تحاليلتونسسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

“الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي”: ائتلاف مرحلي بين مكونات من أقصى ووسط اليسار(4)

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

بعد فشل حزبي “المسار الديمقراطي الاجتماعي” و”الجمهوري” في بلديات 2018 وعلى التأثير في الحياة السياسية نتاج عوامل سياسية متعددة من بينها:

  • التفكك العملي والنهائي لتحالف “الاتحاد من أجل تونس”[1] والذي لم يكن سوى مطية لحزب نداء تونس للصول ما وصل إليه رغم أنهما كانا فاعلين رئيسيين فيه من حيث بناءه وإشعاعه سياسيا وإعلاميا…
  • غياب أي كسب سياسي للحزبين بل وتقلص حضورهما الكبير في المشهد السياسي بعد انتخابات 2014 وعدم حصول “المسار” على أي مقعد نيابي وحصول “الجمهوري” على مقعد يتيم فقده لاحقا باستقالة “الدهماني” من الحزب…
  • الهزات التنظيمية لــ”المسار” بعد وفاة أمينه العام وأحد أهم رجاله المؤسسين “أحمد إبراهيم” وتفضيل سلفه “سمير بالطيب” كُرسي وزاري على قرارات وخيارات حزبه، وتعدد الخلافات والصراعات بين بعض قياداته التاريخية (خلافات “لخضر لالة – الجنيدي عبد الجواد” مثالا للذكر لا الحصر) …
  • الهزات السياسية للحزب “الجمهوري” وخروجه من الحكومة ثم من وثيقة قرطاج وخاصة بعد رحيل أمينته العامة وابتعاد زعيمه التاريخي أحمد نجيب الشابي[2]

بناء على تلك العوامل وبناء على تقييمات أوساط يسارية عملت قيادة الحزبين بعد مشاورات ثنائية وأخرى مع شخصيات يسارية واجتماعية وبعد إعلان أولي عن ائتلاف “قادرون”، تم البحث عن نسج ائتلاف سياسي مع أطراف قريبة منه في رؤيتها السياسية المرحلية والتي تشترك معها في رؤيتها للوضع السياسي الحالي وفي البحث عن تموقعات جديدة ضمن مشهد سياسي متغير ومتطور وخاضع للمتغيرات الإقليمية والدولية….

ولكن ما هي فسيفساء مكونات “الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي”، وبناء على أي تقييم لمسارها السياسي بين 2014 و2019 انضمت تلك المكونات لهذا الائتلاف؟، وما هي آفاقها المستقبلية وحظوظ الائتلاف في تشريعيات 06 أكتوبر ورئاسيات 15 سبتمبر؟

++ فسيفساء مكونات الائتلاف الديمقراطي الاجتماعي

رسميا أعلن عن تأسيس “الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي” يوم 20 جوان/يونيو الماضي وقد ضم المكونات السياسية التالية:   ** حزب “المسار الديمقراطي الاجتماعي”، والذي تأسس بعد الثورة وأعلن عنه رسميا بعد مؤتمر “الزهراء”، وهو آخر مؤتمرات حركة “التجديد” الشيوعية، وسياسيا يعتبر “المسار” وريث لها، ويُذكر أنها اعتبرت عند بدء نقاشات تأسيسها سنة 1993 مُحاولة سياسية لتجميع وتجاوز ووراثة لــــ”الحزب الشيوعي التونسي” المؤسس سنة 1919 والذي تقلبت مسيرته على مدى عقود أي بين النشوء والبناء في ظل تنامي التحرر الوطني وبين الحظر وصولا إلى إعادة بنائه وتقنينه في بداية الثمانينات من القرن الماضي للنضال من أجل التعددية وكل ذلك أثناء الحقبة البورقيبية، ليتحول إلى حزب موالاة في عهد المخلوع تحت لافتة ومسمى “التجديد”، وقد عرف الحزب خلافات واهتزازات ورجات تنظيمية وسياسية كما أسلفنا ذكره أعلاه خاصة بعد أصر سمير بالطيب على أن يواصل عضويته للحكومة رغم رفض قيادة الحزب، فتمت إقالته والتي لم تنه التجاذبات داخله مما أضعفه أكثر من الفترات السابقة وخاصة بعد نتائجه الضعيفة جدا في بلديات 2018، ولا يمكن تغييب أن الحزب جامع ومؤثر في ما يسمى باليسار الثقافي والأقرب حاليا لأوساط اليسار الفرنسي وخاصة الاشتراكيين الفرنسيين…

** حركة الديمقراطيين الاجتماعيين(MDS)، وهو الحزب الوحيد في الائتلاف الممثل في بالبرلمان بأمينه العام الدكتور أحمد الخصخوصي، وهو مناضل عروبي وقيادي سباق بحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، ولكن حزبه انحصر من حيث التأثير والامتداد وحضور الشباب داخله…

** “حركة تونس إلى الأمام”، وهو حزب يتمحور حول شخص أمينه العام “عبيد البريكي” وهو حزب ينتمي إليه بعض نقابيين قريبين من “البريكي” عندما كان قياديا في المركزية النقابية وبعض وجوه سياسية جديدة على غرار طليقة المرحوم “بلعيد” بسمة الخلفاوي بعض أفراد من عائلة “شكري” على غرار شقيقيه، إضافة إلى النائب “عدنان الحاجي” وبعض يساريين مستقلين وآخرين غاضبين من حزبي “العود” و”الوطد الموحد”….

** الحزب الجمهوري، وهو حزب يقوده حاليا عدل التنفيذ المعروف “عصام الشابي”، والحزب قطع وتواصل مع “الحزب الديمقراطي التقدمي” بل هو يحمل ارثه السياسي[3]، ورغم أن الحزب فقد الكثير بوفاة أمينته العامة السابقة “مية الجريبي” وباعتزال نجيب الشابي ثم تأسيسه لاحقا لحزب “الحركة الديمقراطية”، إلا أنه بقي رقما في المشهد السياسي رغم استقالة القيادي إياد الدهماني (والذي التحق بالفريق المؤسس لحزب “تحيا تونس” بقيادة يوسف الشاهد)…

** المستقلون وبعض المكونات الأخرى في ائتلاف “قادرون”، وهو ائتلاف سياسي وانتخابي بالأساس، وقد تأسس رسميا في 17 مارس 2019 بين عدد من السياسيين والجمعيات والشخصيات السياسية وباستثناء “المسار” وحزب “الحركة الديمقراطية” المشار إليهما في بقية فقرات الجزء الحالي من التحليل هناك مثلا “حزب المستقبل” (بقيادة الندائي السابق “الطاهر بلحسين”[4])، وهذا الأخير يُمسي على موقف ويصبح على آخر، وعمليا تم تأسيس قادرون بناء على تقييم مكوناته للانتخابات البلدية[5]، ورغم التحاق بعض مستقلين فعليا بالائتلاف وترأسهم لبعض قائماته، إلا أن حضور المستقلين في الائتلافات الحزبية ذات الطابع اليساري عادة ما يكون أمرا ديكوريا أو تحيل سياسي ناعم من بعض المكونات نفسها داخل ذلك الائتلاف للالتفاف لاحقا على أي محاصاصات سواء في القائمات الانتخابية أو في تركيبة هياكل الائتلاف أو في اختيار مرشح الائتلاف لانتخابات الرئاسية مثلا….

  ++ أي نتائج يمكن أن يحققها ائتلاف “الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي” في الاستحقاقات الانتخابية القادمة  

  • عمليا شكل ائتلاف “الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي” قائمات في أغلب الدوائر (عمليا 30 قائمة من أصل 33 دائرة انتخابية ومعلوم أن 10 أحزاب سياسية فقط استطاعت تشكيل قائمات في كل الدوائر)، ورغم أنه بقي يبحث عن مرشحين حتى الساعات الأخيرة قبل غلق باب الترشحات على غرار ما حدث له في ولايات ودوائر الجنوب الشرقي، فانه استطاع تشكيل القائمات بناء على ترأس قياديين من مكونات الائتلاف وفقا لتقسيم حجم كل طرف سياسي داخل الائتلاف…
  • من الواضح أن الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي سيتقدم على عديد الأحزاب وبقية الائتلافات السياسية والتي بقي بعضها قيد النقاشات فلم تتشكل ائتلافاتها أصلا وقدمت في الأخير أحزابها قائمات خاصة بها أو هي قدمت قائمات مستقلة في آخر الأمر، ومن المنتظر ن يحتل المرتبة السادسة أو السابعة في ترتيب الأصوات المتحصل عليه بغض النظر عن عدد المقاعد …
  • بقي رهان الرئاسية معلقا في ائتلاف الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي بحثا عن دعم مرشح من خارجه وبين خيار اختيار “أحمد نجيب الشابي” أو “عبيد البريكي” وهذا الأخير اقترحه حزبه (حركة تونس إلى الأمام) كمرشح للائتلاف في جلسات النقاش وتم الإعلان عن ذلك رسميا، وقد تظهر خلافات بين الفينة والأخرى مع استبعاد أن تكون سببا في تشتت مكونات الائتلاف قبل الاستحقاقات الانتخابية مع أن ذلك يقي واردا نتاج قرب بعض قياداته من أوساط ما سمي برجال الأعمال المتنفذين سياسيا…
  • تبقى هناك علاقة جدلية وتشابكية بين الائتلاف وبعض قياديين في “الاتحاد العام التونسي للشغل” نتاج أبعاد وعوامل تاريخية وفكرية وسياسية إضافة إلى أن البريكي كان قياديا في المركزية النقابية لسنوات عدة، ومن المنتظر أن يُسند بعض نقابيين قائمات الائتلاف في عدد من الدوائر وخاصة في الجنوب والوسط الغربي…
  • من المهم التذكير بأمرين تم تغييبهما، أولهما تعمد الائتلاف إلى تسميته بــ”الاتحاد” وما لذلك من رمزية يوسمها البعض بالتحيل السياسي (يمكن أن يتم إيهام بعض الناخبين أنه سينتخب “الاتحاد”)، الثاني هو الشبه بين اسم حزب “البريكي” وسام حزب ماكرون في فرنسا وهذا أمر ثان متروك لمقام ثان أو في مقال ثان، على أنه من المهم الإشارة إلى أن البريكي أسس حزبه بعد إقالته من الحكومة قبل أن يستقيل منها غداة عودته من مؤتمر إقليمي في الإمارات، مع أن ذلك قد يكون مجرد مصادفة ولكن هل المصادفة في اسم حزبه وفي تسمية الائتلاف بالاتحاد المؤسس قبل أشهر من الاستحقاقات الانتخابية….
  • بناء على كل العوامل والمعطيات سالفة الذكر من المنتظر أن يتحصل الائتلاف حسب استشرافنا على عدد من المقاعد يتراوح بين مقعد وحيد وثمان مقاعد وسيكون عدم حصوله على أي مقعد أو تجاوز ثمان مقعد مفاجئة انتخابية بكل المعايير…..
  • سيبقى مستقبل ائتلاف “الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي” مفتوحا على كل الخيارات ولكن نهايته قد تكون مشابهة لنهاية تحالف “الاتحاد من أجل تونس” والتي حدثت عشية انتخابات أكتوبر 2014، فهل سينتهي ائتلاف الحال بعد انتخابات 2019 أم أنه قد ينضج سياسيا أكثر ويصبح رقما في المشهد السياسي الجديد، وهل سيتحول عندئذ لحزب سياسي ويحقق جزء من حلم “حزب اليسار الكبير”، ولكن الثابت حاليا هي أن النتائج في الاستحقاقين التشريعي والرئاسي هي التي يتكون محددة أولا وأخيرا…

المصدر/ السياسي

لقراءة المقال من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق