تقاريرثقافةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

الحصاد الثقافي في ليبيا خلال ثورة 17 فبراير

أسامة عكنان

في سياق الدراسة الفنية والثقافية المقارنة، لا يمكن فهم المشهد الفني والثقافي الليبي خلال أحداث ثورة 17 فبراير دون فهم جذور هذا المشهد في الحِقَب الثلاث التي تعاقبت على ليبيا قبل الثورة، وهي حقبة الاستعمار الإيطالي، وحقبة المَلَكِيَّة، ثم حقبة حكم “معمر القذافي”.

وفي هذا السياق، ولأن هذه الدراسة تتعلق بالمشهد الفني والثقافي خلال الثورة الراهنة، فإننا نكتفي في تقديمنا له بالإشارة إلى أن فترة الاستعمار الإيطالي إذا كانت فترة نستطيع فهم ظاهرة القحط والمسخ الثقافي والفني فيها، باتجاه خلق مبررات القطيعة بين الشعب الليبي وماضيه، وباتجاه ربطه بإيطاليا من كل الجوانب، وإذا كنا نستطيع أيضا فهم المبررات التي تقف وراء البدء بالتأسيس لنهضة ثقافية وفنية بدا أنها ستكون واعدة في الحقبة المَلَكِيَّة، فإننا لا نستطيع أن نتفهم حالة القحط والجدب الثقافي والفني التي شهدتها ليبيا في عهد “معمر القذافي”، إلا بتوجيه أصابع الاتهام إلى نظامه الذي وضع نصبَ عينيه شكلا لليبيا وللشعب الليبي يتماهيان مع تأليه الحاكم القائد الملهم، ليُصار بعد ذلك إلى صبِّ المشهد الثقافي والفني برمته في قوالب تخدم هذا التوجه التأليهي، فكان ما كان من انحدار غير عادي في الحياة الثقافية والفنية في ليبيا على مدى حقبة حكم “معمر القذافي”.

وهو الأمر الذي سيلقي بظلاله على الولادة الصعبة والمتعسرة التي يشهدها الفن والتي تشهدها الثقافة في ليبيا منذ سقوط النظام المستبد في ليبيا. وهو ما سنحاول تتبع مظاهره في تعقُّبِنا لأهم محطاته في كل من “الفن التشكيلي”، و”السينما”، و”المسرح”، وأخيرا “الأدب” رواية وقصة وشعرا.

أولا: “الجداريات” والنحات “علي الوكواك” من أهم مظاهر “الفن التشكيلي” التي وثَّقَت تفاصيل ثورة فبراير في ليبيا

الفن التشكيلي بشقيه “الرسم” و”النحت” وجد في ثورة 17 فبراير بيئة خصبة ليعبِّرَ عن نفسه. فحيثما تتجول في ليبيا تطالعك جدرانٌ طليت بألوان زاهية ولوحات مُعبرة عن الثورة والحرب التي خاضها الليبيون ضد نظام القذافي. وعند التدقيق في اللوحات المنتشرة في عموم ليبيا نجد أنها استمدت وحيها من تضحيات “السابقين لتندمج مع تضحيات اللاحقين”. فقد فأخذت من شيخ المناضلين عمر المختار ومن الملك إدريس السنوسي، رموزا.

من جهة أخرى وفي في أعقاب ثورة 17 فبراير/شباط 2011 كان النحات الليبي الراحل “علي الوكواك” الذي توفي في مطلع عام 2019، قد أقام معرضا دائما للنحت في “قصر المنار” بمدينة بنغازي شرقي ليبيا، وعرض فيه نماذج من النحت على المعادن تعبر عن أحداث الثورة والتراث الليبي وتحكي قصصا إنسانية من البلاد.

فقد استطاع “الوكواك” تطويع بقايا الذخيرة والقنابل والصواريخ، التي سعى لتجميعها منذ اندلاع القتال في بلاده، وتمكّن من تحويلها إلى منحوتات وأعمال فنية تدعم الانتفاضة ضد العقيد معمر القذافي. ونالت أعماله التي جسدت الجندي المجهول وتماثيل للحرية وحروف الأمازيغ، إعجاب جمهور معرض “جرائم الطاغية” في مدينة بنغازي الذي عقد في منتصف عام 2011(1).

وعن تجربته المميزة هذه أشار الوكواك إلى أن القذافي جاء بذخيرة كبيرة لتدمير بنغازي في مارس/آذار من عام 2011، وعلى هذا الأساس فكر هو في تحويلها إلى أشكال جمالية، وأمضى شهرين في نحت التماثيل، واستخدم فيها حوالي عشرة آلاف ظرف فارغ. وفي تلك الأجواء سافر إلى جبهة البريقة “غربي بنغازي” مرات عدة لجمع الذخيرة والصواريخ التي دخلت في القتال، معتبرا أن ما قام به يعد جهدا بسيطا لخدمة الثورة، وأن صحفيين ألمانا وإيطاليين وإنجليزا اطلعوا على منحوتاته(2).

في ردها على سؤال: “لماذا وجد الليبيون في الجداريات أداة للتعبير عما يريدونه”؟ قالت “عفاف الزبير”، عضو هيئة التدريس بكلية الإعلام بجامعة بنغازي: “هذا الفن يظهر بالتزامن مع الأحداث التاريخية الكبرى كالمعارك والانتصارات والثورات والمهرجانات والاحتفالات الوطنية ليوثقها. وأوضح دليل على ذلك هو مواكبة هذا الفن للثورات العربية بوجوده على جدران الشوارع والمباني المحيطة بميادين التحرير بأيدي هواة للفن يعكس صوت ورؤية الشعوب”(3).

وعن هذه التجربة قالت الفنانة التشكيلية “مريم علي العباني”: “بعض من رسموا على الجدران ليسوا بفنانين. وحتى لو كانت الرسومات ليست جيدة فنيا، لكنها رائعة لأنها تعبيرٌ صادق عن الأحداث، إن الكتابات والرسومات التي وثِّقَت على الجدران كما هي الحال في “باب العزيزية” كونت لوحات رائعة وسيمفونية لونية لا مثيل لها”(4).

وإلى هذا الاتجاه ذهب أيضا الفنان التشكيلي “جمعة الفزاني” الذي قال: “إن هذه التجربة رائعة وجميلة وتبدو هذه الأعمال وكأنها لمبدعين حرفيين وليس لهواة”. إن هؤلاء متحمسون لنشر أعمالهم على الجدران بهدف التعبير عن النفس وعن حرمانهم من حرية التعبير سنوات طويلة”(5).

ثانيا: كيف تعاطى الليبيون سينمائيا مع واقعهم منذ 17 فبراير 2011

بعد 42 عاما من حكم ديكتاتوري منغلق، كان من الطبيعي أن تهتم الأعمال السينمائية بالمسائل الحقوقية وبالنبش في جراح الماضي وآلامه وكوارثه، لكن يبدو أن المخرجين الشبان اختاروا تسليط الأضواء على قصص حياتية عادية، أو على مسائل ذات طابع ثقافي أو إنساني، مثل فيلم “صانع السندويتش” الذي اهتم بشخصية ليبية شهيرة ببيع أكلة نظيفة في طرابلس منذ عشرات السنين، وفيلم “الغرفة السرية”، الذي يحكي قصة غرفة شيدها سرا مواطن مثقف من أجل حماية القطع الأثرية الصغيرة في أهم متحف بطرابلس من النهب والسرقة أثناء الثورة، وقصة “العداَّء”، الليبي الذي لم يتردد في رفع علم الثورة في سباق فاز به في الخارج قبل سقوط القذافي، وفيلم “غرافيتي” الذي اهتم برسام شارك في الثورة بكتابة شعارات على الجدران ويواصل اليوم عمله برسوم وتعبيرات على الجدران “لممارسة حرية التعبير” التي افتكها الليبيون بكثير من الدماء والدموع(6).

ففي الأشهر التي تلت انهيار “الجماهيرية”، بدا أن “كل الأحلام أصبحت قابلة للتنفيذ” مثلما قال المخرج “خليفة علي أبو خريس”، وتحرَّرت الألسن من عقالها ونشطت الذاكرة المكتومة فأصبح من المُمكن إنجاز أشرطة عن ذكريات السجناء السابقين، وأخرى عن أوضاع المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين في السجون والمعتقلات كما في فيلم “طريق مسدود” لأحمد عبوب”، وعن الصعوبات الجمّة التي تُواجه السينمائيين الشبان كما في فيلم “مهمة مستحيلة” لـ “نجمي عون”، أو عن ممارسة بعض هوايات الشباب الممنوعة سابقا كما في فيلم “دريفتينغ” ل، “سامر عمر”(7).

ويعد الفيلم الليبي القصير “العشوائي” من الأفلام ذات الأهمية التي ظهرت خلال الثورة، فهو يعكس تأثيرات 17 فبراير 2011 على المجتمع الليبي ويرصد ظاهرة بروز الصراعات والتصنيفات الأيديولوجية المفتعلة عقب سقوط نظام القذافي.

تدور حكاية الفيلم حول “المعتصم”، الشاب الليبي الذي كان خارج البلاد في فترة الثورة، إلا أنه يقرر العودة للوطن بعد نهاية الصراع المسلح في صيف 2011، متفائلًا وطامحا بالمشاركة في إعادة بناء المجتمع والدولة بعد أعوام طويلة من القمع والكبت للحريات، فيجد نفسه ضحية لالتباسات كثيرة حول كيفية تصنيفه ضمن داء تفشى في المجتمع الليبي في فترة الثورة حتى وصلت للاقتتال الأهلي بين بعضهم البعض وبعد فترة من ممارسة العنف اللفظي والجسدي في الحياة اليومية، وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، والمواقع الالكترونية والفضائيات الجديدة(8).

من جهة أخرى أتاح عرض مجموعة من الأشرطة القصيرة الليبية الجديدة في الدورة 68 لمهرجان الفيلم بلوكارنو بسويسرا عام 2015، للمُخرجيْن الشابيْن “مُهند الأمين” و”نجمي عون” فرصة نادرة للتعريف بالمواهب الجديدة وبالصعوبات التي تُواجه انطلاقة جديدة للفن السابع في ليبيا. فقد تمَّ اكتشاف أن هناك سينما ليبية جديدة ونابضة ويافعة. صحيح أنها تخطو بحذر شديد خطواتها الأولى، لكن الشبان الذين يتجشمون الكثير من الصعوبات لتأمين انطلاقتها وحضورها قدموا الدليل على أن المواهب المستوعبة للتقنيات السينمائية الحديثة متوفرة، وأنها لا تحتاج إلا إلى عودة الاستقرار إلى البلد وإلى قدر أكبر من التفهم المجتمعي والدعم الحكومي لإنتاج المزيد وافتكاك مكان مُستحق تحت الشمس وعلى الشاشات الفضية عربيا وإفريقيا وعالميا(9).

في هذا السياق لفت المخرج الشاب “مهند الأمين” إلى أن الناس في ليبيا “لا يعتبرون أن العمل في المجال السينمائي يُمكن أن يكون مهنة حقيقية”، فليس هناك تاريخ في هذا المجال، والسينما لا تشكل جزءا من الثقافة العامة. لكنه يؤكد على أن “أهم مشكلة تظل هي المشكلة الأمنية”، حيث يحتاج المرء “إلى حجم كبير من العلاقات” لتأمين عملية التقاط المشاهد، وضمان عدم تعرض الفريق العامل لأي خطر خلال إنجازه للعمل السينمائي. بل إن المعضلة تتمثل في أن من يقبل بك اليوم يُمكن أن يُغيِّرَ رأيه في أي لحظة ويتحول إلى رافض لقيامك بالتصوير حيث أن “الكاميرا تحولت في ظل الانفلات الأمني بنظر كثيرين إلى “مرادف للتجسّس”، فالمشكلة “ثقافية بالأساس، ويُمكنها أن تتسم أحيانا بقدر كبير من الخطورة”، ذلك أن “من يملك السلاح اليوم في ليبيا “لا يُفرّق بالضرورة بين العمل الثقافي وممارسة التجسّس”(10).

أما عن الكيفية التي يفكر بها المُخرجون الليبيون الشبان لتجاوز هذه الصعوبات الأمنية والبيروقراطية والمالية والتنظيمية والثقافية، يقول “نجمي عون”: “نحاول أن نتجاوز الأوضاع الحالية في هذه الفترة غير المستقرة من خلال المشاركة في مهرجانات من هذا القبيل، ونحاول أن نستمر في إنتاج أفلام من تونس وغيرها حتى يكون ذلك حافزا للشباب العامل في هذا المجال بليبيا، ولإعلام الرأي العام في الداخل بوجود أفلام ومخرجين ليبيين”. في السياق نفسه، يُضيف مهند الأمين أن “من فوائد القدوم إلى مهرجانات دولية مثل لوكارنو توسيع مجال العلاقات والاطلاع على تجارب الآخرين في مجالات التوزيع والإنتاج وربط شبكة من العلاقات بما يُساعدنا على إنجاز أفلامنا ومعرفة أفضل القنوات لإيصالها إلى الجمهور الليبي في ظل عدم وجود قاعات عرض عامة ولامُبالاة الأغلبية الساحقة من القنوات التلفزيونية الليبية الخاصة ببث أعمالهم للمشاهدين(11).

ثالثا: المسرح الليبي خلال ثورة 17 فبراير

لم يكن للمسرح خلال أحداث ليبيا الدامية منذ فبراير 2011 وحتى الآن أيُّ تواجد فعال ينبئ عن تأثر بالحدث مثلما كان عليه حال الفن التشكيلي عبر النحت والجداريات، ومثلما كان عليه حال السينما بموجة الأفلام القصيرة التي راحت تُظْهِرُ جيلا طموحا وواعدا من المخرجين الشبان.

ولعل مسرحية “الباب” هي النموذج المسرحي الأبرز الذي يمكن الحديث عنه خلال هذه الفترة, ففي مدينة “هون” الواقعة وسط الصحراء الليبية المشتعلة بقنابل الحرب ورصاص المتقاتلين، حيث الانهيار الأمني الشامل، قدَّم عدد من المسرحيين الشباب عرضهم المسرحي “الباب”، الذي أعدَّ نصَّه “أيوب مازن”، وأخرجه “سعد حمودة”، حيث أعلنت فرقة “ميديا هون” عن تنظيمه بمناسبة “اليوم العالمي للمسرح” بالتعاون مع “فرقة هون للمسرح” بالرغم من الإمكانيات المتواضعة والظروف القاسية.

حمل النص المسرحي رؤية واضحة في رفض منطق الاحتكام للسلاح، وعَكَسَ من جانب آخر آلام المواطن ومعاناته بسبب استمرار الحرب والقتل في المنطقة. وقد واجه فريق العمل عقبات عديدة منذ أن شبَّ الحريق في مسرح المدينة عام 2017، إلا أنه تمكن من الاستمرار ومواصلة الاستعدادات.

يشار في هذا السياق إلى أن أعضاء الفرقة عملوا وما يزالون يعملون بجهود ذاتية صرفة بعيدا عن أي دعم حكومي، فـ “هم من رمَّم المسرح إثر تعرُّضِه لحريق من قبل مجهولين، وأصروا على تقديم مسرحية “البكاء في غياب القمر” للكاتب السوري وليد إخلاصي، ومن قبلها مسرحية “حصص” أحد أعمال الكاتب المصري توفيق الحكيم(12).

رابعا: الأدب في ليبيا ما بعد 17 فبراير

1 – الرواية والقصة

يبقى الأدب دائما بمثابة وثيقة يمكن الاستناد إليها في تحليل الأحداث السياسية والاجتماعية التي يمر بها أي بلد، خصوصا تلك التي شهدت ثورات شعبية، غير أنه يمكن النظر للأمر من زاوية أوسع، تتكون من عدة مراحل، فقبيل الثورات قد تكون هناك كتابات ملهمة للشعوب، وبعد قيام الثورات يتأثر الكتَّاب فيكتبون وهم في الغالب متأثرون بروح الثورة وحماستهم لها أو موقفهم منها، ورغم مرور عدة سنوات على ثورة فبراير في ليبيا، فإن الأمر قد يشوبه عدم الوضوح، بسبب تأزُّم الموقف وتأجُّج الصراع السياسي في بلد يموج بالتغيرات وعدم الاستقرار، ما دفع عددا كبيراً من أهل الفكر والرأي وأرباب الأدب للخروج من البلاد، ما منحهم فرصة لرؤية المشهد عن بعد، بما يمكن تسميته بالصورة الكاملة.

ومنذ فبراير 2011 حتى اليوم، أُنْتِجَ كمٌّ كبير وهائل من الكتابات على المستويات الصحفية أو التاريخية والأكاديمية بلغات مختلفة، وإن تميزت الأعمال التي ظهرت بلغات أجنبية وفي مقدمتها الإنجليزية بعمق في التحليل وغنى في المحتوى ما أماط اللثام عن طبيعة نظام القذافي وتاريخه، مقابل تركيز الكاتب الليبي على الحياة الاجتماعية والسياسية وتأثيرهما في حياة المواطن.

ففي روايته “حروب ماريش وثوراتها الثلاث” يتناول الكاتب الليبي، “عمر الكدي” الفترة الزمنية التي امتدت من أيام الحكم العثماني وصولاً إلى ثورة 17 فبراير، وفيها يتنقل الكدي بين اﻷزمان المختلفة عن طريق شخصياته المترابطة(13).

فيما تتناول رواية “حوليات الخراب” لعمر الكدي أيضا ثلاثة عشر طاغية توالوا على حكم ليبيا. وتستلهم الرواية أحداثها من تاريخ هؤلاء ولكن بلباس سردي معاصر، وهو ما يقول عنه الكدي: “بقدر ما تتناول الرواية أحداثاً بعيدة في الزمن فإنها تركز على اللحظة الراهنة، وعلى تداعيات ثورة فبراير. بدأت التفكير في كتابة هذه الرواية منذ 15 سنة عندما كنت في ليبيا، وكنت أحدث أصدقائي عن شخصيات الرواية، وخاصة الطغاة الثلاثة الخياليين، ولكن عندما جلست لكتابتها في مدة 23 يوما تغيرت فيها أشياء كثيرة، فرضها سقوط القذافي وانتصار ثورة فبراير، والتداعيات التي أعقبت هذا الانتصار”(14).

وبعد نحو عام من الثورة، صدرت للكاتب “إبراهيم الكوني” رواية “فرسان الأحلام القتيلة”، ورغم تميزها بالحساسية المرهفة والجمالية في البناء والبراعة في التشكيل والعمق في الفكرة والرؤية، فإن جمهور المتتبعين للشأن الروائي تفاجأوا بظهور رواية عن “الربيع العربي” الذي لم تكتمل ملابساته ولم تنكشف تمثلاته ونتائجه بعد حين ظهرت الرواية. واعتبر البعض أن صدور هذه الرواية، في هذا التوقيت المُبَكِّر، فعل متسرع لا يمكن أن يجسِّدَ الوضعَ الإنساني والواقع الاجتماعي لليبيين(15).

تضاف إلى ذلك رواية “زمن الأخ القائد” للكاتب “فرج العشة”، التي تناولت ليبيا الماضي والحاضر، وإذا كانت الرواية تتناول سيرة وطن عبر مجموعة من الشخصيات المُحَمَّلَة بالهم الثقافي، فإنها تنفتح بجرأة على سيرة أوطان عدة، وعلى حيوات بشر وجدوا أنفسهم هاربين من الوطن القامع إلى أماكن أكثر قمعا. ويبرع الكاتب في تقديم العربي المحاصَر بالتيه النفسي والقمع السياسي، وينفتح السرد على زمنين، سيرة وطن الماضي وسيرة مواطن في الحاضر، وأيضاً على مكانين: ليبيا أو بالأحرى صحراء ليبيا، حيث يترعرع الراوي، ومعسكر اللجوء في مدينة لايبزغ الألمانية(16).

كما قدم الأديب “يونس الفنادي” قراءة في عشر قصص قصيرة لـ “عزة المقهور”، كتبتها في أثناء ثورة فبراير. واختار الفنادي لكتابه عنوان “ثورة فبراير في الأدب الليبي – قصص عزة كامل المقهور نموذجا”(17).

وعن دار الفرجاني صدر كتاب للدكتور “محمد المفتي” وهو السجين السياسي السابق، بعنوان “ذاكرة النار”، والذي يحوي ذكرياته اليومية منذ اندلاع ثورة 17 فبراير. كما صدر عن دار النهضة بلبنان كتاب “سيرة فبراير” لإدريس المسماري، والمعروف أن إدريس المسماري يعد من الأوائل الذين انطلقوا ليلة ثورة فبراير في بنغازي يهتفون بإسقاط النظام، ولخص ذلك في كتابه، وكذا اعتقاله والإفراج عنه وهروبه إلى تونس. وكذلك صدر كتاب “سقوط باستيل بنغازي” لـ “محمد عقيلة العمامي”، ويحوي مقالات صاحبت قيام الثورة منذ بدايتها حتى سقوط النظام ثم ألحق به طبعة ثانية(18).

أما رواية “العودة” فهي رواية حين يقرأها المرء فسيرى ليبيا بعين أخرى. ففيها يواجه الكاتب الليبي هشام مطر أشباح ماضيه: اختفاء والده وتاريخ بلده المصادر وانتكاسة الحلم بليبيا جديدة. الرواية هي أكثر أعمال الكاتب تعبيراً عن حياته الشخصية. وهي مثل كل رواياته تدور حول الفراغ المؤلم، الذي يشكل مصدر إلهامه وعبئاً على روحه: فقد فر هشام وعائلته، وهو ابن ثماني سنوات، من وطنه ليبيا. وفي عام 1990 اختُطف والده الدبلوماسي الذي عارض نظام القذافي، من منفاه في مصر وأودِعَ سجن أبو سليم في طرابلس. وبحسب التقارير فإن سجن أبو سليم هو المكان، الذي كان القذافي يرسل إليه كل من يريد أن يدخله في طي النسيان(19).

2 – الشعر

الشاعر في ليبيا واكب مستجدات التغيير الذي حصل، فهل تمكن من أن يحطم التابو ويطرح مواضيعه بجرأة أكثر مما كانت عليه قبل ثورة؟

في هذا الصدد تؤكد الشاعرة “عائشة إدريس المغربي” على صعوبة أن نحكم على ردة الفعل الفورية للشعر لأنها في الغالب تكون مجرد انفعال عاطفي لا يؤسس لحكم في المجمل. أما الشاعر “عبد الوهاب قرينقو” فيرى أن الفعل الشعري لم تكن له ردود فعل واضحة، أو دورا طيلة السنوات الخمس الأخيرة، نظراً لعزلة الشعراء عن المجتمع، وانقطاع علاقة المثقف بالشارع. فيما توضح الشاعرة “حواء القمودي” أنه رغم عدم متابعتها لما كُتِبَ ويُكْتَب على الضفة الأخرى المناهضة والمعادية لهذا التغيير، فربما هناك الحزن، إلا أن هناك ردود أفعال صادقة، تعبر عن الابتهاج بالحدث المتمثل في التغيير. وتقرر الكاتبة الصحافية “إيناس حميدة” أن ردود الفعل توالت بشكل دراماتيكي، فقد بدأت بالحماس والتحريض والدفع للتغيير لتقدم أشكالا مختلفة. بينما يرى الشاعر “رامز النويصري” أن التجربة الشعرية في ليبيا كانت تبحث عن متنفس لها وظلت ترسم في نصوصها، حتى جاء فبراير بالتغيير، فكانت النصوص الشعرية صوتها وتعبيرا صادقاً لما يريد الشاعر والوطن. وهذا ما وافقه عليه الشاعر “عبد الباسط أبوبكر محمد” الذي بين أن ثورة فبراير أربكت الكثير من الأوراق والكثير من الشعراء، الذين توقفوا عن الكتابة والنشر بعد الثورة، وهذا ما يراه عبد الباسط أمرا محيرا جداً، فقد كانت الكتابة مُشَفَّرَة بمجموعة من الرموز قبل الثورة وفي ظل القمع والتأويل الخاطئ(20).

______________________

الهوامش:

1 – رحيل نحات الثورة الليبية.. حوّل ذخيرة القذافي لأعمال فنية – بتاريخ 2/1/2019 – موقع الجزيرة – على الرابط التالي:

 https://www.aljazeera.net/news/cultureandart/2019/1/2/رحيل-نحات-الثورة-الليبية-ذخيرة-القذافي-أعمال-فنية-علي-الوكواك

2 – المرجع السابق.

3 – ليبيا الجديدة والحياة الفنية – بقلم: عصام الزبير – 15/2/2012 – موقع “قنطرة” – على الرابط التالي:

https://ar.qantara.de/content/lyby-ljdyd-wlhy-lfny-jdryt-lyby-dhkr-fny-wtrykhy-llthwr-llyby

4 – المرجع السابق.

5 – المرجع السابق.

6 – السينما الليبية الجديدة تُستقبل باهتمام وفضول في لوكارنو – بقلم: كمال الضيف – بتاريخ 13/8/2015 – موقع “SWI” – على الرابط التالي:

https://www.swissinfo.ch/ara/-أبواب-مفتوحة–في-أهم-مهرجان-سويسري_السينما-الليبية-الجديدة-ت-ستقبل-باهتمام-وفضول-في-لوكارنو-/41596512

7 – المرجع السابق.

8 – الفيلم الليبي القصير “العشوائي” يرصد ظاهرة التصنيفات الحادة بالمجتمع الليبي بعد ثورة فبراير – بقلم: إيناس المنصوري – بتاريخ 18/9/2016 – موقع ““Global Voices – على الرابط التالي:

https://ar.globalvoices.org/2016/09/18/46207/#

9 – السينما الليبية الجديدة تُستقبل باهتمام وفضول في لوكارنو – بقلم: كمال الضيف – بتاريخ 13/8/2015 – موقع “SWI” – على الرابط التالي:

https://www.swissinfo.ch/ara/-أبواب-مفتوحة–في-أهم-مهرجان-سويسري_السينما-الليبية-الجديدة-ت-ستقبل-باهتمام-وفضول-في-لوكارنو-/41596512

10 – المرجع السابق.

11 – المرجع السابق.

12 – “الباب” مسرح ضد الحرب في ليبيا – بقلم: عبد الله الشريف – بتاريخ 27/3/2018 – موقع “العربي الجديد” – على الرابط التالي:

https://www.alaraby.co.uk/culture/2018/3/27/الباب-مسرح-ضد-الحرب-في-ليبيا

13 – الأدب وثورة فبراير.. ما بين الاستعجال وتوثيق الحدث – بقلم: محمود الغول – بتاريخ 18/2/2017 – موقع “بوابة الوسط” – على الرابط التالي:

http://alwasat.ly/news/art-culture/124978

14 – المرجع السابق.

15 – المرجع السابق.

16 – المرجع السابق.

17 – المرجع السابق.

18 – المرجع السابق.

19 – رواية “العودة” للكاتب الليبي هشام مطر – بقلم: كلاوديا كراماتشيك – بتاريخ 15/5/2017 – موقع “قنطرة” – على الرابط التالي:

https://ar.qantara.de/content/رواية-العودة-للكاتب-الليبي-هشام-مطر-رواية-حين-يقرأها-الغربي-فسيرى-ليبيا-بعين-أخرى

20 – خريف القصيدة الليبية في زمن ثورة الربيع – بقلم: سالم أبو ظهير – بتاريخ 10/4/2016 – موقع “القدس العربي” – على الرابط التالي:

https://www.alquds.co.uk/خريف-القصيدة-الليبية-في-زمن-ثورة-الر/

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق