في العملية السياسية، والتحول إلى قوات شرطية وأمنية تحت إمرة حكومة مركزية بل وتحولت كحكومة الى أسيرة للكتائب المسلحة ذات التوجهات والمصالح المتناقضة فأصبح المشهد الأمني والعسكري متوترا وقابلا للتوظيف وله القابلية ليكون نقطة ضعف الحكومة ومؤسسات الدولة…

صورة لاشتباكات اوت الماضي

وقد أدى الخلل في توازنات القوى، وتعارُض المصالح بين الكتائب المسلحة، إلى الاقتتال والاشتباك وتدهور الوضع الأمني وتم عمليا التناوب بين مختلف الفرقاء في السيطرة على المشهد الأمني فبعد طرد أنصار خليفة الغويل في مارس 2016 تمكنت لاحق قواته من السيطرة مجددا على مقارّ وزارات سيادية مهمة في طرابلس على غرار الاقتصاد والدفاع والعمل والعدل والجرحى، لكن بعد أسابيع استعادت قوات تابعة لحكومة الوفاق الوطني تلك المقارّ. كما دارت اشتباكات بين مجموعات مسلحة طوال السنتين الماضيتين ثم دخل تنظيم الدولة مربع التوظيف وارباك المشهد الأمني حيث تبنى مسؤولية هجوم انتحاري على مكتب مفوضية الانتخابات الليبية في طرابلس، أسفر عن مقتل 15 شخصًا وجرح عدد من المواطنين، وفي كل مدة تتطور الاشتباكات ويتغير اللاعبون ولكن الثابت الوحيد هو تهديد الاستقرار ودفع الخدمات لمزيد التردي….

أما الاشتباكات الأخيرة والتي انطلقت في نهاية آب/ أغسطس/أوت الماضي فهي استمرار موضوعي للمعضلة الأمنية إضافة الى تحول بعض مليشيات الى مليشيات تحكم سياسي واقتصادي حتى وسمت بــ”مليشيات الاعتمادات”، فاستغل خصومها السابقين الفرصة وهاجموها بغاية إعادة التموقع داخل العاصمة والثأر لطردهم منذ أكثر سنة إضافة الى دفع مبرمج ومخطط له مراميه السياسية وأيضا الأمنية والعسكري فالجميع يعرف أن مؤتمر إيطاليا سيرتب أمورا كثيرة من بينها التموقع الأمني والعسكري مستقبلا…

طبعا ما حدث كانت نتائجه جد مكلفة بشريا فقد أسفرت الاحداث في بدايتها عن مقتل أكثر من 70 قتيلا وجرح أكثر من 200 شخص، ونزوح الآلاف من المواطنين الليبيين، وأدى انهيار الأمن في مناطق الاشتباكات إلى انتشار العصابات في الشوارع، وفرار مئات المجرمين من السجون، وشملت تلك الاشتباكات مراكز المهاجرين الذين كانوا عالقين في مراكز الاحتجاز ولولا جهود البعثة الأممية الحالية لما تم توقيع اتفاق 4 أيلول/ سبتمبر الحالي….

ورغم كل ذلك فقد تجددت الاشتباكات في محيط طرابلس، بعد أسبوع من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار؛ حيث أُطلِقت في 11 أيلول/ سبتمبر 2018، صواريخ في اتجاه مطار معيتيقة في طرابلس، أعلنت السلطات على إثره وقف الملاحة الجوية في المطار وتحويل الرحلات إلى مطار مصراتة. كما استهدف هجوم انتحاري تبنَّاه تنظيم الدولة الإسلامية المؤسسة الليبية للنفط…

ويعني كل ذلك أن طرابلس ستبقى غير مستقرة الى حد تحويل الصراعات الى حوارات بناءة من بينها حوارات تجري حاليا في العاصمة التونسية من أجل الاتفاق على مجلس رئاسي مصغر وحكومة انتقالية واسعة الصلاحيات،

وعمليا لم تتلق حكومة الوفاق الدعم اللازم من القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، والتي لم تساعدها على تطبيق ما ورد في اتفاق الصخيرات، وخصوصًا المادة 57 منه التي تمنح حكومة الوفاق الوطني الحق في طلب الدعم حتى تضع وتقرّ خطة شاملة للدعم الدولي لمؤسسات الدولة الليبية، وتعزز الاستقرار الأمني في البلاد. وبقيت مقاربات القوى الإقليمية والدولية أمنية محضة عند تعرض أمنها لخطر داهم قد يكون مصدره ليبيا وقد ساد صمت القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في العملية السياسية الليبية تجاه الاشتباكات الأخيرة في طرابلس في الأيام الأولى واقتصر دورها في سبيل احتواء الأزمة على إصدار بيانات رسمية، وذلك على خلاف دورها تجاه أزمة الهلال النفطي…

ان ما حدث من اشتباكات يُؤكد أن بعض أطراف إقليمية ودولية لم تكن بعيدة عن الدفع لتلك الاحداث ثم التحكم فيها بأشكال مختلفة لترويض كل الكتائب ولوضع ملامح أولية لنتائج المؤتمر الدولي كما ان الأطراف الليبية حاولت كل من جهتها تحقيق مكاسب أولية امنيا وعسكريا وسياسيا لتحاول لاحقا الحفاظ عليها ضمن الترتيبات القادمة سواء خلال المؤتمر الوطني الجامع الذي تعد له البعثة الأممية او في المؤتمر الدولي المنتظر عقده في مدينة “شياكا” التابعة لمحافظة صقلية  الإيطالية..

المصدر: رؤية ليبية ، العدد 15 بتاريخ 24 سبتمبر 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق