تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

في ظل المراوحة لمدة أسابيع بين القبول بالواقع وتوخي الخطوات التكتيكية … ليبيا: هل قبل حلفاء حفتر الإقليميين بالحل السياسي؟

علي عبداللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

كل المعطيات والمؤشرات وترتيبات الغرف المغلقة في عدد من العواصم الإقليمية والدولية، تؤكد أن الخطوات القادمة هي مقدمات موضوعية لترتيب حل سياسي يُرضي غالبية أن لم تكن جميع الأطراف المحلية بغض النظر عن نسبية تضمن الحل خطوة مغادرة كل من السراج وحفتر لمسرح الأحداث وان بشكل متدرج وعلى مراحل، والترتيب المشار إليه طُبخ ويُطبخ برضا قوى وأذرع إقليمية وقوى دولية مؤثرة في الملف الليبي حاضرا وأيضا خلال السنوات الماضية بل منذ حوالي سبع عقود لأن مشهد 1951 يفرض نفسه وان فاعلين ولاعبين جُدد وبخصائص وظروف مغايرة في التفاصيل، ومعلوم أن حلفاء العسكري المتقاعد وخاصة الإقليميين منهم يُراوحون منذ أسابيع بين القبول بالواقع وبين ممارسة الخطوات التكتيكية وخاصة بعد خسارتهم لـمدينة “غريان” الإستراتيجية، وعمليا فان أولئك الحلفاء يراوحون بين خيارين:

أ‌- القبول بواقع استحالة بسط حكم عسكري في ليبيا خاصة في ظل عدم السيطرة على المنطقة الغربية، أي عمليا استحالة إعادة إنتاج “القذافي 2” أو تحويل حفتر نفسه لـــ”سيسي ليبيا”…

ب‌- مواصلة اعتماد الخطوات التكتيكية والمناورة في تطبيق المفاهمات والاتفاقات الدولية والخطوات الأممية واللعب على الهوامش وتطورات الأوضاع في الإقليم…

ومن هنا يكون السؤال موضوعيا هو هل قبل حلفاء الإقليميين وخاصة المصريين والإماراتيين بالحل السياسي بعد أن أعاقوه لمدة حوالي خمس سنوات؟

1-  زيارتي “حفتر” و”حميدتي” للقاهرة: قصة الظرفية والتزامن والتماهي  

خلال أيام قليلة، زار كل من الفريق أول محمد حمدان الشهير بـ «حميدتي» نائب رئيس المجلس العسكري السوداني، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، العاصمة المصرية القاهرة، الأولى كانت علنية، حيث استقبله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأجرى معه جلسة مباحثات، والثانية تمت دون إعلان على الأقل من الجانب المصري، وإن كانت وسائل إعلام حفتر قد احتفت بالزيارة ونتائجها، وأشارت إلى أهميتها في ذلك التوقيت، خاصة وأنها الزيارة الثالثة منذ أعلن العسكري المتقاعد وبدعم مصري/اماراتي/سعودي في 4 أبريل الماضي الهجوم على طرابلس، بحجة تطهيرها مما أسماه الميليشيات المسلحة، كلا الرجلين وحسب خصومهما في ليبيا والسودان، يعتبر مجرم حرب:

أ‌- “حفتر” يجمع كل المتابعين أنه أربك المشهد السياسي في ليبيا منذ منتصف 2014، بل هو مجهض مشروع الدولة المدنية في ليبيا، ومعيق قطف ثمار ثورة فبراير 2011 نتاج نجرسيته المفرطة وغطرسته وإصراره على أن يكون “القذافي2” أو “سيسي ليبيا”، وبناء على ذلك خاض حروبا في بنغازي طوال سنوات ثلاث (2014-2017)، ثم ترحكه نحو الجنوب ثم نحو المنطقة الغربية وبأساليب “هتشكوكية” وبأسلحة ودعم أجنبي وبمقاتلين مرتزقة في غالب الأحيان  …

ب‌- “حميدتي” هو عمليا قائد ميليشيا الجنجويد المتهمة دولياً بارتكاب مجازر ضد الأهالي في دارفور عامي 2014 و2015، ويقودهم حاليا تحت مسمى «قوات الدعم السريع»، وفي غفلة من الزمن ولحسابات نظام البشير حصل على رتبة فريق أول، رغم أنه لم يخدم يوماً في الجيش السوداني، وقواته متهمة بارتكاب مجازر في فض اعتصام الثوار أمام مقر رئاسة الأركان، وفي أم درمان والأبيض، والبقية تأتي، ولكنه للأسف يمثل خيارات جهات عديدة من بينها مصر، التي يزورها أول مرة ليكون رقماً صعباً في المعادلة السودانية، وقد يكون رئيساً للسودان بعد أن يخلع لبسه العسكري في أي مرحلة مقبلة…

ولكن ماذا جرى في الزيارتين عمليا ولماذا التماهي والتزامن؟:

أ‌- بعيداً عن الرسميات والتي كان مفادها في أغلبها أن الرئيس السيسي أكد على الموقف الثابت لمصر تجاه دعم استقرار وأمن السودان، موضحاً «أن نائب رئيس المجلس العسكري السوداني استعرض تطورات الموقف الحالي في السودان»، إلا أن تقارير عديدة أكدت أن وراء الزيارة الاطلاع على حجم المعلومات الأمنية التي تملكها مصر، والتي ساعدت المجلس العسكري في إجهاض 4 محاولات لانقلابات عسكرية، أخطرها الأخير والذي قاده رئيس الأركان السابق الفريق أول “هاشم عبد المطلب أحمد”، وعدد من ضباط القوات المسلحة وجهاز الأمن والمخابرات الوطني، كما أنها تهدف إلى تعزيز دور المجلس العسكري عربياً من خلال بوابة القاهرة، إلا أن المعلومات التي توافرت حول مناقشات تتعلق بالموقف من سد النهضة، أو الإسراع بمشروعات مشتركة مثل الربط الكهربائي، تثير تساؤلاً مهماً: بأي صفة تتم مناقشة مثل هذه القضية مع حميدتي؟ وهو جزء من مجلس عسكري ينتهي وجوده في السلطة -وفقاً للاتفاق- بنهاية المرحلة الانتقالية، وخلالها يكون هناك وزارة مدنية ومجلس سيادي بالمشاركة بين العسكريين وقوى الحرية والتغيير، يتولى مثل هذه القضايا….

ب‌- زيارة حفتر من السهل على أي متابع قراءتها وتفسيرها خاصة بعد استعراض الزيارتين الأخيرتين: الأولى في أفريل/نيسان الماضي، والثانية في ماي/آيار، فالرجل يعاني بشدة من فشل مشروعه التخريبي منذ أبريل الماضي في اقتحام العاصمة طرابلس، والذي يعاني من إخفاقات وهزائم الواحدة تلو الأخرى، آخرها في مدينة “غريان” الإستراتيجية، ومحاولته الفاشلة للدخول إلى مصراتة واعتداءات قواته الأخيرة وجرائمها في مرزق، وهو يحاول أن يبحث عن أي مساعدة عسكرية أو دعم سياسي من القاهرة، التي قد تمثل له طوق نجاة، خاصة وهذا هو الأخطر، ما تم الكشف عنه من إمكانية مشاركة عدد من قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي في القتال مع حفتر، وهو ما يمثل رابطاً موضوعياً بين الزيارتين للعاصمة المصرية، ويضاف إليه مغزى آخر وهو الاتصال الذي تم بين الرئيس المصري والفرنسي ماكرون، والأخير أحد أهم الداعمين لحفتر بحثاً عن مصالح بلاده، حيث تمت مناقشة -وفقاً لبيان الإليزيه- الوضع في ليبيا، بهدف دعم خطة الأمم المتحدة الرامية لإرساء وقف لإطلاق النار في المستقبل القريب، واستئناف الحوار بين رئيس الوزراء فايز السراج وحفتر على أساس اتفاق أبوظبي. كل المحاولات تجري للبحث عن مخرج، بعد فشل مشروع حفتر سواء بتوفير الدعم العسكري من قوات الدعم السريع، وهي محكوم عليها بالفشل، أو السياسي بالعودة إلى طاولة المفاوضات…

2- هل القبول بالحل السياسي نتاج فشل خيار العسكرة أم خطوة تكتيكية جديدة؟

أ- باستقراء التطورات وتراكمات الأحداث والوقائع يمكن الجزم أن البعثة الأممية وعدد من الأطراف الدولية رغبت عمليا في أن تتحول هدنة العيد إلى وقف دائم لإطلاق النار، إلا أن حفتر وقواته لم يلتزما بذلك فاستهدفا مطارات “طرابلس” و”زوارة أقرب للاستعراض والكاريتكارية، وهو ما صعب عمليا هدف تمديد الهدنة، ورغم ذلك فهناك أحاديث وتسريبات مؤكدة أن اللجنة المصرية المكلفة بمتابعة الملف الليبي تمكنت من إقناع حفتر وقيادات موالية لحكومة الوفاق بالبدء في حوار غير مباشر من أجل الاتفاق على عدة نقاط تبنى على أساسها بنود اتفاق نهائي، في ظل عجز طرفي القتال عن حسم المعركة التي بدأت منذ إبريل/ نيسان الماضي، ونقل عن مصادر مطلعة وجديدرة بالثقة في أكثر من تقرير إعلامي أن العسكري الباحث أن يكون القذافي 2 أو سيسي ليبيا قد قبل في الأخير بالحوار بهدف تحييد قوة مصراتة التي يجري التفاوض من أجل انسحابها من جبهات القتال في طرابلس، مقابل ضمانات تؤكد عدم دخول مليشيات غرب ليبيا الموالية لحفتر إلى طرابلس”، موضحا أن القيادات العسكرية المنخرطة في الحوار غير المباشر طالبت بضرورة تفكيك وتحييد مليشيات ورشفانة ومليشيات اللواء السابع من ترهونة، ووفقا لنفس المصادر السابقة فإن القاهرة تقترح على الطرفين “تشكيل قوة مشتركة من وحدات عسكرية منضبطة من جانب حفتر ومصراتة لبسط السيطرة على طرابلس وتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة شرط حل البرلمان المنعقد بطرابلس وبقاء الموجود بطبرق كسلطة تشريعية وحيدة تمنح الحكومة الجديدة شرعية السلطة التنفيذية”…

ب- المقترحات سالفة الذكر تأتي بعدما دعت وزارة الخارجية المصرية الأسبوع الماضي، البعثة الأممية في ليبيا إلى “التعاون والانخراط بشكل أكبر مع الممثلين المنتخبين للشعب الليبي، لبلورة خطة الطريق المطلوبة للخروج من الأزمة الحالية”، في إشارة لمجلس النواب المنعقد بطبرق، مؤكدة أن المجلس هو الجهة الوحيدة “المناط بها التصديق على أي خارطة طريق قادمة للخروج من الأزمة الليبية، ووضع القواعد الدستورية اللازمة لتنظيم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وعمليا لقيت تلك الدعوة معارضة واسعة من قبل حكومة الوفاق ووزارة خارجيتها، اللتين اعتبرتاها “تدخلا سافرا في الشأن الليبي الداخلي، وتشير معلومات المصدر الحكومي إلى وجود معارضة بين شرائح عديدة في طرابلس لحصر حوار حفتر مع قيادات عسكرية من مصراتة دون إشراك الجهات الحكومية في طرابلس، ما يهدّد الحوار بالفشل….

ت- تبين للمُتابعين أن حفتر يعول عمليا على نجاح حواره مع قيادات مصراتة العسكرية لتحييد قوتها، كونها أبرز القوى التي تشكل غالب جبهات القتال في جنوب طرابلس، بالإضافة لامتلاكها للقاعدة الجوية الوحيدة التي تمكنت من فرض حصار جوي على قواته في الخطوط الخلفية لها، ولا سيما في الطرقات الرابطة بين “الجفرة” وتمركزات قواته في مناطق جنوب طرابلس، ويمكن القول أن الخطوات والمساعي المصرية بدأت استباقا لحراك دولي نحو حث الأطراف المتصارعة في جنوب طرابلس على العودة لطاولة التفاوض السياسي من أجل إيجاد حل للأزمة، في محاولة منها لإنقاذ أوضاع حليفها حفتر، التي تشير إلى انكسار حملته العسكرية على طرابلس.

ث- عمليا لا يخفى على المتابعين لتطورات الاحداث في بلد عمر المختار وجود تحركات دولية لافتة منذ أكثر من أسبوعين نحو حث الأطراف للذهاب إلى حل سلمي، أبرزها طبعا تصريحات السفير الأميركي الجديد لدى ليبيا، “ريتشارد نورلاند” الخميس 15 أوت الحالي والذي تعهد عمليا بـــــ”العمل من أجل إنهاء فوري للصراع في ليبيا، وهو ما يعني وجود تحول في طريقة تعامل الإدارة الأمريكية وهو ما أكده السفير نفسه بقوله “رغبة واشنطن في تكثيف النشاط الدبلوماسي مع جميع أطراف النزاع”، ويقرأ محللون في حديث السفير عن ثروات البلاد وأحقية “جميع الليبيين في العيش بسلام والاستفادة من ثروات البلاد” تلميحاً لخطة أميركية لحل الأزمة من خلال طرح دولي تم تداوله بشكل واسع في الآونة الأخيرة يقوم على “مبدأ تقسيم الثروة” من خلال إقامة نظام فيدرالي في ليبيا….

ج- في نفس سياق الأحداث، أصدرت سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا والإمارات، بيانا مشتركا سبق تصريحات السفير الأميركي الجديد، أكدت فيه أنه “لا مجال للحل العسكري في ليبيا”، مطالبة بضرورة الالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي بشأن حظر صادرات السلاح إلى ليبيا، ما يؤشر لتحرك دولي تسير في ركابه دول داعمة لحفتر مثل فرنسا والإمارات نحو التخلي عن دعم الحل العسكري، وفعليا لم تتأخر القاهرة طويلا، إذ أكدت هي الأخرى على رغبتها في حث الأطراف الليبية على الذهاب إلى حلول سلمية بعيدا عن الحل العسكري من خلال “عملية تسوية شاملة تستند إلى معالجة شاملة للقضايا الجوهرية”، مشيرة إلى أن توحيد مؤسسة الجيش على رأسها.

ح- أما بالنسبة للحليف الإقليمي الثاني لحفتر أي دولة الإمارات، فتعكس اللهجة المعتدلة التي بدأت في استخدامها وسائل إعلام موالية لها، كانت إلى وقت قريب تعلي من صوتها الموالي بشدة لمسار حفتر العسكري، للحديث بشكل واضح عن أهمية الحلول السياسية للأزمة الليبية، ما يعكس بشكل ضمني تغيرا في سياسة أبوظبي في التعامل مع مشروع حفتر وإمكانية تراجعها عن الاستمرار في تقديم الدعم العسكري والسياسي له….

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 22 أوت / أغسطس 2019 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق