الجزائرتحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

في انتظار “الجمعة” الثانية عشرة الجزائر وسيناريوهات مُستقبل المرحلة الانتقالية

علي عبد اللطيف اللافي

بقلم: علي عبد اللطيف اللافي
كاتب ومحلل سياسي ومختص في الشؤون الإفريقية

بعدتطورات ما بعد الجمعة الحادية عشر وتحقيق الحراك الشعبي لثالث مطالبه ،والمتمثل في إيقاف رؤوس النظام السابق وحبس الثلاثي “السعيد” و”توفيق” و”طرطاق” على ذمة التحقيقات، واتجاه مسار الأحداث نحو بداية تفكيك أولي لحقل الألغام الذي كان يشكل أكبر تهديد على مخرجات المرحلة الانتقالية، وتفعيل عملية تطهير المناخ السياسي العام من أجل التوجه نحو تحقيق المطالب الحقيقية، من خلال الحوار والتشاور على مرحلة انتقالية وتحقيق مسار ديمقراطي حول الانتخابات الرئاسية التي تتجه عمليا إلى التأجيل، فكيف بني “الحقد” الشعبي على مكونات العصابة، وما هي سيناريوهات مستقبل المرحلة الانتقالية؟

• كيف بُنيت مواقف الحراك من “العصابة”؟

أ‌- من”مكانش الخامسة يا بوتفليقة” إلى سقوط ما سماه رئيس الأركان الجزائري أحمد قايد صالح بـــ”العصابة”، أنهى الحراك من خلال 11 جمعة بوطرق سلمية حكم “عصابة” استولت طوال عقدين على مقدرات الجزائر ودمرت مؤسسات الدولة، فميّعت الساحة السياسية فعليا وأفقدت الأحزاب القوية أدوراها الوطنية بما سمي بــ”التصحيحيات” وحولت المسار الاجتماعي للنقابات فجعلتها زبائنية تشتري زعاماتها أو تُقسمها ، ولم يسلم من العصابة وأفرادها حتى الموتى الذين كانت لا تفوت فرصة إلا وتظهر فيها تتبادل القهقهات فوق أرواح موجهة إلى السؤال عند ربها…

ب‌- لم يكن الجزائريون الذين خرجوا في الجمعة الأولى يوم 22 فبراير رافعين شعارات ضد العهدة الخامسة،يُدركون أن شرارة الأحداث انطلقت لتكون شُعلة لاحتراق نظام سياسي متعفن تغلغل في جسد الدولة حتى أنهكها، ولم يعد بمقداره الصمود أكثر ليبلغ مرحلة سقوط أفراد أو مكونات العصابة وزعماء الدولة العميقة مما وسع دائرة الكتلة الصامتة في الانتخابات، وهي الكتلة التي يقاطع أصحابها كل اقتراع، تعبيرا عن رفضهم للسلطة التي تنظم الانتخابات، والسبب التزوير المفضوح الذي جعل الخارطة السياسية تثبت في تشكيلات سياسية مبدأها الولاء والطاعة تغلغل فيها المال الفاسد وبيع الذمم، وشملت سياسة التصحير أيضا…

أنظر مقال الكاتب في موقع “إفريقيا 2050” (www.afrique2050.net) “حيثيات وأبعاد تحقيق تحقيق الحراك الجزائري لأهم مطالبه” ” بتاريخ 05-05-2019
أنظر حلقات دراسة الكاتب حول “الجزائر: الحراك وبلورة الخارطة السياسية الجديدة” الأعداد 104-105 و106 أسبوعية “الرأي التونسية” بتواريخ 18-04-2019 و 25-04-2019 و 02-05-2019

ت‌- قد يستغرب المراقبون العرب والأجانب من الرفض المطلق للشعب الجزائري للإدارة الحالية ولحكومة بدوي (وزير الداخلية السابق الذي أشرف على تشريعيات ومحليات 2017 والتي أعيد فيها توزيع الخارطة السياسية بناء على ولاءات جديدة)، أما السعيد بوتفليقة الشقيق الأصغر للرئيس فقد استفز الجزائريين عبر ما عرف عنه بالضحك في الجنائز وأحاط نفسه برجال أعمال فاسدين ومتملقين حتى أن غالبية الجزائريين على علم أنهقد استحوذ على الكثير من العقارات والمصانع، ثم تحول منذ 2013 من رجل الظل إلى المسير الفعلي للدولة، وحليف لرئيس مؤسسة “أفسيو” السابق علي حداد، والأمين العام للمركزية النقابية عبد المجيد سيدي السعيد، أما توفيق وطرطاق فقد كان حليفيه خاصة منذ بداية الحراك الشعبي إضافة إلى توجيه عدد من الاتهامات لهما على غرار مُسارعة نجل “بوضياف” إلى البدء في إجراءات تقديم قضية ضد توفيق ونزار وآخرين واتهامهم بالضلوع في قتل والده…

ث‌- النقاط سالفة الذكر تؤكد أن كتلة “حقد”شعبي قد تكونت ضد “العصابة” وأنها سرعان ما انفجرت في الشارع في ظل ممارسات قذرة وقاهرة استبطنها الجزائريون ضد أفراد “العصابة”التي كانت تُنهي العمر السياسي لكل من يتجرّأ على المساس بمصالحها ويعرف في بعض الأحيان فضائح الصراعات الداخلية بين مكوناتها الدائرة في سرايا الحكم” في حين يتم آمال وآلام غالبية الجزائريين ومشاغلهم اليومية،ولعل أكثر المرات التي شعر الشعب بهزاتها، يوم إقالة عبد المجيد تبون، من منصبه كوزير أول، بعد خطابه أمام البرلمان وإعلانه الحرب على تغلغل المال الفاسد في السياسة، الرجل كان يتحدث وكأنه يوقع نهايته….

++ واقع الحراك الشعبي في انتظار الجمعة الثانية عشر

يشهد الحراك زخماً متزايداً ويضغط بكل قوته على النظام القائم لتحقيق مطالبه، في ظل تمسك قيادة الجيش بفتح الحوار والحل وعدم الخروج عن الحل الدستوري وهو الطرح الذي تقاسمته مختلف التشكيلات السياسية مبدئيا كبداية الحل للخروج من الأزمة وتبني هذا لخيار كحتمية لا بد منها بعد أن ارتفع التهديد بنسف الانتخابات الرئاسية أو على الأقل إمكانية إجراء انتخابات في موعدها المحدد، خاصة في ظل التطورات الأخيرة وتسارع الأحداث وفي ظل متغيرات إقليمية ودولية كبيرة الارتدادات..

تقرير صحيفة البلاد بتاريخ 07-05-2019 ص 02 بعنوان “مُتهما إياهما باغتيال والده في 29-06-1992 نجل بوضياف يرفع دعوى قضائية ضد توفيق ونزار”

وفي انتظار الجمعة الثانية عشرة غدا الجمعة 10 ماي 2019، أصبح هناك وعي مواطني أن آلة الحساب والعقاب قد امتدت في اتجاه محيط الرئيس المستقيل وشملت أحد أفراد أسرته بشكل غير متوقع بعد 74 يوما من انطلاق الحراك والذي أصبح يُدير اللعبة حيث أصبحت رؤوس العصابة على ذمة التحقيق في انتظار أن تمتد آلة الحساب إلى أطراف أخرى غير التي شملتها لحد الساعة من كبار المسؤولين ورجال الأعمال، حيث ينتظر أن تشهد هذه القائمة عملية توسيع لتضم أسماء أخرى في سياق عمليات تطهير المؤسسات من رجالات النظام القديم، والثابت أن الحراك سيتنفس بعد هذه الخطوة وسيحس الجزائريون كل الجزائريين بروح ثورة 01 نوفمبر 1954 قد عادت تطفو في سماء جزائر الأمير عبد القادر وابن باديس جزائر المليون ونصف شهيد، ليصبح الجميع متساوون وفقا لثنائية الحق والواجب…

++ تقليص الفجوة وتقريب وجهات النظر، وامكانيات الهزات الارتدادية

أ‌- بدأت الفجوة بين المؤسسة العسكرية وقوى المعارضة تتقلص بشكل تدريجي بعد دعوة قطاع عريض منها إلى التخفيف من حدة التصلب في المواقف بين الجيش المتمسك بتطبيق الحلول الدستورية المطروحة على حذافيرها ويتجلى هذا التقارب من خلال مواقف مختلف التشكيلات السياسية الأخيرة التي أعربت عن موافقتها المبدئية على دعوات الحوار الذي أكدت المؤسسة العسكرية في آخر خطاب لقائدها يوم الأربعاء الماضي (01-05-2019) أنه المنهج الوحيد للخروج من الأزمة، مقترحات الجيش هذه المرة نجحت في تحقيق إجماع بين الفاعلين في الطبقة السياسية، حيث رحبت حركة “مجتمع السلم” وأحزاب أخرى بدعوة رئيس أركان الجيش الفريق أحمد ڤايد صالح، من خلال تثمين تلك الأحزاب لأهمية الحوار بين الشخصيات السياسية والأحزاب ومؤسسات الدولة، بل أن حركة “حمس” دعت المؤسسة العسكرية إلى المسارعة للاستجابة للمطالب الجامعة للشعب الجزائري المعبر عنها في الحراك الشعبي، وكذا الاقتراحات المعقولة للنخب والأحزاب السياسية والبحث عن المساحات المشتركة المساعدة على نجاح الانتقال الديمقراطي السلس، كما رحب حزب “تاج” وباركت “طلائع الحريات”الدعوة كما عبر حزب”البناء الوطني” مثله مثل “جبهة العدالة والتنمية” عن الترحيب بدعوة الجيش بشروط….

ب‌- بعدتنفيذ المؤسسة العسكرية لتحذيراتها تجاه “الثلاثي”(السعيد- طرطاق – توفيق)، يبدو أن ذلك سيشمل كل أركان “العصابة”،ولكن السؤال المطروح هل سيمر ذلك دون إحداث أي تداعيات أو هزات؟، ومرد طرح السؤال هو أن تلك الشخصيات التي تغلغلت في دواليب السلطة تملك وسائل التأثير السياسي، ومؤسسات الإنتاج الاقتصادي، ومنابر الإعلام، وعلاقات خارجية متشعبة، الأمر الذي يجعل التعامل في المرحلة القادمة بحكمة ضروري جدا، ولا بد من خلق حالة توازن بين محاسبة من أداروا المراحل الماضية، وبين الحلقات الثانوية التابعة لها التي لها امتداد قوي، ويبدو أن تلك المعطيات هي التي دفعت نائب وزير الدفاع الوطني قائد الأركان الفريق قايد صالح إلى الحذر ووضع وحداته على جاهزية تحسبا لأي طارئ،وبنظر البعض من المتابعين والمراقبين فإنه لا يمكن إغفال هزات ارتدادية وردات فعل داخلية وخارجية بعد الضربة القاضية التي وجهتها قيادة المؤسسة العسكرية من خلال توقيف كل من شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة، وكذا مديري جهاز المخابرات السابقين اللواء توفيق والجنرال “طرطاق”، حيث توقع بعض العارفين بالقول “قد تتحرك الأذرع المالية والسياسية لهذه العصابة التي تمكنت خلال 25 سنة من تكوين منظومة تابعة لها في مختلف مفاصل الدولة” ، فالأمر ـ حسبه ـ لا يتعلق بأشخاص بل بمنظومة، وفعلا فأولئك هم جزء من منظومة ومصالح دولية وخارجية لا يدري المتابعون حجمها بالنظر للصفقات والمخططات المشتركة المبرمة بينهم تاريخيا، لكن الثابت أن أي تأثير سيكون محدودا في ظل الوعي الذي بات عليه الحراك الشعبي، وكذا الدور الذي تلعبه المؤسسة العسكرية،ويرى الكثيرون أن التهم الموجهة للفريق “محمد مدين” والتي جاءت على لسان نائب وزير الدفاع رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، ثقيلة جدا فهي تتعدى الإخلال بواجب التحفظ العسكري بكثير لتصل إلى عقوبات التآمر والخيانة العظمى التي تصل عقوبتها حسب القانون العسكري إلى الإعدام والذي يعني عقوبة السجن المؤبد…

تصريح نقلته يومية البلاد الجزائرية في تقرير لها بعنوان: “بعد توقيف وحبس أهم رؤوس العصابة …”، بتاريخ 07-05-2019 ص 3

المصدر:الرأي العام العدد 107 بتاريخ 09 ماي ٢٠١٩

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق