رأيشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

أكذوبة “أنا مدعوم أجنبيا”

سقوط الدكتاتورية الفردية لم يرح المجتمع الليبي من إشكالية كذب السياسيين ومرض الزعامتية وترويج أسطوانات مشروخة على غرار ترويج البعض الوهم بأساليب مختلفة همسا ولمزا وحتى تصريحا بطرق ملتوية عبر خطاب سياسي للداخل وخطاب ثان للخارج، على غرار ترديد قول “انا مدعوم أجنبيا”، ومرد ذلك يعود لإرث سياسي في الإقليم ذلك أن الديكتاتوريات وان اختفى ظلمها وسياساتها الثقافية الظاهرة (التأليه والمدح والاطراء وإبراز المحاسن وتجميل القبائح)، فان بقي ساكنا ثم عاد بألبسة جديدة  وعبر نوافذ كثيرة، أما ظله الثقافي فقد انتقل للبنية الفكرية والتنظيمية للمعارضات السابقة للأنظمة بما فيها المعارضات الراديكالية فحملت أيضا الأمراض البنيوية التي كرستها البيئة الاستبدادية لتطال سلوك المعارض وتفكيره، فالخاصيات الثلاث للشخصية الليبية التي كرسها نظام القذافي عبر ممارسات اجتماعية وثقافية لا زالت تحكم التنظيمات والأحزاب والتكتلات السياسية والتي لم تستطع في بيئة ديمقراطية مُؤطرة بأجواء الحرية وروح المجتمع أن تتخلص من عقلية الانتماء القبلي والجهوي وتأثير “المدينة” الاجتماعي، إضافة الى حضور عاملي “الغلبة” و”الغنيمة” على السلوك اليومي وعلى الوقائعي لتؤطرا معا المواقف السياسية وطبيعة ردة الفعل السلوكية بين الفرد ومجتمعه…

وبالعودة الى اكذوبة “أنا مدعوم أجنبيا” فهو تأثر آلي بسلوك القذافي السياسي طوال 42 سنة والتي ظاهرها قول مُصرح به “انه مدعوم من الشعوب” و”اللجان في كل مكان”، بينما الثقافة الحقة الممارسة في السلوك هي الاستناد الى دعم المعسكر الشرقي و البحث عن دعم مصر، وحتى أثناء الأزمة منتصف العقد الماضي بحث القذافي عن الدعم الخارجي عبر إرسال “معتصم” لمقابلة “هيلاري كيلنتون” ثم مقابلته غير المعلنة مع “ديك تشيني” وحتى مع آخرين إضافة الى طلبه الدعم من الأمريكيين ابان أيامه الأخيرة (المايل عدد 28095 الخاص بهيلاري كمثال للكر لا الحصر)…

ان ثقافة البحث عن الدعم الأجنبي بدل العلاقة الايجابية لليبيا مع الأجانب إقليميا ودوليا هي ثقافة موروثة في ليبيا، وقد يقول قائل ان القذافي كان يحارب كل العالم وهذه سمفونية أخرى ومن أهم المغالطات التي كانت رائجة ومروجة من طرف الأجهزة…

وبعد ثورة فبراير حضرت عقلية الاستناد للسند الشعبي والاحتكام لصاحب السيادة الأصلية، ولكن مع الازمة السياسية والعسكرية المتفاقمة منذ 2014 حضرت ذهنية الوكالة لأطراف إقليمية ودولية ليصبح الصراع عمليا في شكل حرب بالوكالة يُديرها لاعبون محليون ضيقي الأفق، وأصبحت كواليس السياسة تسودها مقولة و”تيكة” ذلك مدعوم ايطاليا وذلك جواد رهان فرنسي وذلك ورقة أمريكا وهكذا دواليك، بل أن البعض يفرح برواج المعطى حوله من حيث دعم تلك الجهة الخارجية له وبين الاتهام واصطناع الاتهام تكرست العقلية من خلال البحث عن التموقع في السلطة وفي الوزارات وأصبح التجاذب مدار ذلك الاصطفاف، ولكن ما تم تغييبه أن القوى الدولية لا تصطف مع طرف أو زعيم واحد، لأنها باختصار غير مستعدة ان تضع كل أوراقها أو بيضها في سلة واحدة، ولا يُمكن لها أن ترهن مصالحها على فاعل سياسي لوحده لأنه قد يُقصى فجأة من الساحة أو قد لا يكون له القدرة على التموقع اذا ما سقط سيناريو من السيناريوهات، كما نسي أولئك ان الشعب والفعل الداخلي والقدرات الذاتية هي المدخل الحقيقي لصناعة الرمز السياسي والزعيم والحزب أو التنظيم أو التكتل السياسي، ولن يصعد إلا من اكتسب البراغماتية والواقعية ومن راهن على المجتمع و المواطنين والأنصار وخدمة البلد بينما العلاقة بالخارج وبالأجنبي عامل من بين عدة عوامل فقط لا غير….

 فوزية القيش

المصدر: صحيفة رؤية ليبية ، العدد 17، 08 اكتوبر 2018، ص2

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق