تونسدراساتشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

تنظيمات وأحزاب  أقصى اليسار: الترنح والهزات التنظيمية والسياسية والمستقبل مفتوح على كل الخيارات(5)

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

++ تمهيد   

 من حيث التعريف فإن “تنظيمات” و”منظمات” أقصى اليسار التونسي، هي تلك التي كانت تُعرف في نهاية الخمسينات وبداية الستينات بمنظمات “اليسار الجديد”، وقد ظهرت في تونس لأول مرة في ما عرف يومها بمنظمة “كفاح” التروتسكية[1]، ثم تجسدت مع بداية الستينات عبر تجمع الدراسات الموسوم يومها بـــ”أفاق” (ببرسبكتيف – Persepectives)، وهي المنظمة/التنظيم التي ورثها تنظيم/منظمة “العامل التونسي” والذي تميز وعرف بخطوطه المتنوعة والمتصارعة في ما بينها، لنصل في نهاية السبعينات إلى أكثر من 25 تنظيما ومجموعة متفرعة عن تنظيمي “الشعلة” الماوي (الوارث لكل من GMT و GMLT) و”العامل التونسي” وبعض المجموعات التروتسكية وعمليا تحولت نصوص كل تلك المجموعات إلى قراءات نقدية وسب وتخوين لبعضها البعض وأطلقت كل منها على الأخرى مصطلحات “الإصلاحية” و”التحريفية” و”اليمينية” إضافة إلى “التخوين” والوسم بــ”التخندق” مع أو ضمن “البرجوازية” الصغرى والكبرى، ولكنها في الأخير ومن حيث توجهات الأفراد والمنتسبين انقسمت إلى قسمين:

  • قسم أول، تصدى للدكتاتورية وتحمل تبعات النضال من أجل أفكاره ورؤيته الفلسفية والكونية، وقدم أولوية معركة إسقاط النظام وناصر هيئة 18 أكتوبر سنة 2005 وخاض معارك لاحقة بما فيها معارك أحداث ثورة الحرية والكرامة (17-12-2010 إلى 14-01-2011)…
  • قسم ثان، انتقل منتسبوه إلى أدوات وظيفية في خدمة ما سموه يومها بجلاد الشعب (أي “حزب الدستور”) في كلا العهدين “البورقيبي” و”النوفمبري” وتحول إلى أداة لكيفية قمع المعارضين والتصدي لهم من داخل أورقة السلطة وأجهزتها الحزبية والقمعية وتموقعوا خاصة في خلايا التفكير التجمعية وفي أجهزة الأمن والمخابرات البورقيبية والنوفمبرية  …

ولم يستطع أقصى اليسار حتى بعد الثورة ورغم تشكيل أحزاب وجبهات وائتلافات أن يقوم لا بمراجعات ولا تأسيس ما سماه البعض بـــ”حزب اليسار الكبير”، فقد  بقي وفقا لوصف الباحثين والمتابعين “قاصرا” من حيث رؤيته الفكرية والتنظيمية في بناء استراتيجيا تمكنه من التموقع السياسي، وسقط عمليا في نفس المطبات بل وفقد القدرة على التجديد والبناء التنظيمي والهيكلة الحزبية والسياسية، بل ولم يفلح في بناء حاضنة شعبية وتحول عمليا إلى حديقة خلفية لليمين الليبرالي وتكلس خطابه الفكري والسياسي وانحصر في معاداة جزء من تنظيماته وفي سب وانتقاد التيارين “العروبي” و”الإسلامي” وفي معاداة الإسلاميين، فماذا بقي اليوم من أقصى اليسار التونسي وما هي آفاقه المستقبلية بعد وقبل الاستحقاقات الانتخابية بشقيها الرئاسي والتشريعي؟

  • واقع وفسيفساء تنظيمات وأحزاب أقصى اليسار

عمليا تتشكل تنظيمات وأحزاب وأعضاء أقصى اليسار التونسي إلى أربع مجموعات كبرى:

أ- تنظيمات وأحزاب تروتسكية التوجه والمنشأ: وتتمثل أساسا في حزب “رابطة اليسار العمالي” والتي انقسم منذ 2013 إلى جناحين، جناح أول بقي مكونا من مكونات الائتلاف اليساري الموسوم بــ”الجبهة الشعبية” وجناح ثان بقيادة الأستاذ “جلال الزغلامي” غادرها وانفصل عنها تنظيميا وسياسيا، ويضاف إلى ذلك المنسبين السابقين للتنظيم الطلابي “الماركسيين الثوريين”[2] والذين اختاروا الانضمام إلى أحزاب ليبرالية (منذر ثابت ومجموعته مثلا التحقوا بالحزب الليبرالي الذي صنعه المخلوع وانقلبوا لصالحه على منير الباجي في 15-07-2006)، والتحق بعضهم بعد الثورة بحزب نداء تونس وشقوقه …

ب- تنظيمات تعود نشأتها لتنظيم “العامل التونسي” وخطوطه: وأبرزها “حزب العمال” (بقيادة “حمة الهمامي”) و”الاشتراكي” (بقيادة محمد الكيلاني) وأحزاب صغرى بعضها تلاشى في السنوات الأخيرة، وبعض أفراد بحثوا عن التموقع الحقوقي وطنيا أو دوليا على غرار “مختار الطريفي” و”أحمد كعرود” وآخرين والبعض الآخر التحق بأحزاب اقرب لليبرالية على غرار قيادات سابقة في التنظيم الطلابي “النقابيون الثوريون”…

ت- تنظيمات تعود نشأتها لتنظيم “الشعلة” الماوي، وهي عديدة على غرار تنظيمات الأوطاد وعلى غرار “حركة النضال الوطني” (بقيادة أحمد الكحلاوي) وهذه الأخيرة أصبحت ذات منحى عروبي قومي لقربها من النظام السوري، وبالنسبة للأوطاد فقد تعددت أحزابهم بعد الثورة رغم محاولات التوحيد فهناك “الوطنيون الديمقراطيون” و”حزب الوطد الثوري الاشتراكي” وهذا الأخير عاد للجبهة الشعبية في بداية 2018 بعد الانسلاخ عنها في أوت 2013)، و”حزب الوطد الموحد” (بقيادة زياد الأخضر) وحزب “العود” (بقيادة “عبد الرزاق العُثيمين” والذي خلف المرحوم “عبدالرزاق الهمامي”)، كما التحقت قيادات سابقة بتنظيمات “الوطد” بنداء تونس ومشتقاته وشقوقه على غرار “مصطفى بن أحمد” و”ناجي جلول”، ومعلوم أن الوزير الحالي الفلاحة والملتحق بحزب “تحيا تونس” قد كان قياديا في الوطد عام 1979….

ث- قيادات سابقة اختارت الاستقلالية التنظيمية الظاهرة: وهم فاعلون من أقصى اليسار لم ينتموا بعد الثورة بشكل ظاهر لتنظيمات وأحزاب أقصى اليسار سواء اختيار منهم للعمل النقابي أو الأكاديمي على غرار عضوي “الوطد الفوضوي” سابقا، “شكري المبخوت” و”سامي الطاهري”، أو بعض الفاعلين في ما يعرف باليسار الثقافي من منتسبي “الوطد” و”الحزب الشيوعي التونسي” بنسختيه السابقتين لحزب المسار (PCT و”حركة التجديد” المؤسسة سنة 1993) على غرار الفاعلين في المجل الثقافي والعلمي على غرار الجامعي “عبد الواحد المكني” (كان قياديا في الهياكل النقابية المؤقتة منتصف السبعينات) و”منير الفلاح” (الناشط السابق في نوادي السينما والمدير الحالي لمجلة “شاشات”، والمجال لا يسمح بتعداد وذكر كل الأسماء التي كانت قيادية وفاعلة في تنظيمات اليسار الطلابي ومتمركزة اليوم في مجالات ثقافية وفي منظمات ومناشط عدة…

++ ماذا بقي من أقصى اليسار؟

على عكس ما ترسخ في ذهنية الرأي العام من أن كل المنتمين لأقصى اليسار تغلب عليهم “الشعبوية” و”الانتهازية السياسية” و”التحول لخدمة اليمين الليبرالي”، فان بعض قيادات يسارية بقيت وفية لمبادئها ولنضالاتها  في المرحلة الشبابية على غرار بعض الجامعيين والعديد من الفاعلين النقابيين وبعض قيادات “حزب النضال الوطني” وبعض الحقوقيين على غرار “العياشي الهمامي”، ولكن الإشكال يكمن في غياب عقلية غياب التقييم داخل تنظيمات أقصى اليسار إضافة إلى النخبوية و”التبرجز” وعدم تجاوز مضمون الأدبيات القديمة (“الكراس الأصفر” مثالا للذكر لا الحصر)، وعدم وجود شجاعة في البحث عن تقييمات حقيقية لمسار اليسار التونسي وتجاوز مُربعات الدين والهوية واللغة، وعدم القدرة في التحول فعليا إلى يسار اجتماعي وأن يلعب اليسار الماركسي واليسار عموما في المستقبل أدوارا تتجاوز مناكفة خصومه الإيديولوجيين والتنقيب في مقولاتهم ومواقفهم والبحث لهم عن سجون جديدة (مسرحية ومهزلة ما يسمى بــ”هيئة الدفاع” وما سمي ب”لجنة التصدي للتمكين”)، فمتى سنرى حزب “اليسار الكبير” وهي تتجسد؟، ومتى سنرى اليسار أقرب للناس ومشاغلهم وآلامهم وآمالهم اليومية؟، ومتى سنراه موحدا وفاعلا وبانيا لحاضنة شعبية ومنفصلا في رؤيته عن اليسار الفرنسي وبقية يسار آخر في بلدان أخرى؟، ومتى سنراه تونسيا أصيلا في مقولاته وأدبياته وتوجهاته؟

++ مستقبل أقصى اليسار في أفق الاستحقاقات الانتخابية؟

  • لابد من التأكيد أولا أن اليسار بشكل عام دخل الانتخابات مشتتا وبقائمات حزبية وحتى ائتلاف “الجبهة الشعبية” انشق كما هو معلوم إلى ائتلافين كل قدم قائماته، قائمات أولى باسم “الجيهة” وقائمات ثانية باسم “حزب الجبهة الشعبية” المؤسس حديثا وتكتيكا من حزب “الوطد الموحد” وحلفائه من مكونات الجبهة الشعبية سابقا)..
  • انتخابيا قدم أقصى اليسار قائمات ائتلافية وحزبية ومستقلة ولكنها قائمات ضعيفة التكوين ونخبوية ومسقطة على قواعد ومناضلي اليسار، وهي قائمات لن تحصد نتائج تذكر، ولن يتجاوز عدد مقاعد أقصى اليسار في حد أقصى ما حصلت عليه “الجبهة الشعبية” سنة 2014 ، وهي أصلا نتائج ساهم فيها يومها ما سمي بالتصويت المفيد لصالح نداء تونس وحلفائه في جبهة الإنقاذ، ولكن نتائجها ذهبت للنداء في أغلبها كما هو معلوم (89 مقعدا لصالح النداء و15 مقعدا فقط لصالح الجبهة)…
  • من حيث التوجه الفكري والسياسي هناك مرشحين رئاسيين محسوبين على أقصى اليسار من أصل 26 مرشحا تم قبولهم أوليا من طرف هيئة الانتخابات في بلاغها الرسمي يوم 14 أوت الحالي، والمرشحين هما “المنجي الرحوي” (عن حزب الوطد الموحد وحلفائه من أحزاب الجبهة)، و”حمة الهمامي” كمرشح لــ”حزب العمال” وحلفائه من بقية المكونات (أساسا حزب “التيار الشعبي” وبعض اليساريين المستقلين)، وهذين المرشحين من غير المنتظر أن يُحضيا بأي دعم من أحزاب أخرى أو من قطاعات عريضة من الشعب باستثناء دعم نسبي في جهتي “جندوبة” (الولاية الأصل للرحوي) و”سليانة” (الولاية الأصل لحمة)
  • من المستحيل عمليا وسياسيا مرور “الرحوي” أو “الهمامي” للدور الثاني في ظل المعطيات والمعادلات الراهنة بل أنهما لن يحلا في المراتب السبع الأولى في ظل وضوحها عمليا بين بقية المرشحين في انتظار المفاجآت وأولئك المرشحين هم: الشاهد – مورو – الزبيدي – القروي – جمعة – المرزوقي – قيس سعيد….
  • سيخرج أقصى اليسار من الاستحقاقات القادمة وهو أمام أسئلة التقييم والمراجعة لا لمساره طوال السنوات الماضية ولمرحلة ما بعد الثورة بل لمساره منذ نهاي الخمسينات منذ تأسيس منظومة كفاح “التروتسكية” بل أن الثابت أن مشكلة اليسار التونسي هي جزء من مشكلة اليسار العربي عموما…

المصدر:السياسي

لقراءة المقال من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق