أثيوبيااريترياتقاريرسياسيةشؤون إفريقيةشرق إفريقيا

عوائد السلام: دوافع تسوية الصراع الممتد بين إثيوبيا وإريتريا

          تمكنت إثيوبيا وإريتريا من تجاوز عقود من الصراعات والتوترات المُسلحة عبر قبول مبادرة رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” لتسوية الصراع وإنهاء الخلافات الحدودية بين الدولتين، وهو ما يرتبط بسعي الدولتين لإنهاء التكلفة الاقتصادية للصراع الممتد بينهما، ودعم التنمية الاقتصادية، والتصدي للتهديدات الإقليمية التي تمثلها التنظيمات الإرهابية والميليشيات المُسلحة في الصومال، واستعادة الأمن والاستقرار في القرن الإفريقي.

مؤشرات التقارب: 

انتهج “آبي أحمد” منذ توليه رئاسة وزراء إثيوبيا في أبريل الماضي سياسة إقليمية جديدة قائمة على تصفير المشكلات مع دول الجوار، حيث أعلن فور توليه مقاليد منصبه عن رغبته في إنهاء الخلاف مع إريتريا، مؤكدًا أن أحد أهم أولوياته هو إنهاء الصراعات الإثيوبية، وتعزيز دور دولته الإقليمي، وهو ما تجسد في الزيارات الخارجية المتعددة التي قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي داخل القارة وخارجها بهدف تحقيق الاستقرار في إثيوبيا ومنطقة القرن الإفريقي.

فبعد 20 عامًا من الأزمات والحروب العسكرية بين إثيوبيا وإريتريا على خلفية “حرب بادمي” التي أسفرت عن مقتل ما يُقدر بحوالي 80 ألف شخص تقريبًا، بدأ التقارب بين البلدين من جديد عقب إعلان “آبي أحمد” مبادرة السلام الإثيوبية، والتي أكد فيها قبول إثيوبيا تنفيذ اتفاقية السلام الموقعة بين البلدين في الجزائر عام 2000، وما توصلت إليه لجنة ترسيم الحدود عام 2002، والتي تتضمن انسحاب القوات الإثيوبية من منطقة بادمي التي أدت إلى حدوث مواجهة عسكرية بين الجانبين في عام 1998.

وقد استجاب الرئيس الإريتري “أسياس أفورقي” لهذه المبادرة من رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد”، وأعلن عن رغبته في إرسال وفد إلى إثيوبيا، وذلك للمرة الأولى منذ عقدين لوضع خطة عمل لتنمية التعاون بين الجانبين، كما عُقدت قمة تاريخية بين الجانبين في 8 يوليو 2018 في أسمرة بهدف تطبيع العلاقات وإجراء محادثات سلام بين البلدين لمراجعة آليات تنفيذ اتفاق الجزائر للسلام، وفتح الحدود بينهما في وقت لاحق، وانسحاب إثيوبيا من المناطق التي تسيطر عليها، وتطوير موانئ إريتريا على البحر الأحمر بشكل مشترك.

كما وقّع رئيس وزراء إثيوبيا “آبي أحمد” والرئيس الإريتري “أسياس أفورقي” على “إعلان أسمرة للسلام والصداقة” في 9 يوليو 2018، والذي اعتبره العديد من المحللين إنجازًا تاريخيًّا يدشن صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين. ويبدو أن بنود الاتفاقية قد ركزت على الجانب الأمني بشكل خاص، بالإضافة إلى وجود عدد من البنود المتعلقة بالتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية، وبند يتعلق بترسيم الحدود دون تفصيل.

وتتمثل أهم البنود في: إنهاء حالة الحرب بين البلدين التي استمرت عشرين عامًا، وبدء عهد جديد من السلام والصداقة، وتعزيز التعاون الوثيق بين البلدين في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، واستئناف العلاقات في مجالات النقل والتجارة والاقتصاد والأنشطة الدبلوماسية، وترسيم الحدود، وأن يعمل الطرفان معًا لضمان السلام والتنمية والتعاون على الصعيد الإقليمي، وتطبيع العلاقات بين البلدين مع فتح الحدود، وانسحاب إثيوبيا من المناطق التي تسيطر عليها، وقيام كل منهما بعمليات تطوير مشتركة لموانئ إريتريا في البحر الأحمر، وتبادل التمثيل الدبلوماسي بينهما، وفتح السفارات في كلا البلدين، واستعادة الاتصالات الهاتفية الدولية بين إثيوبيا وإريتريا للمرة الأولى منذ عقدين، وبعد خمسة أيام فقط من زيارة “آبي أحمد” إلى إريتريا، قام الرئيس “أسياس أفورقي” في 14 يوليو بزيارة إلى أديس أبابا في إطار تعزيز الصداقة والعلاقات الثنائية بين البلدين، تم خلالها إعادة فتح السفارة الإريترية في أديس أبابا التي تم إغلاقها لفترة طويلة.

تنفيذ “إعلان أسمرة”:

في إطار السعي لتنفيذ بنود الإعلان، شكلت الدولتان عددًا من اللجان الفنية لمتابعة تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها، لا سيما تلك المتعلقة باستخدام الموانئ، واستئناف اتفاق الجزائر، وقرار لجنة الحدود، كما صدرت توصية تتعلق بأن يتم تشكيل لجنة لدراسة آليات تبادل أسرى الحرب، كما تم السماح لحاملي الجوازات الإرتيرية والإثيوبية بدون تأشيرات مسبقة بعدما كان يحتاج سفر أحد مواطني الدولتين إلى الأخرى إلى الحصول على موافقات أمنية وتنفيذ إجراءات طويلة.

كما أقلعت أول رحلة تجارية من إثيوبيا إلى إريتريا في 18 يوليو 2018، حيث أعلنت خطوط الطيران الإثيوبية في موقعها الإلكتروني عن قيام الرحلة “إي تي 0312” من مطار “بولي الدولي”. وفي تطور سريع أعلنت إريتريا موافقتها على الانضمام إلى الهيئة الحكومية للتنمية “الإيجاد” والمساهمة بحصتها في كتلة شرق إفريقيا، كما تقدمت إثيوبيا بطلب رسمي إلى الأمين العام للأمم المتحدة لرفع العقوبات المفروضة من مجلس الأمن على إريتريا منذ عام 2009 بسبب اتهامها بدعم حركة الشباب الإرهابية في الصومال، وزعزعة استقرار المنطقة.

كما عُقدت قمة ثلاثية تضم الإمارات العربية المتحدة وكلا البلدين في 24 يوليو 2018، وقد صرح صاحب السمو الشيخ “محمد بن زايد آل نهيان” ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة: “إن الإمارات بقيادة رئيس الدولة تدعم كل جهد أو تحرك يستهدف تحقيق السلام والأمن والاستقرار في أي بقعة بالعالم من منطلق إيمانها بأن تحقيق السلام والأمن هو المدخل الأساسي لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة لجميع شعوب العالم”، كما قلدهما وسام زايد الذي يعد أعلى وسام تمنحه الإمارات العربية المتحدة لملوك ورؤساء وقادة الدول.

مكاسب متبادلة: 

يمكن القول إن التقارب الإثيوبي الإريتري يعد نقطة تحول تاريخية ستُحدث انقلابًا في الميزان الإقليمي في ظل ما تشهده منطقة القرن الإفريقي من تحولات استراتيجية، حيث من المتوقع أن ينعكس هذا الاتفاق على أمن واستقرار هذه المنطقة. وتتمثل أهم تداعيات هذا التقارب فيما يلي:

1- تعزيز الاقتصاد الإثيوبي: تأتي هذه المصالحة في إطار السياسة التي ينتهجها رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” منذ توليه مهام منصبه والقائمة على إصلاح ملفات السياسة الخارجية، وإعادة تشكيل العلاقات مع الدول المجاورة وكذلك دول حوض النيل. وفي هذا الإطار، ستساعد هذه السياسة الجديدة إثيوبيا على اكتساب قوة تُمكِّنها من النهوض باقتصادها الذي يصنف كأحد أسرع الاقتصادات نموًّا، وهو ما يؤهلها لأن تصبح شريكًا للغرب.

2- القضية الصومالية: تنعكس المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا على استقرار منطقة القرن الإفريقي بشكل كبير، فمن ناحية سوف يؤثر هذا التقارب على القضية الصومالية، فإثيوبيا تمتلك وجودًا عسكريًّا مكثفًا هناك تعارضه إريتريا، وقد يحدث توافق بين كلا الدولتين في هذا الأمر مما يؤدي إلى تشجيع الصوماليين على وقف الحرب والسير في طريق المصالحة، وبناء أجهزة أمنية قوية تحتكم لقرار الدولة وليس لمصالح الميليشيات المتنافرة. وأثر تقديم أثيوبيا طلب لرفع العقوبات عن أسمرة برزت بوارد لتحسن العلاقات الصومالية الإريترية حيث زارالرئيس الصومالي “محمد عبدالله فرماجو” بزيارة إلى أسمرة في 29 يوليو 2018 لفتح صفحة جديدة في العلاقات معها، بعد قطيعة دبلوماسية استمرت 15 عامًا، ويتوقع بعض المحللين أن تمتد هذه التهدئة إلى النزاع الحدودي بين إريتريا وجيبوتي.

3- حركات المعارضة المسلحة: يتمثل العائد الثالث الذي قد يتحقق من هذا التقارب في تهدئة حركات المعارضة المسلحة في كلا البلدين. فعلى سبيل المثال، أعلنت “جينبوت 7” الحركة المعارضة الإريترية تخليها عن السلاح، وتبني نمط المعارضة السلمية في أديس أبابا في استجابة سريعة لعملية السلام في منطقة القرن الإفريقي.

4- تجاوز العزلة الجغرافية: تعد إرتيريا إحدى أكثر دول العالم عزلة، وهو ما انعكس بالسلب على اقتصادها حيث تزايدت مخاوف المستثمرين من المخاطرة بأموالهم في هذه الدولة التي تواجه عقوبات من الأمم المتحدة، إلا أن حالة السلام الجديدة ستؤدي لإزالة هذه العزلة وتكون حافزًا للتغيير في إريتريا.

ختامًا، يمكن القول إنه على الرغم من انتهاء الأعمال العدائية بين إثيوبيا وإريتريا، وتوقيع “إعلان السلام والصداقة المشتركة”، إلا أن الحكومتين تحتاجان لبذل مزيد من الجهد للحفاظ على هذا السلام، والذي قد يعني امتداد هذه الحالة إلى باقي منطقة دول القرن الإفريقي.

هالة شهاب 
المصدر: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بتاريخ 29 جويلية 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق