رأيشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

المدينة الرومانية “لبدة” في معرض افتراضي يطلقه معهد العالم العربي في باريس.. لماذا؟!  

أسامة عكنان*

     تعتبر مدينة “لبدة الكبرى” التي تقع على بعد مائة وعشرين كيلومترا من العاصمة طرابلس من المواقع الأثرية بالغة الأهمية في ليبيا. وقد أُدرجت ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، بسبب تفردها من بين كل الآثار العالمية بأنها المدينة الأثرية الرومانية الوحيدة التي تحتفظ بكامل مرافقها ومكوناتها، فهي مدينة متكاملة رغم كل الذي أصابها بعد أن أضحت اليوم عُرضة للتهديد والتخريب والنهب والتدمير. وستشارك ضمن إخراج رقمي مدهش في معهد العالم العربي في باريس انطلاقًا من العاشر من أكتوبر الجاري. وسيتيح المعرض للزائر بفضل التكنولوجيات الرقمية الحديثة، فرصةَ التجوال بين الصروح المعمارية والمواقع الأثرية التي سيعرضها، ومنها تدمر وحلب بسورية، والموصل بالعراق، ولبدة الكبرى في ليبيا والتي تُعتبر رمزًا للتراث الإنساني العالمي والتاريخ المتعدد الثقافات للحضارات الشرق أوسطية، وذلك وفق نشرة وزّعها معهد العالم العربي للثقافة.

وسينظم المعرض بالتعاون مع شركة Iconem ومنظمة اليونسكو وشركة يوبي سوفت الرائدة في ميدان ألعاب الفيديو، وسيتضمن مساقط عملاقة يصل بعضها لـ360 درجة ومشاهد افتراضية ووثائق وصورًا أرشيفية وأفلام فيديو ومقابلات مع سكّان المواقع. ويسعى معهد العالم العربي بإعادة إحيائه لهذه المدن العتيقة بفضل التقنيات الرقمية، لتوعية الجمهور العريض بالرهانات الحاسمة المرتبطة بصون التراث وإعادة تأهيله.

وإنه بفضل المساقط العملاقة سيسمح المعرض للزائر باكتشاف الحالة الراهنة للمواقع المعنية، كما سيعود به للماضي بفضل عملية إعادة تشكيل افتراضية عالية الدقّة للمباني والمساكن والصروح الأثرية؛ فيشعر الزائر وكأنه يتجول فعلاً في أرجائها. وفي كل قاعة يمكن للزائر الاطلاع على مجموعة من المعلومات والمقابلات والنصوص التي تسمح له بفهم تاريخ هذه المواقع العريقة والظروف الصعبة التي تعرّضت لها مؤخرًا، مع التركيز بشكل خاص على كلام كل من يعمل على حماية أماكن العيش هذه وكنوزها المعمارية.

ينطلق منظمو هذه الفعالية من واقعة أن لحماية التراث في هذه المواقع الحساسة أهمية بالغة، فالأمر هنا يتعلق في الوقت ذاته بأمرين هما:

أولا: صون الثراء المعماري والأثري الفريد الذي تتميز به هذه المواقع.

ثانيا: النظر لهذه المدن على كونها أماكن للعيش ذات قدرة مذهلة على الصمود والاستمرار.

تعتبر “لبدة الكبرى” المسماة “روما الأفريقية”، الموقع الوحيد من بين المواقع الأربعة في المعرض الذي لم يتعرّض للتخريب على الرغم من النزاع الذي يهزّ ليبيا منذ 2011، وتُعتبر هذه المدينة الرومانية القديمة من المواقع الأكمل، وتضم آثارًا معمارية استثنائية منها المعابد والبازيليكا والساحة العامة والمدرّج، والحمّامات.

ولكن لنا وقفة مع هذه الفعالية عالية التقنية لا من حيث تقييمها تقنيا ومعرفيا، بل من حيث دلالتها في سياق مهمات المعهد العربي الذي نشأ في فرنسا منذ أكثر من ثلاثين عاما لغايات محددة، ولتمرير رسالة واضحة حددتها فلسفته ومبادئه. إذ ما دام المعهد العربي هو الذي سيتولى الاضطلاع بهذه المبادرة، فإنه يجدر بنا التذكير بأنه تأسس في باريس منذ عقود، بهدف ترسيخ عناصر التقارب والتكامل العربي الأوروبي عبر مدخل الثقافة والفكر والاقتصاد.. إلخ، تمهيدا لأنماط ومستويات أخرى من التكامل والتقارب بين الأمم الأوروبية والأمة العربية، إلا أنه مع ذلك ما فتئ يركز في اختياراته وفي فعالياته التي ينظمها، على قضايا معظمها من الماضي، دون التطرق الفعال والملموس للقضايا المعاصرة التي من شأن التطرق لها والتركيز عليها تحقيق الغايات والأهداف التي أُنْشِئَ لأجلها.

إن سحب عناصر التقارب والتفاعل إلى الماضي دائما، يرسِّخ في العقل الجمعي للطرفين الأوروبي والعربي المستهدفين، قناعة مفادها عدم وجود ما يستدعي هذا التقارب في الحاضر، وبالتالي فكأن المعهد نشأ لتحقيق غاية، فيما هو راح يتحرك بفعاليات تعمل في الاتجاه المضاد لتحقيقها، لأن معظم الاختيارات التاريخية لا يمكن تحريرها من علاقات التجاذب والتناحر والاستعمار والاحتلال والحروب والصراعات التي كانت تشهدها العلاقة بين ضفتي المتوسط. وهو ما سوف يجد انعكاساته على العقل الجمعي عبر حالة اللاوعي التي ستستوطنها قناعة غير معلنة باستحالة هذا التقارب ما دام المعهد الذي تأسس لتحقيقه لا يجد ما يثبت به مسوغات التقارب سوى أمور من الماضي تعمل في الاتجاه الضد للتقارب ألا وهو التنافر، مهما تم ادعاء غير ذلك.

إن من يحرص على خلق عناصر تقارب وتفاعل إيجابية من النوع الذي يُفترض أن المركز العربي في باريس تم إنشاؤه لأجلها، عبر الاقتصار على الماضي، والتاريخ والآثار.. إلخ، وعدم الإكثار من موجبات هذا التقارب في الوقت الراهن، عبر التركيز على العلاقات الاقتصادية، وعلى الهجرات، وعلى الاندماج الثقافي.. إلخ، إنما يفقد رسالة المركز جوهرها وغايتها، وهو ما يدفعنا إلى التأكيد على فشله في خدمة أهدافه التي نشأ لأجلها، بعد ما لا يقل عن ثلاثين عاما مرت من عمره.

ثم إنه لا يمكننا تجنب التوقف مطولا على اختيارات المعهد التي اقتصرت إما على مدن ومواقع تم تدميرها بالكامل تقريبا بسبب الصراعات الراهنة، مثل تدمر وحلب والموصل، وإما على مدن ومواقع موجودة في بلدان يتم تدميرها هي أيضا مثل لبدة بليبيا. إن هذا الاختيار في هذا التوقيت لا ينفصل عن المعاني السياسية غير البريئة. وأخيرا فإن التركيز على الجانب التقني وعلى عناصر الإبهار البصري، عبر التشارك مع مؤسسات تقنية متطورة في هذا المجال، يصب في خانة تأكيدنا على واقعة أن هناك نزوع للترفيه والمتعة واستحلاب الانبهار البصري أكثر بكثير من التركيز على جانب التقارب والتفاعل الذي يعتبر هو المهمة الأساس لفعاليات المعهد العربي كما كان يفترض.

اللمصدر: رؤية ليبية 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب أردني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق