تقاريرسياسيةشمال إفريقياليبيا

مع بداية الانتقادات الداخلية للسياسات الفرنسية في ليبيا … هل ستتراجع باريس عن دعم حفتر؟

علي عبد اللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

 

الثابت في ظل تسارع الأحداث والمتغيرات وبدء الانتقادات الداخلية لسياسات الاليزيه تجاه تطورات الملف الليبي،  أن باريس تدعم حفتر في السر والسراج في العلن، وإضافة لذلك التناقض الغامض تطرح لقاءات ماكرون مع حفتر واستقباله للسراج تساؤلات عن طبيعة الدور الفرنسي والأهداف الحقيقية لفرنسا في ليبيا، فهل هناك تطورات في الموقف الفرنسي، وما سر الإصرار على إبقاء دور لحفتر رغم فشله المتكرر منذ بداية أفريل/نيسان الماضي على تحقيق سيطرته على العاصمة طرابلس (آخر المحاولات قام بها يوم السبت الماضي وكللت بفشل ذريع)، وفي الأخير ما الذي تريده فرنسا بالفعل في ليبيا؟ ولماذا كل هذه الازدواجية في مواقفها وهل ستتراجع عن دعم حفتر خلال المرحلة القادمة؟

   ++ دور فرنسي رئيسي ولكنه موسوم بالارتباك  

أ- لا يختلف اثنان في أن فرنسا هي من أبرز الدول الداعمة للواء المتقاعد خليفة حفتر حتى أن المتابعين يصفون الموقف الفرنسي بأنه يتلخص في أن باريس ضد التصعيد لكنها تدعمه بطريقة ما، وهي تساند في نفس الوقت من يحاول تخفيف التصعيد، ولكن الثابت من خلال قراءة لتطورات مواقف الرئيس الفرنسي يستنتجون أنه مهتم كثيراً بليبيا ولن يقبل بأن لا يكون لفرنسا مستقبل في البلد الغني بالنفط وبكل الثروات الهائلة والنادرة….

إيمانويل ماكرون 

ب- عمليا لم تخل الأخبار الخاصة بليبيا منذ إطلاق حفتر لعمليته العسكرية التي فاقت الخمسين يوما، من حضور الفرنسيين في ثناياها وتفاصيلها، فمن الحديث عن غرفة عمليات في غريان في بداية العملية إلى التساؤل والجدل عن هوية المسلحين الفرنسيين الذين غادروا ليبيا من الأراضي التونسية إلى موقف فرنسا من وقف إطلاق النار ومعارضته ومواقفها من تطورات الأحداث، وموقفها في اجتماع روما ( 25 أفريل/نيسان الماضي) إلى استقبالها للسراح ثم تواتر زيارات حفتر لباريس وتعاليق الصحافة الفرنسية حول المعارك الدائرة في أحياء جنوب العاصمة بل الأغرب هو تناقض المواقف الفرنسية بين الحضور الميداني واللوجستي الداعم لحفتر وهو أمر ليس بجديد لا أثناء معارك بنغازي طوال السنوات الماضية ولا أثناء تحركه في الجنوب منذ أشهر ولا أثناء محاولته الحالية للسيطرة على العاصمة، وطبعا تتناقض الأخبار حول ذلك الحضور الميداني واللوجستي كما تتناقض المواقف الفرنسية حتى داخل الإدارة الفرنسية حول مستقبل المواقف والإستراتيجية الفرنسية المستقبلية ومن المعلوم أن وزير الخارجية الحالي ووزير الدفاع الأسبق يميل إلى مواصلة المراهنة على حفتر بينما تميل بعض أوساط في الإليزيه إلى الجنوح نحو دعم العملية السياسية مستقبلا وإنهاء الصراع…

جان إيف لودريان

ت- مما لا شك فيه أن دور فرنسا في ليبيا كان محوريا منذ اندلاع ثورة 17 فبراير على نظام القذافي، فالرئيس الأسبق “نيكولا ساركوزي” يُعتبر عَرَّاب تدخل الناتو سنة 2011 رغم ارتباطه سابقا بعلاقات صداقة قوية مع القذافي، لدرجة انتشار الحديث عن تمويل مفترض لحملته الانتخابية نهاية الألفية السابقة من طرف القذافي، كما أن فرنسا كان لها دور رئيسي وأساسي خلال مرحلتي 2011-2014 و2014-2019 مع تغير ملامح سياستها وهوية حلفائها ووكلائها المحليين…

 ++ غياب أطروحتي “العقلانية” و”الواقعية” يؤكدان ازدواجية المواقف

في ظل الانقسام الكبير بين الليبيين والأطراف الخارجية الفاعلة في الأزمة، تتعمق كل يوم الاصطفافات في حروب الوكالة التي تشهدها ليبيا وخاصة بعد 2014 ويبدو من الواضح أن الفرنسيين يدعمون الحلف الإماراتي السعودي المصري وينسقون معه في كل الاتجاهات وبكل الأشكال وبطرق ناعمة وخفية في بعض المراحل والهدف هو دعم حفتر المدعوم بأشكال أخرى من خارج هذا المحور على غرار الدعم الروسي وهو ما قد يوضح تماهي المواقف الفرنسية والروسية في مجلس الأمن خلال الجلسات الأخيرة وخاصة منذ إطلاق حفتر لحملته على المنطقة الغربية من ليبيا، كما أن الفرنسيين يخوضون منذ وصول ماكرون للاليزيه صراع مع الايطاليين عبر تسابق وتلاحق في إدارة الملف الليبي أوروبيا، وأهداف الفرنسيين متنوعة وان طغت عليها الحسابات السياسية فهي أيضا عسكرية واقتصادية حتى أن الصراع بين الدولتين الأوربيتين يختصره البعض في انه حرب غير معلنة بين “ايني” الايطالية و”طوطال” الفرنسية، ذلك أن روما تدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس بقيادة فايز السراج…

فايز السراج 

ويصف أنصار السياسة الفرنسية في ليبيا، أنها سياسة عقلانية عبر التأكيد أن فرنسا تعتقد أن الحل السياسي هو الحل الوحيد لإنهاء الأزمة، ولكنها مضطرة للوقوف في صف حفتر باعتبار أنه استطاع فرض سيطرة كبيرة على الأرض وربما يمكن التفاوض معه، ولكن هذا الرأي ضعيف ويغلب عليه التبرير ذلك أن الفرنسيين هم من مكنوه في الشرق وفي الجنوب عبر دعم لوجستي واستعلاماتي استثنائي وخاصة أثناء المعارك وعبر دعم تواجده في مؤتمرات التفاوض، وما يتم تغييبه في اغلب القراءات لفهم الموقف الفرنسي من الدعم المستمر لحفتر أن  شخصيته تحقق تقاربا “غير معهود” بين باريس وموسكو، إضافة للهوس الموجود لدى فرنسا بخصوص حركات وقوى الإسلام السياسي، وهو ما جعل حفتر يروج لنفسه على أنه يحارب الجماعات المتطرفة، وهو ما تجد فيه فرنسا تسويقا وتبريرا لدعمها له…

المشير حفتر

وقد وجد الفرنسيون أنفسهم في حالة تنفس وصرع مع الايطاليين في ليبيا في السنوات الأخيرة لدرجة تبادل الشكايات والاتهامات بين البلدين، ذلك أن روما مستاءة من التدخل الفرنسي في بلد تعتبره جزءا من نفوذها كقوة مستعمرة سابقة، بينما تتمسك باريس بمصالحها السياسية والاقتصادية في بلد غني بالثروات ويعتبر بوابة إلى إفريقيا وممر فريد إلى عمقها الاستراتيجي، وخاصة دول الساحل التي تربطها علاقات جيدة وممتدة بفرنسا…

ورغم كل ما ذكرناه أعلاه فان باريس تحاول علنيا ورسميا الظهور بمظهر الوسيط الذي يحاول تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين والتنسيق مع الطرف الآخر أي مع حكومة السراج، حتى أن ماكرون استقبل الخصمين معا السراج وحفتر، في قصر الإليزيه في 25 جويلية 2017 وفي 29 ماي 2018   أما في الكواليس فباريس تدعم حفتر لوجستيا وعسكريا واستخباراتيا وتستقبل مبعوثين له بشكل دوري ومستمر وهي تدعم الحل العسكري رغم أنها تعلم جيدا أن تدخل حفتر والتصعيد في ليبيا من شأنه أن يزيد من موجة المهاجرين نحو أوروبا، وهو ما يعني أن ماكرون يعيد الأخطاء التي سبق له أن اتهم بها الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي، وهو بذلك يؤكد ضبابية سياسته الخارجية حتى أن أغلب المتابعين وصفوها بأنها سياسة “قيد مرحلة البلورة”، وذلك ما يؤكده ميل وزير الخارجية “جون إيف لودريان”، المعروف عنه ميله لعسكرة المقاربة الفرنسية والأوروبية في الملفات الخارجية…

++ الازدواجية وسياسة المصالح ستؤد ي في النهاية للتخلي عن حفتر

أ- من يتابع صراع الفرقاء في ليبيا وتواتر المواقف الدولية بشكل يومي لتطورات الأحداث وخاصة مواقف الساسة الفرنسيين وحضور قواتهم النخبوية اللوجستي والميداني في الجنوب والشرق الليبيين، يفهم فعليا طبيعة الدور الفرنسي في هذا البلد ومصالح باريس الحقيقية، ذلك أن ماكرون ومستشاريه يبدون تارة مع الجهود الأممية من أجل إيجاد حل سياسي للأزمة وتارة تؤكد باريس دعمها لحكومة طرابلس ويستقبل ماكرون السراج ويبحث معه عن حل الأزمة….

ب- في الأخير قد يجد الفرنسيين أنفسهم في ممرات ضيقة تجاه الملف الليبي، وعندئذ سيعتمدون سياسة قلب الطاولة والتخلي عن حليفهم الذي صرفوا عليه كثيرا ودعموه على مدى السنوات الماضية خاصة إذا ما تواصلت هزائمه وعجزه عن تحقيق اختراقات نوعية في المنطقة الغربية فما بلك إذا ما ثار عليه أهالي برقة خلال قادم الأيام والأسابيع، ذلك أن كل السيناريوهات واردة في ليبيا أي من الحالة السورية لا قدر الله إلى فسخ منهجي وعملي لعقليات الحسم العسكري والاتجاه لبناء دولة مدنية عبر مسار انتقال ديمقراطي بعد جلوس كل الفرقاء لطاولة الحوار …

المصدر : يومية 24/24 بتاريخ 28 ماي 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق