تونسدراساتشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

تنظيمات وأحزاب يمين الوسط: قُدرات لوجستية ومالية مقابل ضعف بنيوي واجتماعي (7)

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

++ تمهيد   

         تعود تصنيفات “اليمين” و”اليسار” و”الوسط” سياسيا إلى سنة 1789 خلال اجتماع أعضاء “المجلس الوطني الفرنسي” لمُناقشة مستقبل البلاد أثناء الثورة الفرنسية  والذي حدث يومها أنَه مع مرور الوقت جلس مُؤيدي بقاء الملك بكامل سلطاته (المحافظين) على يمين رئيس المجلس، بينما جلس مؤيدو تقليص سلطات الملك على يساره، و من هناك بدأت فكرة أن كُل يُريد المحافظة على تقاليد المجتمع المعروفة هو “محافظ/يميني”، وتمَ التعارف في العلوم السياسية وفي رحاب السياسية والإعلام في كل دول العالم أن اليمين” مُرتبط بالحرية الاقتصادية وحرية الملكية و العمل التجاري، حيث تعتقد أحزاب اليمين أن ذلك أنسب طريقة لتحقيق النمو السريع للثروات في المجتمع وتوزيعها بصورة غير تعسفية، بل وتم التعارف أنهُ كلما كان المرء من الناحية السياسية مع تقليص الحريات والحفاظ على القيم التقليدية للمجتمع ووجود حكومة قوية واسعة السلطات، فهو بالضرورة يميني وإذا ما كان مع ذلك قليلا فيصيرُ من “يمين الوسط”، وأما من الناحية الاقتصادية، فإذا كان المرء مع الحرية الاقتصادية الأوسع و الضرائب والرقابة الأقل، فهو يميني، وأقل من ذلك فيصير من “يمين الوسط”…

ولكن أي من الأحزاب التونسية الناشطة والمؤثرة اليوم في الساحة السياسية يُمكن القول أنها فعليا من أحزاب يمين الوسط، وما هو مستقبل تلك الأحزاب وأفقها في ظل الاستحقاقين الانتخابيين خاصة وأن هناك حوالي 25 حزبا تونسيا لها أنشطة إعلامية وتنظيمية من أصل 40 حزبا ناشطا مقابل 220  حزبا مُقننا وفقا للمرسوم عدد 87 لسنة 2011؟

++ واقع وفسيفساء أحزاب يمين الوسط

  1. “حزب تحيا تونس“: من الواضح أن حزب “تحيا تونس” حزب ليبرالي التوجه بناء على مقولاته وبناء على أنه مُوسوم بحزب الدولة وأيضا بناء على طبيعة مكوناته الثلاث المؤسسة:

** مجوعة العزابي والشاهد وبعض المتربطين بهما سياسيا واقتصاديا أي الاعضاء المؤسسين بحزب طريق الوسط سنة 2011

** مجموعة أو “لُوبي” عبد الرحيم الزواري وأهم الفاعلين والقريبين من الزواري عندما كان وزيرا للمخلوع وامينا عاما للتجمع المنحل

** مجموعة أو “لُوبي” لزهر العكرمي) وبعض يساريي النداء

ويبقى مستقبل “تحيا تونس” مرتبطا بالمتغيرات الإقليمية والدولية وعملية الاستقطاب في المشهد السياسي وطبيعة الائتلافات والتحالفات المستقبلية ومدى قدرة قيادييه على بناء تماسك تنظيمي يبدو صعبا في الوقت الراهن إن لم نقل مستحيلا خاصة في ظل تراجع شعبية الشاهد وأخطائه خلال الأيام الماضية إضافة إلى ضعف قائماته في الانتخابات التشريعية،  كما سيرتبط أيضا بمدى القدرة على تقديم وبناء خطاب سياسي قادر على جلب الناخب التونسي ذو النفس اليميني خلال الحملة الانتخابية بنسختيها التشريعية والرئاسية …

  1. حزب آفاق تونسوهو الحزب الذي تأسس سنة 2011 من طرف عدد من مثقفي اليمين الليبرالي وأساسا من جمعية “آتيج” (الدارسين في المدارس الفرنسية العليا)، يقوده حاليا الوزير الأسبق للتنمية والتعاون الدولي “ياسين ابراهيم” بعد طرد واستقالة ابرز منافسيه في الحزب، وهو حزب له 8 مقاعد في مجلس نواب الشعب الحالي وقد استقال البعض منهم واعتبروا رئيس الحزب متفرد بالرأي، وعمليا يُعرف الحزب بقدراته المالية وقدرته على تأطير النخب الشبابية الليبرالية وكانت له مواقف سياسية براغماتية ومتوازنة إلا أنه عرف تقلبات عدة وانسحبت بعض قياداته ووزرائه نتاج تبنى قيادة الحزب الحالية (إبراهيم – صفر- محجوب) خيارات متقلبة واستئصالية للآخر السياسي نتاج سياسة إدارة فردية للحزب، ويمكن القول أن مستقبل الحزب يتسم بالغموض والضبابية بعد أن كان مرشحا أن يكون من بين الأحزاب الثلاث الأولى في أفق نهاية العشرية الحالية ومعلوم أن العديد من إطاراته الجهوية والمحلية قد غادرته خلال الفترة الماضية نتاج انسحاب العديد من إطاراته والتحاقهم بحزب “تحيا تونس” وعمليا سيتحول الحزب إلى إطار نخبوي حول شخص ياسين ابراهيم مما سيضطره إلى بناء تحالفات مع أحزاب أقرب إليه حتى في علاقاته الخارجية على غرار حزبي “بني وطني” و”البديل” رغم أن خيار اصطفافه للزبيدي في الرئاسية سيربك تلك الحسابات التحالفية…
  2. حزب البديل التونسي: وهو حزب رئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة وبعض من كان عضوا في الحكومة معه أو في ديوان رئاسة الحكومة سنة 2014، وقد بني الحزب على علاقات “جمعة” الدولية في فرنسا والغرب عموما، وهو حزب نخبوي رغم قدراته المالية واللوجستية الرهيبة والتي وضحتها دورات التكوين التي يستقطب لها بعض شباب في المدن والجهات وفي أحياء العاصمة، وهو حزب وظيفي بامتياز باعتبار انه يعكس مصالح بعض القوى الدولية والإقليمية وبعض لوبيات رجال الأعمال ويعتبر جمعة من بين خمس مرشحين لهم أمل الوصول للدور الثاني في الرئاسيات …

4- أحزاب يمين الوسط الناشطة وصغيرة الحجم سياسيا: من بين حوالي 220 حزبا مقننا في تونس حاليا يوجد العديد من الأحزاب والتنظيمات ذات التوجه الليبرالي والتي يمكن تصنيفها كأحزاب منتمية ليمين الوسط، وهي أحزاب لم تستطع أن تكتسب حضورا شعبيا وبقيت مقولاتها نخبوية كما تم تهميشها إعلاميا كما لم تتمكن كأحزاب من القيام بأنشطة تجلب لها أنظار الرأي العام السياسي، وهي أحزاب بقيت تبحث عن إطار تحالفي في وضع سياسي ساده الاستقطاب بين وحركة النهضة وخصومها السياسيين والأيديولوجيين، ومن بين أحزاب يمين الوسط غير سالفة الذكر أعلاه نجد بعض أحزاب مازالت ناشطة في حد أدنى:

 أ- حركة البناء المغاربي: وهو حزب صغير تم تأسيسه سنة 2012 توجهه مغاربي يقوده حاليا الناشط والحقوقي “نورالدين الختروشي” وللحزب رؤية سياسية لتونس ومحيطها المغاربي ورغم عدم الحصول على أي مقعد نيابي فان قراءاته لتطور الأحداث تجعل مستقبله السياسي واعدا إذا ما أحسن خيارات التحالف في الساحة والمشهد السياسي الجديد المترتب عن المتغيرات المحلية والإقليمية في قادم الأسابيع وقد أعلن عمليا مساندته لمورو في الرئاسيات…

ب- حزب البناء الوطني: ويقوده رياض الشعيبي، وهو حزب صغير و لم يحصل الحزب على أي مقعد نيابي في انتخابات 2014 ولكنه استطاع إستقطاب مجموعة شبابية وخاض أكثر من مرة نقاشات تجارب تحالفية مع مكونات سياسية عدة دون أن تفضي إلى أي نتائج، وقد اختار حل نفسه خلال الفترة الماضية بغض النظر عن خيارات قياداته وأعضائه المستقبلية وحتى لو تم التراجع عن الخطوة فمن المنتظر أن يبقى حزبا نخبويا في صورة عدم إبرامه لتحالفات سياسية …

ت- الحزب الليبرالي المغاربيوهو حزب قاده “البصيري بوعبدلي” صاحب مؤسسة بوعبدلي للتعليم الخاص، و وهو حزب بقي نخبويا ولم يدخل في أي تحالفات تذكر مع أنب عض قياداته التحقت بحزب “تحيا تونس”…

ث- أحزاب تقلص حضورها أو اختفت تماما: عديدة هي الأحزاب المعروفة بأنها تنتسب اليمين الوسط التي تقلص حضورها سياسيا وإعلاميا نتاج انصهارها في أحزاب أخرى على غرار:

** حزب الاتحاد الوطني الحر ( المعروف بحزب الشركة) نتاج انصهاره في حركة نداء تونس ثم التراجع عن تلك الخطوة وبناء حزب الوطن الجديد بقيادة محامي الرياحي المدعة مكرم بالصادق وقد قدم قائمات عيدة في التسريعية كم تم ترشيح الرياحي من المنفى الباريسي للرئاسية

** حزب الآمان (بقيادة لزهر بالي) المنصهر في حزب “الحركة الديمقراطية”(نجيب الشابي) أو حزب الإصلاح والتنمية الذي تم حله والتحقت بعض قياداته بأحزاب أخرى…

** حزب المجد (بقيادة عبدالوهاب الهاني) الذي تبخرت أنشطته ووجوده السياسي والتنظيمي وتم تجميده اثر انتقال الهاني لسويسرا ضمن أنشطته الحقوقية … 

++ أي مستقبل لأحزاب يمين الوسط في أفق الاستحقاقات الانتخابية؟

  • ستبقى أحزاب “البديل التونسي” و”آفاق” و”بني وطني” أرقاما في الحياة السياسية التونسية في أفق الاستحقاقات الانتخابات ولكن يبقى مستقبلها مرتبطا بالقدرة على التحول إلى أحزاب مستقلة عن المؤثرات المالية لشركات ومشاريع مؤسسيها وداعميها الماليين والإقليميين وشركائهم في الداخل والخارج، ومدى قدرة مرشحيها لرئاسية ( أو من داخل تلك الأحزاب أو من خارجها) للوصول للدور الثاني في الرئاسيات …
  • سيرتبط الوجود السياسي لحزب الشاهد أي “تحيا تونس” مفتوحا على كل الخيارات في انتظار التطورات المحلية والإقليمية والدولية وخاصة مآل الأحداث في الجارة ليبيا ولكنه مرتبط أيضا بمعركة كسر العظام بين الحزب الوليد والحزب الأم نداء تونس، وهنا ستكون المؤثرات تكتيكية وإستراتيجية ذاتية وموضوعية ورؤية وخطوات بعض مؤسسيه تجاه الوقائع والأحداث وأولا وأخيرا برؤية الفاعلين الإقليميين والدوليين المتابعين للتطورات في تونس وقبل كل ذلك بنتائج الدورة الأولى للرئاسية وخاصة نتائج يسوف الشاهد في الدورة الأولى والتي ستؤثر على نتائج قائمات الحزب الضعيفة وهو تقييم الحزب أولا وأخيرا…
  • سيدفع محيط الزبيدي الرجل لتأسيس حزب مؤيد له، وستكون إحدى الجمعيات القريبة من وزير المالية الأسبق جلول عياد منطلقا في التأسيس ولكن ذلك سيرتبط بوصول الزبيدي للدور الثاني من عدمه….
  • سيرتبط مستقبل أحزاب “قلب تونس” و”الوطن الجديد” وأحزاب تختفي حاليا تحت قائمات مستقلة تحت نفس اللافتة في كل الدوائر، مرتبطا بنتائج مرشيحها للرئاسية على غرار المثالين المذكورين إضافة إلى نتائج مرشحيها في الرئاسية، على أن الحزب الأول سيكون له عددا من النواب حتى لو فشل القروي في الوصول لقصر قرطاج…

++++++++++

تــنــويــه: لم يقع التعرض لحزبي النهضة ونداء تونس بسبب تخصيص حلقات خاصة بهما (الأولى في هذه السلسلة بالنسبة للنداء والثانية لشقوقه والثامنة أي الحلقة المقبلة لحركة النهضة).

المصدر/ السياسي بتاريخ 28/08/2019

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق