تونسدراساتشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

مُكونات وروافد ومُلحقات “الديمقراطي التقدمي”: انتشار وتشتت واضمحلال وحظوظ منعدمة مستقبلا (3)

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي 

خيبت نتائج انتخابات 2014 بشُقيها الرئاسي والتشريعي آمال مكونات وروافد وملحقات ما كان يعرف بــ”الديمقراطي التقدمي” (أي السياسيين والتيارات والمجموعات التي استطاع السياسي الأستاذ “أحمد نجيب الشابي” أن يجمعها في حزب سياسي بذلك الاسم سنة 2001 أي كحزب معارض وجامع للنخب يومها على اختلاف مشاربها وتاريخها السياسي وهو حزب كان بديلا موضوعيا عن تنظيمه اليساري السابق “التجمع الاشتراكي التقدمي” الذي أسسه سنة 1983 كتجسيد لخط سياسي وتنظيمي لما كان يعرف بخط “المراجعون” ضمن سياقات تطور وانقسام منظمة العامل التونسي والتي ورثت في بداية السبعينات “برسبكتيف” كتيار ماركسي لينيني تونسي من سياقات ما عرف في سنيات القرن الماضي باليسار الجديد)، فتكرس بناء على تلك النتائج الانقسام وتوسعت عملية انتشار فاعليه الرئيسيين السابقين بين أحزاب عدة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين وتأسست تنظيمات وأحزاب من رحمه وعلى يساره وعلى يمينه ولم يفلح لا الحزب الجمهوري ولا أي من مُلحقاته في تصدر المشهد السياسي وهو ما حدا بزعيمه التاريخي الأستاذ أحمد نجيب الشابي بعد اعتزال أولي وظرفي للسياسية لتأسيس حزب في وقت لاحق تحت مسمى “الحركة الديمقراطية” بروافد هجينة أغلبها يمينية على غرار حزب “الآمان” بقيادة رجل الأعمال “لزهر بالي”، ومن الواضح أن تعدد الملحقات والروافد السابقة لم تفلح في كسب أي رهانات نتاج التشتت والاضمحلال مما يعني أن نتائج كل تلك المكونات قد يكون جد متواضع في الاستحقاقات القادمة بشقيها الرئاسي والتشريعي وخاصة أنها بقيت قريبة من رجل أعمال معروف بتحكمه وإدارته للسياسيين الدائرين في فلكه، ولكن كيف تطورت التحالفات بين تلك الأحزاب والشقوق والمسميات أو بالأحرى الملحقات، وماذا بقي منها اليوم وما هي آفاقها المستقبلية وحظوظها في تشريعيات 06 أكتوبر القادم ورئاسيات 15 سبتمبر؟

**  الحزب الجمهوري: لبرلة بعقليات يسارية والنهاية الموضوعية    

  • بُنيت فكرة “الحزب الجمهوري” على تحالف عددا من الأحزاب والتنظيمات والوجوه السياسية التي ظهر بعضها بعد ثورة الكرامة والحرية، والحزب “الجمهوري” كتحالف هو التقاء سنة 2011 بعض من تبقي من تيار رئيسي للحزب “الديمقراطي التقدمي” وحزب “آفاق تونس” (المؤسس سياسيا سنة 2011 انطلاقا من أعضاء جمعية خريجي المدارس الفرنسية العليا التونسيين)، وحزب ليبرالي صغير بقيادة نجل الوزير الأسبق للفلاحة في الحقبة البورقيبية “حسان بلخوجة”، وبعض أحزاب أخرى على غرار “الكرامة والعمل”(بقيادة عبد الواحد اليحياوي)…
  • تسمية “الحزب الجمهوري” هي عمليا تسمية حزب سياسي أسسه “بلخوجة الابن” ضمن سياقات تأسيس الأحزاب بعد الثورة وفقا للمرسوم عدد 87 لسنة 2011 الخاص بالأحزاب السياسية والذي عوض مرسوم نظام الرئيس المخلوع سيئ الذكر….
  • تأسيس الحزب في 09 أفريل 2012 جاء بناء على تقييم سياسي لنتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011  والتي خيبت ظن الأستاذ الشابي واعتبرت هزيمة كبيرة ومدوية له وهو الذي كان يحلم بالرئاسة وسيطرة حزبه “التقدمي” على الحياة السياسية، خاصة وأنه أعد نفسه ذهنيا ونفسيا أن يكون حاكم البلاد الجديد بعد “بن علي” ولكن حصوله على مقاعد قليلة فقط خيب آماله حيث عمد إلى تغيير إستراتيجيته السياسية بل ومواقفه وعلاقاته رؤيته للمشهد السياسي في تونس وحتى للفاعلين فيه إضافة لتغير رؤيته للمشهد الإقليمي ولم يعد راكبا لموجة القومية العربية وتحول إلى ليبرالي تارة والى يساري اجتماعي طورا ثانيا،
  • القراءة الأصح بالنسبة لتطورات مواقف وتحالفات وخيارات واصطفاف نجيب الشابي وطنيا وإقليما ودوليا، هي أن هناك تآلف وتماه تاريخي منذ بداية التسعينات بينه وبين رجل الأعمال كمال لطيف منذ كان مكتب هذا الأخير في نهج بيروت بالعاصمة…
  • لم يدم بناء التآلف السياسي الجديد تحت لافتة الحزب “الجمهوري”، فسرعان ما عاد حزب “آفاق تونس” إلى مربعه الأول بقيادة ياسين إبراهيم، وغادرت مجموعة بلخوجة وعادت إلى مربعاتها ما قبل الثورة، بينما غادر خلال مؤتمر حزبي لاحق تيار واسعة من أعضاء الحزب بقيادة “محمد الحامدي” مُربعات الحزب ليؤسس لاحقا ما يعرف بــ”التحالف  الديمقراطي”…
  • واصل الأستاذ الشابي ارتهاناته وأخطائه السياسية القاتلة في الحزب وفي الكتلة الديمقراطية وجعل الحزب ممرا آمنا لولوج حزب نداء تونس للمشهد السياسي وتم استعمال الاتحاد من أجل تونس (المسار – الاشتراكي – الجمهوري – النداء – العود) وعوض ان ستقفيد الجمهوري من التحالف ومواقفه ومعارك السياسي حدث العكس تراجع الجمهوري وكسب النداء، معلوم أن إطارات الحزب غادر اغلبها في اتجاه النداء في ما عرف ببيان المائة شخصية ومن بينهم “ناجي جلول” و”سعيد العايدي” و”يوسف الشاهد” و”سليم العزابي” (وهذين الأخيرين كان مُؤسسين لحزب يدعي “طريق الوسط”)…
  •  وضع نداء تونس حلفاءه في تحالف “الاتحاد من أجل تونس” ومن بينهم الحزب الجمهوري، في مأزق لا يحسدون عليه بعد اختياره الترشح بقائماته الخاصة  لتكون الحصيلة هزيلة جدا ومتمثلة في نائب وحيد وهو “إياد الدهماني” والذي غادر مربعات الحزب واصطف في حكومة النداء/النهضة سواء خلال حكومتي الصيد أو في حكومات الشاهد الثلاث بل ويكون أحد مؤسسي “تحيا تونس”….
  • الترتبات كانت كبيرة على الحزب بعد خطوة انسحاب الشابي المؤسس ليسلم الحزب للشابي الشقيق (عصام الشابي)، أي أحد أهم قيادات التيار الطلابي “النقابيون الثوريون” (ترأسه في بداية الثمانيات)، ليشهد الحزب تواريا سياسيا وخاصة بعد انسحاب مية الجريبي بسبب مرضها ثم رحيلها في وقت لاحق، وترنح الحزب سياسيا وشهد اضطرابا في مواقفه ومواقعه من حيث مغادرته للحكومة الائتلافية ثم انسحابه من وثيقة قرطاج وصولا لاصطفافه صمن المعارضة وتراجع شعبيته وفعله السياسي ليجد نفسه يحصد الخيبة في بلديات ماي 2018 وليضطر في الوقت الراهن لدخول ائتلاف سياسي مع مكونات صغيرة وضعيفة سياسيا على غرار حزب السمار وحركة تونس إلى الأمام ومبادرة قادرون وبعض شخصيات سياسية مستقلة…
  • سينحصر الحجم السياسي للحزب الجمهوري بحجم الائتلاف الذي دخل فيه، ومن المنتظر أن تكون أفق نتائجه في حد أقصى تكوين كتلة نيابية أي أن عدد نواب ذلك التحالف لن يتجاوز عدد أصابع يدين اثنين (أنظر الحلقة القادمة حول واقع ومستقبل وآفاق تحالف الديمقراطي الاجتماعي) …

 ** أين هم قياديو الديمقراطي التقدمي وروافده سابقا وما هي آفقهم السياسية

 أ‌- طريقة إدارة الأستاذ الشابي للحزب منذ مؤتمر 2006 جعلت البعض يغادره ليؤسس أحزابا خراجه وخاصة بعد الثورة على غرار بعض الأمثلة التالية:

  • فقد أسس الأستاذ عمر الماجري سنة 2011 حزب الجبهة الشعبية الوحدوية وخاص بها غمار انتخابات 2011 ثم في انتخابات  2014 بعد أن غادر حزبه تحالف الجبهة  الشعبية مع خمس مكونات واصفا إياها بأنها خندق خلفي لليمين الليبرالي…
  • أسس “محمد القوماني” وعدد من قيادات التقدمي ما عرف بحزب الإصلاح والتنمية والذي تم حله سنة 2015 والتحق القوماني وعدد منهم بحزب حركة النهضة بل أنه سيخوض غمار الانتخابات رئيس لقائمتها بدائرة باجة …
  • أسس بعض قياديين الذين غادروا الحزب حزب التحالف الديمقراطي ولكنه تفكك وانصهر من بقي فيه ضمن حزب التيار الديمقراطي حيث يترأس “محمد الحامدي” قائمة الحزب في دائرة مدنين….
  • أسس عطية العثموني والذي كان ممثلا للحزب في سيدي بوزيد حزبا صغيرا تحت مسمى حزب الإرادة ولكن هذا الحزب بقي اسما بدون مسمى…
  • التحق بعض قياديي الحزب بالجبهة الشعبية على غرار “عبد المجيد مسلمي” و”عبدالجبار الرقيق” و”ماهر حنين”  وآخرين….
  • غادرت بعض أحزاب انصهرت سابقا في “الحزب الجمهوري”، وبحثت عن بدائل أخرى على غرار “الكرامة والعمل” الذي التحقت عناصره وقياداته بحزب تونس الإرادة بقيادة الدكتور المنصف المرزوقي…

ب‌- الخلاصة أن كل تلك الأحزاب والفاعلين غادروا الحزب في مراحل متفاوتة بسبب سياسات الشابي وتقلب مواقفه، ولكن أيضا بسبب عقليتهم كنخب سياسية من داخل الحزب ومن خارجه، والسؤال: ماذا لو بقي كل من دخل الحزب وحافظ على كل فعالياته المؤكد أن سيكون رقما صعبا منذ 2014 وخاصة في الانتخابات القادمة وماذا لم يسقط الحزب في خدمة نداء تونس بذلك الشكل المجاني سياسيا؟

ت‌- الثابت أن “الشابي” نفسه وبعض المقربين منه لهم تقييم لمسيرته وماسبها من أخطاء سياسية قاتلة وخاصة سرعة التقلب وهم يعرفون مثلا ومثالا دالا حيث أنه غادر الجزائر في بداية السبعينات مرسلا من طرف القوميين العرب التونسيين في اتجاه باريس ليتحاور مع قيادة “برسبكتيف” الماركسية ليجلب أحد قياداتها للتفاوض حول بناء ائتلاف موسع يعمل على إسقاط النظام البورقيبي، ولما عاد وحيدا وسئل عن سبب نسيانه للمهمة، قال “لقاد أصبحت “برسبكتيفيا” وجئتكم محاورا باسمهم”، والحادثة جد معبرة وتسلط الضوء عن جزء من شخصية الشابي السياسية وطبيعة تغير مواقفه وفقا للمرحلة وبناء على قراءاته الذاتية للأحداث، كما هي تفسر عدم قدرته على الاستفادة من مواقفه واصطفافاته ….

ث‌-  عمليا ستكون حظوظ “أحمد نجيب الشابي” أو أي من قيادات حزبيه “الجمهوري” “والحركة الديمقراطية” أو من داخل تحالفه الراهن، ضعيفة ومحدودة في الانتخابات الرئاسية ويتطلب مروره أو مرورها للدور الثاني معجزة سياسية بكل مع تعنيه من مفاهيم ومعايير….

المصدر /السياسي بتاريخ 01 اوت 2019 

لقراءة المقال من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق