تونسسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

الأحزاب والتنظيمات القومية العربية: تشتت وتغييب الاهتمامات الرئيسية والقضايا الإستراتيجية (9)

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

قدم القوميون في تونس تضحيات جسام من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية طوال عقدي الستينات والسبعينات، فإنهم وإن شكلوا تنظيمات سياسية متعددة، فإنهم لم يستطيعوا أن يتوحّدوا تحت نفس اللافتة السياسية، أو يكونوا كتلة برلمانية في المجلس التأسيسي أو في البرلمان الحالي، أو يكونوا ائتلافا سياسيا قويا يستطيع أن يفرض نفسه في الساحة السياسية…

فما هي أسباب عدم قدرة التيار القومي على التوحد بين فصائله المتعددة على الحد الأدنى الذي يخول له التموقع والتمايز ولماذا لم يقيم نتائجه سنة 2014 ثم هل تخلى القوميون عن قضاياهم الحقيقية التي تفرضها المرحلة الراهنة وطنيا وإقليميا ودوليا، ووقعوا سجناء للمعارك والتموقعات الهامشية؟

+ راهن وواقع التيار القومي في تونس اليوم؟

أثبتت مرحلة ما بعد انتخابات 2014 أن القوى القومية العربية في تونس بمختلف توجهاتها ما زالت مُرتبكة في قراءة المشهد السياسي المحلي والإقليمي، كما أنها بقيت حبيسة قراءات تشخيصية والتجاذب حولها، فقد خاضت نقاشات عديدة من أجل التوحد وبناء قطب وائتلاف سياسي، بل خاضت مجتمعة أو كل منها (الفصائل الناصرية – البعثية – الفصائل القريبة من التيار القومي الديمقراطي)، مُشاورات من أجل بناء حزب سياسي، ولكن دون نتيجة…

والثابت أن القوميين يضعون أنفسهم باستمرار في وضع تجاذب بين الإسلاميين واليساريين، فلا هم شكلوا قطبا مُستقلّا عن الطرفين، ولا تحالفوا بشكل نهائي مع هذا أو ذاك، ويجمع أغلب المحللين على أن التحدي المطروح على القوميين هو ضرورة التوحيد والتمايز البناء بين مختلف المكونات والتموقع بين اليسار والإسلاميين بحيث لا يقع توظيفهم من هذا الطرف أو ذاك، أو على الأقل قيادة الجبهة الديمقراطية الاجتماعية…

أ- الفصائل القومية المنتمية للجبهة الشعبية:

  • حركة البعث:وهي تنظيم بعثي موال للشق العراقي، تأسس في الثمانيات، وهو تواصل لتنظيم الطليعة العربية الذي أسسه المرحوم الصادق الهيشري، وهناك خلافات حول تسيير الحركة وحول منصب الأمين العام…
  • حزب الطليعة: وهو تنظيم صغير يقُوده حاليا الأستاذ أحمد صديق، وهو حزب تأسس بعد الثورة، ومن أهم قياداته المناضل البعثي خير الدين الصوابني….
  • التيار الشعبي: وهو حزب صغير، وتماثل مع التيار الشعبي في مصر، وهو تنظيم مُنشق عن حركة الشعب قبل شهر من اغتيال الشهيد الحاج محمد البراهمي (بيان 30 جوان 2013)، على خلفية العلاقة بالجبهة الشعبية والموقف من نداء تونس وتشكيل جبهة الإنقاذ سنة 2013، ويقوده حاليا زهير حمدي…

ب-الفصائل المغادرة للجبهة الشعبية:

  • حركة الشعب:حزب سياسي ناصري، وهو عمليا تواصل لتنظيم الطلبة العرب التقدميين الوحدويين (المؤسس في منتصف سبعينات القرن الماضي)، يقودها زهير المغزاوي، وحركة الشعب هي أهم فصائل الجبهة الديمقراطية الاجتماعية، وهي حركة سياسية موجودة في كل ولايات الجمهورية، ولها وجود في أغلب المنظمات الوطنية…
  • حزب الغد:وهو حزب منشق عن حركة الشعب بناء على خلافات تنظيمية، ويقوده عمر الشاهد، وهو أكثر الأحزاب القومية في تونس المدافعة عن النظام السوري، ويتهم بأنه أصبح أيضا مقربا من إيران…
  • الجبهة الشعبية الوحدوية:وهو حزب متجذر فكريا وسياسيا، ويعبر عن رؤى التيار القومي الديمقراطي في تونس، يقوده الأستاذ عمر الماجري، والتنظيم تواصل لتجربة ما عُرف بالتنظيم السري في الثمانينات، وقد غادر الجبهة الشعبية في صائفة 2013 بعد أن اعتبر أنها تحولت إلى حديقة خلفية لليمين الليبرالي…

ج-فصائل وتنظمات قومية أخرى

  • حركة النضال الوطني:وهي حزب سياسي، من أهم قياداته الأستاذ أحمد الكحلاوي، وهي عمليا تواصل لتنظيم الشعلة في شقه الرئيسي، وهي تناصر النظامين السوري والإيراني، وهي تقرأ التطورات بناء على مقولة الفرز بين القوى الوطنية والقوى غير الوطنية…
  • حركة المرابطون:وهي تنظيم ناصري صغير، يقوده الأستاذ البشير الصيد، ويركز على قراءة تطورات الملف الليبي وإرث العقيد الليبي السابق، ويرى أن الرئيس المصري يمثل امتداد للناصرية…
  • حزب ثوابت:وهو تنظيم مُوال فكريا وسياسيا للنظام السوري، وهو حزب وريث لحزب عروبة وتنمية المؤسس بعد الثورة، ويقود الحزب الدكتور شكري الهرماسي…
  • حركة الوحدويون الأحرار:وهو تنظيم قومي يقوده عبد الكريم الغابري بعد وفاة مؤسسه البجاوي…

 ++ صراع على شرعية وتمثيلية الفكر القومي 

كل الفصائل والأحزاب القومية تدعي عمليا تمثيلها للفكر القومي العربي الناصري أو البعثي أو أدبيات حركة القوميين العرب، فحركة الشعب مثلا ترى أنها الممثل الشرعي الوحيد للقوميين الناصريين على اعتبار أن وجوها قومية وطنية عديدة عادت إلى الحركة أو إلى الاقتراب منها (أغلبهم قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي)، في حين يرى حزب التيار الشعبي عكس ذلك تماما، وعمليا خاضت حركة الشعب الانتخابات التشريعية الأخيرة بقوائمها، وخاض التيار الشعبي الانتخابات ضمن قوائم الجبهة الشعبية في أغلب الدوائر، ورفضت حركة المرابطون خوض الانتخابات التشريعية رغم أن البشير الصيد يعتبر نفسه ممثلا شرعيا للناصريين في تونس…، وفي سياق متصل تعتبر حركة البعث أنها التنظيم البعثي الوحيد في تونس (رد عثمان بلحاج عمر على مقال خبري على إحدى اليوميات)…

هذا الصراع والتشتت والتشظي وعدم الالتقاء على الحد الأدنى، يبين أن المرحلة القادمة أيضا لن تُغير من واقعه كثيرا، بل إن القوميين العرب التونسيين لم يستفيدوا من الرهان الانتخابي الأخير في أكتوبر 2014؛ فقد غابت التقييمات وبقي التمسك بالمقولات بشكل حرفي ونصي، إضافة إلى التمسك بالتنظيمات التاريخية رغم انقسامها على نفسها إلى تنظيمات فرعية …

++ هل تخلى القوميون عن قضاياهم الحقيقة؟

في خضم المعارك السياسية وعدم القدرة على التوحد رغم المبادرات والمحاولات المتعددة منذ مبادرة المرحوم الميداني بن صالح بداية الثمانينات، بقي التيار القومي يدافع عن عدد من القضايا أهمها:

  • الوحدة العربية:يبدو أن التيار القومي في تونس أصبح يضع هذا المطلب ضمن البيانات والأدبيات لا غير، فقد غاب ضمن الخطاب السياسي للتنظيمات القومية منذ بداية الثورة، بل إن البعض منذ تسعينات القرن الماضي يلمح للوحدة الكنفدرالية، وإضافة لذلك أصبح الانتقاد موجها للتيار القومي من طرف المتابعين ومن طرف المنتقدين بأنه تيار عاجز عن وحدة أحزابه وتنظيماته في تونس، فكيف له أن يعمل على وحدة الأمة العربية؟
  • اللغة العربية:في أكثر من مناسبة وأكثر من محطة لم ترتب التنظيمات والأحزاب القومية أولوياتها للدفاع عن اللغة العربية؛ نتاج أولوية السياسي على الفكري والحضاري، إذ مرت مناسبات تهم اللغة العربية مرور الكرام، كما انتقدت الأحزاب القومية النظام التركي في أكثر من موقف سياسي، وهذا أمر طبيعي، ولكنها لازمت الصمت تجاه خطوات ذلك النظام تجاه اللغة العربية في أكثر من مناسبة، لعل أهمها إعادة اللغة العربية إلى المدارس التركية…
  • قضايا الهوية:حاولت العديد من قوى التبعية والردة المس من هوية الشعب التونسي في أكثر من مناسبة عندما تعلق الأمر بالمسألة الدينية أو اللغة أو البعد القيمي والأخلاقي للشعب، ويمكن القول إن مواقف الأطراف القومية مثلها مثل العديد من الأحزاب التونسية كانت باهتة واعتبرت أن تلك القضايا ليس من أولوياتها أو أن التعامل معها كان مجرد بيانات صامتة أكثر منها دق ناقوس الخطر لقضايا تتعلق بالشعب التونسي ومستقبله وموقعه الحضاري…
  • إرث الحركة اليوسفية:وإن ركزت حركة الشعب على هذه القضية في مرحلة ما بعد الثورة مباشرة، فإن أهميتها لم تجعل التيار القومي يجعلها قضية مركزية، بل تمرّ كل سنة ذكرى اغتيال المرحوم صالح بن يوسف مرور الكرام، إضافة إلى أن قضايا تعذيب اليوسفيين وملف مركز التعذيب المعروف بصباط الظلام وغيره من الملفات، وأطوار قضية قفصة وما أحيط بها من ملابسات بقيت غير مُحينة، ولم تقدم ندوات سياسية عنها في حد أدنى، ولم يرد الاعتبار للعديد من المناضلين القوميين، على غرار عمارة بن ضو بن نايل الذي غيب في الشاشات والبرامج والصحف بعد الثورة، وهو ما ينسحب أيضا على البطل عز الدين الشريف وأحمد المرغني، وغيرهم كثير …
  • تهميش المفكرين القوميين والشخصيات القومية:غاب الاهتمام بشخصيات مناضلة، على غرار المرحوم الصادق الهيشري والمرحوم فوزي السنوسي وعمر السحيمي وآخرين، وجميعهم توفي في ظروف غامضة، إضافة إلى شهداء البعث في الثمانينات، على غرار البرايكي وغيره، كما أن المفكر محمد المسعود الشابي لم تطبع كتاباته رغم أهميتها النظرية، خاصة أنها تعتني بالاستراتيجي وبالمغرب العربي، ورغم ترجماته للكتابات التروتسكية، بل مرت ذكرى وفاته في أكثر من مرة دون الاحتفال ولو البسيط بها…
  • مركزية القضية الفلسطينية:وإن بقيت القضية الفلسطينية مركزية في خطاب التنظيمات والأحزاب القومية، فإنها تراجعت كميا ونوعيا في اهتمامات الأحزاب القومية بعد الثورة، وسيطر الوطني والسياسي منه تحديدا على خطابها، وغابت الاحتفالات بالمناسبات الفلسطينية، كما تراجع الاهتمام اليوم بأخبار فلسطين، بل حضر منطق الكيل بمكيالين تجاه تعامل الأنظمة العربية مع القضية وتطوراتها …
  • قضايا أخرى عديدة:لم تستطع التيارات والتنظيمات القومية أن ترتب أولوياتها تجاه قضايا أخرى تهمّ العرب والأمة العربية وتهمّ شعب تونس العربي، بل إن تلك التنظيمات والأحزاب لم تستطع أن ترسم صورة لدى المواطن تبين أنها تهتم به وبقضاياه؛ نتاج أنها بقيت تنظيمات وأحزابا نخبوية، وسقطت في استحضار تجاذبات سياسية من عقد الثمانيات في الجامعة التونسية …

++ مستقبل التيار القومي في أفق الاستحقاقات الانتخابية

من خلال القائمات المقدمة للتشريعية وطبيعة مساندة التنظيمات والأحزاب القومية واصطفافها وراء بعض مرشحي الرئاسية يمكن التأكيد أن القوميين سيبقون في حالة تستت وغير موحدين وهو أصحاب الفكرة الوحدوية، ومن المنتظر حصول حركة الشعب على بعض مقاعد وخاصة في مدني وقبلي والشمال الغربي بينما سيتواصل غياب قوي للبعثيين في البلمان نتاج أخطائهم الإستراتيجية من حيث الخطاب ومن الاصطفاف، كما أن مرشحي التيار القومي في الرئاسية (منجي الرحوي – حمة الهمامي- الصافي سعيد) لن يكون بإمكانهم بلوغ الدور الثاني ولا حتى التموقع في الست المراتب الأولى.

المصدر/ اتلسياسي بتاريخ 07/09/2019

لقراءة المقال من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق