بورتريهشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

بنغازي درة الشرق الليبي وعاصمته البهية

         مدينة بنغازي هي عاصمة الشرق الليبي وثاني أهم مدن ليبيا بعد العاصمة طرابلس، وتقع في إقليم برقة على ساحل البحر الأبيض المتوسط. أسسها الإغريق قبل خمسة قرون من ميلاد المسيح كما أنها أهم مدن الشرق الليبي، وكانت تسمى “هيسبيريدسو” وهي أيضا العاصمة السابقة للبلاد بمعية طرابلس حسب دستور استقلال ليبيا لسنة 1951 وكانت إقامة الملك ادريس السنوسي بالقرب منها وتحديدا في مدينة البيضاء.

خضعت بنغازي ومحيطها إلى نفوذ الإغريق في وقت خضع فيه الساحل الغربي الجنوبي للمتوسط لنفوذ القرطاجيين، ثم جاء الرومان وأخضعوا مستعمرات الإغريق والقرطاجيين في شمال افريقيا إلى نفوذهم. ثم حل البيزنطيون وورثوا روما وقبلهم الوندال في غرب المتوسط، إلى أن جاء الفاتحون من جزيرة العرب حاملين راية الإسلام فأصبح إقليم برقة منطلقا لغزوات العرب على بلاد المغرب الكبير ومن هذا الإقليم تأسست مدينة القيروان التونسية حاضرة الإسلام الأولى في بلاد المغرب وعاصمته كولاية تابعة للخلافة الإسلامية في دمشق ولاحقا في بغداد.

وفي زمن هارون الرشيد بدأت الأقاليم تستقل بقرارها فظهرت إمارة بني الأغلب في القيروان وتلاها الفاطميون الذين أسسوا مدينة المهدية التونسية وأخضعوا بلاد المغرب ثم عادوا إلى القيروان وتحديدا إلى صبرة المنصورية ومنها انطلقوا إلى الفسطاط في مصر وأسسوا القاهرة التي باتت مركز حكمهم. وبعد سنوات من المد والجزر عرفتها بلاد المغرب تسبب فيها غزو بني هلال المدمر والمخرب للأوطان استقرت هذه البلدان تحت حكم الموحدين ثم العثمانيين الذين أخضعوا بنغازي إلى إيالة طرابلس وبقي الحال على ما هو عليه إلى حين استقرار الاستعمار الايطالي في شمال ليبيا والفرنسي في الجنوب.

أعراق وطبيعة خلابة

طقس بنغازي متوسطي معتدل وجميل بسبب مؤثرات عديدة لعل أهمها البحر الأبيض المتوسط والجبل الأخضر الذي يعتبر من أخصب أراضي ليبيا، وغيرها. يرتوي سكان بنغازي من مصدرين للمياه، أولهما الجوفية التي تصل من جنوب ليبيا عبر النهر الصناعي، وثانيهما مياه البحر التي تتم تحليتها في محطات أعدت للغرض تزود بنغازي وتلبي حاجياتها.

تضم بنغازي مدناً أخرى منها قمينس، سلوق، الأبيار وغيرها وعرفت فوضى أمنية في مرحلة الإطاحة بالقذافي وحتى بعد ذلك، حيث كثر فيها استهداف القضاة ورجال الأمن والحقوقيين. وما زالت إلى اليوم مستقرا للجماعات التكفيرية رغم الحديث عن سيطرة اللواء خليفة حفتر عليها وافتكاكها من التنظيمات المتطرفة التي تسير على نهج “داعش” وأخواتها.

تسمى بعض الشوارع والمناطق في بنغازي بأسماء أولياء دفنوا فيها مثل سيدي سالم وسيدي حسين وسيدي الشابي وغيرهم، حتى أن البعض يرجع تسمية بنغازي إلى الولي الصالح “سيدي غازي” المدفون في مقبرة سيدي خريبيش. كما سميت بعض الشوارع في مدينة بنغازي بأسماء عائلات كبرى عاشت في المدينة وتمتد جذورها إلى قرون خلت.

ويقطن في المدينة سكان من أعراق مختلفة، فهناك من قدم من الغرب الليبي واستوطنها وهناك العرب القادمون من الجزيرة العربية مع الفتح الإسلامي والأمازيغ السكان الأصليون لشمال افريقيا والعثمانيون من أتراك وانكشارية القوقاز والبلقان وغيرها من المناطق، إضافة إلى اليونانيين. يتميز البنغازيون بأنهم مجتمع متماسك ومتآلف رغم تنوعه العرقي ويفسر البعض ذلك بالشعور بالظلم تجاه الغرب الليبي ومدينة طرابلس التي استأثرت بكل شيء حتى بالأهمية الدولية.

ويرى البعض أن هذا التمازج الثقافي والاجتماعي لسكان بنغازي سببه الموقع الاستراتيجي للمدينة المنفتحة على بحرها المتوسط وأيضا وقوعها في منطقة تعتبر طريقا للقوافل التجارية وقوافل الحجاج. لذلك تطورت المدينة ونمت وازدهرت في إقليم برقة وفي كامل ليبيا حتى ارتقت إلى مرتبة عاصمة في ليبيا الموحدة إلى جانب طرابلس الغرب.

اقتصاد واعد

ومن أهم مكونات المدينة سوقها المركزي القديم، الذي حافظ على طابع المعمار العربي الإسلامي والذي يعتبر القلب النابض للمدينة والذي تحوم حوله الحياة العامة. ويمارس السكان نشاطهم التجاري أيضا في ما يسمى “الفندق البلدي” الذي تباع فيه الخضر والغلال وأيضا في المحال التجارية العصرية المتواجدة في كامل أنحاء الحاضرة الليبية الشرقية.

يعتبر ميناء بنغازي من أهم الموانئ الليبية على الإطلاق ومساهمته فاعلة في حركة الملاحة الدولية بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمدينة حيث تتوسط بلادي المشرق والمغرب العربي. وتوجد فيها أيضا منطقة اقتصادية حرة كانت مساهمتها فعالة قبيل الأزمة الليبية في تحريك عجلة الاقتصاد التي توقفت أو تكاد في الوقت الحالي. كما يوجد فيها مطار دولي هو مطار بنينا، ساهم في إعطاء المدينة الأهمية التي تستحق باعتبارها عاصمة سابقة وواحدة من أهم المدن الليبية.

وتتخذ العديد من المصارف والشركات من بنغازي مقرا رئيسيا لها مثل مصرف المتوسط، وشركة الخليج العربي للنفط، وسوق الأوراق المالية الليبي. وفي إطار المنافسة التاريخية مع العاصمة طرابلس يسعى أبناء بنغازي لإعادة مؤسسات وطنية تأسست سابقا في المدينة ومنها المؤسسة الوطنية للنفط والخطوط الجوية والبنك المركزي وغيره.

لا تعتمد بنغازي على السياحة لأن المدن الأثرية المجاورة في الجبل الأخضر، ومنها شحات خطفت منها الأضواء بالنظر إلى مخزونها اللافت من الآثار. لكن في السنوات الأخيرة تزايد الاهتمام بالنشاط السياحي فتمت برمجة مشاريع هدفها تنويع المداخيل وعدم الاكتفاء بالبترول كمصدر وحيد لعيش الليبيين. ومن بين هذه المشاريع، البحيرات الشمالية إضافة إلى الوحدات الفندقية المبرمجة لسنوات مقبلة.

كما الفنادق الليبية تعرضت فنادق بنغازي، نتيجة لطبيعة النظام السابق المنغلقة على نفسها والمعتمدة بشكل رئيسي على مداخيل البترول، لأزمة خانقة تواصلت بعد الإطاحة بنظام القذافي بالنظر إلى الأوضاع الأمنية الهشة التي تعيشها البلاد. لكن ذلك لا يمنع من القول أن هناك محاولات للنهوض بهذا القطاع خاصة وأن بنغازي تشهد شبه استقرار مقارنة بطرابلس الغرب وتشهد استقرارا لبعث المنظمات والبعثات الدبلوماسية الأمر الذي يشجع على الاستثمار خاصة وأن المدن الأثرية المشهورة عالميا لا تبعد كثيرا عنها.

عاصمة الثقافة

في بنغازي أقدم جامعة ليبية تأسست سنة 1955 اتخذت في البداية من أحد القصور الملكية مقرا لها لتنتقل إلى مبنى خصص لها سنة 1968 وسميت لاحقا باسم جامعة قاريونس بالنظر إلى وقوعها في منطقة قاريونس ثم جامعة بنغازي بعد الإطاحة بالقذافي. كما توجد في المدينة أكبر مكتبة عمومية في ليبيا وفيها جامعات خاصة توفر مختلف الاختصاصات التي يحتاجها خريجو التعليم الثانوي من الليبيين وغيرهم.

هي عاصمة الثقافة والمثقفين في ليبيا لنشوء أول جامعة فيها واتخاذ دار الكتب الوطنية من المدينة مقرا لها، وكذا مقر الإيداع القانوني للمصنفات المعدة للنشر وحفظ وتجميع التراث المؤلف في ليبيا. كما تميزت المدينة في السنوات الأخيرة بتأسيس الجمعيات والمنظمات التي تعنى بالشأن الثقافي ونشطت فيها الحركة المسرحية بشكل لافت لم يكن مألوفا لدى الليبيين في السنوات الماضية.

تشتهر بنغازي بإقبال شبابها على الرياضة، ومن أشهر النوادي الرياضية فيها نادي أهلي بنغازي الذي يحفل تاريخه بالألقاب المحلية. كما يوجد نادي النصر والهلال الليبي وغيرهم. كما توجد فيها منشآت رياضية هامة وبنى تحتية.

ليبيا الموحدة

يقول صالح العبيدي، الباحث الليبي في الأنثروبولوجيا والمدرس في الجامعة الليبية لـ”القدس العربي” أن بنغازي هي قطب بكل ما للكلمة من معنى وفي جميع المجالات. لذلك برزت، كمنافس للعاصمة طرابلس، وخلال السنوات التي تلت استقلال ليبيا كان هذا التنافس إيجابيا خلق تطورا في المدينتين وساهم في بروز المشاريع التنموية الكبرى في بنغازي على وجه الخصوص.

لقد شعر أهل بنغازي، حسب العبيدي، ببعض الضيم في السنوات الماضية، باعتبار أن طرابلس تستأثر بمشاريع التنمية الكبرى الأمر الذي انعكس مبادرات فردية في الشرق لمحاولة اللحاق بما وصلت له طرابلس. لكن هذا لا يمنع من القول، وحسب الباحث، أن الدولة وفي كل العهود أنجزت في بنغازي مشاريع كبرى انعكست ايجابا على حياة المواطن وهذا لا يمكن إنكاره.

ويضيف: “إن ما نخشاه في ليبيا هو أن تؤدي هذه النزعة إلى الانتصار لمدينة أو لإقليم أو لجهة إلى تفكيك البلد، وهذا ما نعيبه على دعاة الفدرالية التي نراها خطوة أولى لتقسيم البلد إلى ثلاثة أقاليم هي إقليم طرابلس غربا وإقليم برقة وعاصمته بنغازي شرقا، وإقليم فزان جنوبا. فبالنهاية بنغازي وطرابلس ينتميان إلى وطن واحد موحد ولا يمكن فصلهما وكل مشروع تنمية في واحدة منهما هو لكل الليبيين في ليبيا الموحدة.

وبنغازي في حاجة إلى عمل جبار لتتحول إلى قطب سياحي عملاق ولديها كل الخصائص التي تؤهلها لذلك، البحر والمدن الأثرية المجاورة والفنادق التي ستنجز في السنوات المقبلة، وجمال منطقة الجبل الأخضر. فعليها كما سائر مدن ليبيا أن تبحث عن بدائل تنموية جديدة خارج إطار البترول الذي سينفد يوما ووجب تركه للأجيال القادمة لا مواصلة استنزافه.

والآن وقد انتهى عصر الملك ادريس السنوسي (الذي كان محسوبا على الشرق) كما عصر القذافي (الذي كان محسوبا على الغرب) فلا بد من تجاوز عقلية المنافسة بين الشرق والغرب والتفكير في ليبيا الموحدة التي تضم بنغازي وطرابلس وسائر المدن الأخرى التي تتكامل مع بعضها في مخطط تنمية واحدة يحقق الرفاه للمواطن الليبي الذي أرهقته الحروب والنزاعات. لا بد من التفكير جديا في بث الوعي لدى سائر المواطنين بنبذ الفرقة والتراجع نهائيا على مشروع الفدرالية ولتكن هناك عاصمتان إن لزم الأمر واحدة في الشرق هي بنغازي وأخرى في الغرب هي طرابلس”.

المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق