السودانرأيسياسية

فك الإعتصام في السودان: من المسؤول؟…

بلغيث عون

بعد الإدانة الشديدة التي لا نملك غيرها والحزن الكبير على الطيبين الذين سقطوا من أبناء الشعب السودان الطيب، يجب أن نترك المشاعر الفياضة ونفكر جيدا:
فض الإعتصام المتوقع من فترة في السودان ستوجه فيه المسؤولية كالعادة إلى العسكر. ولا يوجد عاقل يرهق نفسه كثيرا ليزيد من كيل التهم للعسكر، نكبة الأمة منذ الخمسينات في مصر حتى اليوم. لنترك جانبا هذا الحمار القصير الذي يركبه أي كان، ولنضع النقاط على الحروف…
في مصر أو تونس من قبل واليوم في السودان المسؤولية التي نهرب حتى من ذكرها والتي لا تأتي هيمنة العسكر إلا بعد أن تأخذ هي مكانها في المشهد السياسي: مسؤولية الشعب والقوى “الثائرة” على الأنظمة الفاسدة، القوى المريضة والعاجزة على لف نفسها في شعارات جامعة وأهداف، والتي ما إن يترهل النظام أو يبدي ضعفا حتى تنكفئ كل لمداواة أمراضه بالآخرين، الضحايا مثله. فلا أحد يجهل أن المنظومة القديمة لم تعد في تونس إلا حين انقسم شركاء الأمس في النضال ووضعوا أياديهم مع المنظومة نفسها التي حاربوها. ولم يعد النظام المصري في أسوإ وجه له إلا بعد أن وضع ضحايا الأمس أياديهم مع بقايا المنظومة لإسقاط مرسي. وهاهنا في السودان العجب أكثر وأكثر..
قبل أن يرحل النظام الذي لا يزال جاثما بكلكله، لا ننسى المهزلة التي لاحظنا الآن أشهرا: “قوى الحرية والتغيير”، ما إن بدا ترهل النظام تشرع في ترتيبات ما بعده مع المجلس العسكري الفاسد نفسه وتعرض عن القوى المختلفة في السودان التي كانت معها لسنين تحت القمع. ولم أر مشهدا مزريا في ذلك مثل ما رأينا زيارة لن ينساها التاريخ لوفد من الحراك بعيد سقوط البشير مباشرة، زيارة للمجلس العسكري تطلب منه تفويضها لسنوات حتى تظهير الدولة من النظام القديم (الذي هو نفسه من تخاطبه). وعلى الفور انشق صف الشعب والضحايا وبدأ المجلس العسكري في اللعب على ورقة الإقصاء التي مارسها الثائرون عليه حتى أنزل (على خطى السيسي من قبل) جماعته واسأسد وضرب بقوة وفك الإعتصام.
يجب أن لا ننسى إذن أن ضحايا المجلس العسكري هذا اليوم هم أنفسهم الذي عولوا عليه ووضعوا اليد معد بدل أن يضعوها مع ضحاياه: الشعب السوداني برمته.
من المسؤول إذن عن هذا المصير؟ هو عينه المسؤول عن فشل الثورات جميعها: تشرذم القوى المعارضة ومرضها وعقدها النفسية بعضها من بعض ووضعها اليد مع العدو المشترك: الأنظمة المستبدة عدوة الجميع. كان كل شيء سيسير مختلفا برأيي إذا فعل الحراك السوداني مثل الحراك الجزائري: لا يقصي أحدا ويستجمع كل أبناء السودان ضد العسكر؛ لا يساوم العسكر لغنائم تخصه بل يضع كل الشعب السوداني مقابل العسكر… وذلك ما لم يحصل للأسف.
أما الخاتمة فلا يبدو أن العسكر عاجز على الذهاب للأقصى على خطى السيسي رغم إعلان العصيان المدني ما دامت قوى المعارضة متشرذمة تفاوض النظام لنفسها لا لمصلحة السودان وترى النظام مجرما إذا لم تكن جزءا من الكعكة وطرفا وطنيا إذا اقتسم معها الغنيمة. لكن كل شيء سيتغير إذا تدارك الحراك نفسه بشعارات وأهداف تتسع للجميع. هناك سيكون العصيان وحتى ما دونه مفيدا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق