دراساتشؤون إفريقية

الحضور الروسي الأوروبي الأميركي في إفريقيا

أسامة عكنان

مقدمة

لا مراء في أنّ القارة الإفريقية كانت أكثر مناطق العالم تهميشاً واستبعاداً على طول مراحل العولمة، ومنذ نهاية الحرب الباردة، وتدشين ما عُرِفَ بالنظام العالمي الجديد عقب تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار جدار برلين.

وقد عانت الدول الإفريقية على مدى العقود الثلاثة الأخيرة مزيداً من التهميش؛ بحيث أضحت غير مشاركة في الاقتصاد العالمي، وإنما معتمدة عليه بصورة متزايدة، ولقد اتضح ذلك بجلاء من خلال مؤشرات النمو الاقتصادي المتدني لمختلف القطاعات الإنتاجية، وزيادة عبء الديون الخارجية، وتدهور الظروف الاجتماعية والسياسية، حتى إنه توجد في إفريقيا وحدها “33” دولة من بين “47” دولة وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأقلّ تنمية في العالم.

ومع ظهور الاستراتيجيات الكبرى الجديدة في العالم والقائمة في قلب معادلات الإحلال والاستبدال التي بدأ ينتهجها العقل الأميركي وهو يعيد إنتاج خرائط العالم الجديد وفق قوانين “الأواني المستطرقة” الساعية إلى تغيير نظام “الفوترة” الأخلاقية والقانونية والسياسية والاقتصادية في بؤر التوتر والتنافس في الأقاليم العالمية الحساسة، بحيث تتقلص الفواتير الأميركية على حساب ارتفاع فواتير الراغبين في الحلول مكانها في بعض المناطق..

نقول: في ظل ظهور هذه الاستراتيجيات الجديدة، فقد راحت القارة الإفريقية تنال قدرا من إعادة النظر في مستقبلها ومصيرها، لتعاد مَوْضَعَتِها في بؤرة الاهتمام الاستقطابي العالمي الجديد.

ويكفي أن نشير إلى بعض الأرقام ذات الدلالة الواضحة في هذا الشأن:

فإفريقيا تحتفظ بنحو 3% من إجمالي احتياطي البترول في العالم، وبها 5% من احتياطي الغاز، ونحو ثلث احتياطي اليورانيوم، ونحو 70% من الفسفور، و55% مــن الذهــب، و87% من الكـروم، و57% من المنجنيز، و42% من الكوبالت.. إلخ، ناهيك عن ثراء القارة في مواردها الطبيعية الأوفر، مثل: المياه، والزراعة(1).

سنحاول في هذه الدراسة العامة حول التنافس العالمي على الحضور في القارة الإفريقية، إلقاء بعض الضوء على مظاهر الحضور الروسي والأميركي والأوروبي في هذه القارة الواعدة.

أولا: الحضور الروسي في إفريقيا

يقول السيد “مامادو زيفيرين”، رئيس أركان القوات المسلحة بإفريقيا الوسطى، “نشكر روسيا على كل ما قدمته لنا”(2).

في هذا السياق تعتبر قمة “سوتشي” التي انعقدت في شهر أكتوبر الماضي، دالة بالغة الأهمية على الانشغال الروسي بالحضور الفاعل والمنتج في القارة الإفريقية، عبر مسارات التنافس الروسي الأميركي من جهة، والروسي الأوروبي من جهة أخرى، على إعادة إنتاج مراكز القوى العالمية من خلال التركيز على القارة العذراء “إفريقيا”(3).

وبطبيعة الحال فإن روسيا ليست بصدد بدء علاقتها مع أفريقيا من نقطة الصفر، وإنما هي تحاول الاستفادة من تراث علاقات الاتحاد السوفييتي السابق بدول القارة.

هذا وقد سبق انعقاد القمة الروسية الأفريقية في سوتشي، حرص موسكو على تأطيرها لعلاقاتها مع أفريقيا، حيث أضحت أفريقيا هدفاً بارزاً في إطار تجديد روسيا لاستراتيجيتها حول العالم، بخاصة في ظل تعاظم تأثيرها على الصعيد الدولي.

حيث نصت وثيقة السياسة الخارجيَّة للاتحاد الروسي، التي وقَّعها الرئيس بوتين في العام 2016، على أن روسيا ستتوسَّع في علاقاتها مع دول قارَّة أفريقيا في مختلف المجالات، سواء على المستوى الثنائي، أو على المستوى الجماعي، وذلك من خلال تحسين الحوار السياسي، وتكثيف التعاون الشامل، السياسي والتجاري والاقتصادي والعسكري والفني، وفي مجال التعاون الأمني، وكذلك التعاون في الشأن الإنساني والتعليمي، بما يخدم المصالح المشتركة، فضلاً عن الإسهام في تسوية الصراعات والأزمات الإقليميَّة(4).

ولقد حكمت الاستراتيجية الروسية تجاه أفريقيا عموماً، وإفريقيا الوسطى تحديداً، العديد من العوامل والدوافع، يقف على رأسها جميعها طبيعة مكونات العالم منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، حيث تميز بنسق أحادي تفردت فيه الولايات المتحدة بالسيطرة على مختلف مناطق النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري في العالم، وهو النسق الذي تسعى روسيا من خلال حضورها الفاعل في إفريقيا إلى تغييره، عبر التأكيد على أن روسيا دولة عظمى في النظام الدولي الذي يجب أن يكون نظاما متعدد الأقطاب(5).

وفي هذا السياق أطلقت روسيا في عام 2015 المنتدى الروسيّ الأفريقي “The Russian-African Forum” بهدف تأسيس علاقات سياسيَّة واقتصاديَّة وتجارية جديدة بين الطرفين، كما تسعى روسيا إلى التفاعل مع القضايا الإفريقية على الصعيد الدولي، ومنها الدعوة الإفريقية إلى إصلاح الأمم المتحدة، وأحقية حصول القارة السمراء على مقعد أفريقي دائم في مجلس الأمن الدولي، لكي تُعزّز من وجودها. كما تستخدم روسيا التجارة في السلاح كمدخل مهم لتوسيع شراكاتها في المنطقة، وتعميق العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنيَّة مع دول المنطقة: فقد باعت شركة “Rosoboron Export” خلال الفترة من 2011- 2013 أكثر من 12 طائرة هليكوبتر هجومية من طراز Mi-24، وطائرات نقل هليكوبتر Mi-814، للحكومة السودانية(6).

كما اعتمدت روسيا أيضا سياسة تخفيض عبء الديون عن قارة أفريقيا؛ حيث ألغت ديونا بقيمة 20 مليار دولار في عام 2012، إضافة إلى 16 مليار دولار تم إسقاطها عن كاهل الأفارقة في عام 2008. كما خفَّضتْ عبء الديون لعدد من دول القرن الأفريقي، مثل إثيوبيا في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، في الوقت الذي قدّمت فيه مساعدات إنسانية لبلدان المنطقة، مثل إثيوبيا والصومال، بما يشكل تطوراً إيجابياً في مسار العلاقات الروسية مع هذه الدول(7).

هذا ولم تكتفِ روسيا بالأسلحة فقط، حيث أصدرت مجلة “أتلانتك” الأميركية تقريرا يشير إلى وصول 170 مستشارا مدنيا واعتبارهم من قوات شركة عسكرية خاصة “فاغنر”، وذلك لتدريب القوات الحكومية في جمهورية إفريقيا الوسطى، كما تمت الإشارة إلى ظهور 500 آخرين من مقاتلي “فاغنر” على حدود السودان- جمهورية أفريقيا الوسطى، فضلا عن توفير قوات خاصة لتأمين “فوستين أرشانج تواديرا”، رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى، كما تمت الإشارة إلى ظهور  شركة عسكرية أخرى تسمى باتريوت، والتي يبدو أنها تمتلك صلات جيدة بمسؤولي وزارة الدفاع وتقدم أجوراً عالية تصل إلى مليون روبل في الشهر، الأمر الذي يزيد من احتمالية استمرار الوجود في إفريقيا الوسطى والانتشار في مزيد من الدول الإفريقية(8).

وفي هذا السياق، يعتبر الحصول على الذهب والماس واليورانيوم من أهم الدوافع الرئيسة لروسيا بشأن الوجود في إفريقيا الوسطى، حيث تعتبر دولة غنية بهذه الموارد. وفي هذا السياق غالباً لا تحصل روسيا على عائد من مبيعات الأسلحة في شكل أرباح مالية، وإنما تسعى للاستفادة من ذلك في الحصول على الموارد الطبيعية من إفريقيا الوسطى(9).

وكخطوة على الطريق نحو تعزيز هذه الأهداف الروسية، أفادت دورية Africa Intelligence بأن روسيا اتفقت على تطوير منجم الذهب Ndassima مع حكومة جمهورية إفريقيا الوسطى، فضلًا عن تأسيس العديد من الشركات التي تديرها روسيا في “بانغي” بينها “لوباي انفست” التي حصلت مؤخرا على رخصة التنقيب عن المعادن في إفريقيا الوسطى، كما تم إنشاء ثلاث شركات أخرى من قبل الروس، إحداها “المجموعة المالية الدولية” التي “يمكن أن تكون وسيلة استثمار” لشركات أخرى(10).

إلا أن من الضروري الإشارة إلى أنه بقدر ما هنالك من الإيجابيات في فتح الأبواب الإفريقية وخاصة في إفريقيا الوسطى أمام النفوذ والحضور الروسيين، فإن هنالك قدرا من السلبيات التي يمكننا الإشارة إليها في أمرين مهمين هما:

  • أولا: حرمان إفريقيا الوسطى من الاستفادة من مواردها الطبيعية، حيث تم تأسيس العديد من الشركات الروسية التي تختص بالتنقيب على المعادن مثل شركة “لوباى إنفست”، فضلًا عن توقيع عقود لتأمين المعادن من قبل الشركات العسكرية الروسية، مثل شركة “فاغنر” و”باتريوت”، بنفس منطق الشركات الرأسمالية الغربية التي استعمرت إفريقيا واستنزفتها سابقا.
  • ثانيا: عدم الاكتراث بموضوعات حقوق الإنسان، وتسليم العديد من الأسلحة للفصائل المتنازعة، وخاصة في ظل انتشار الشركات العسكرية التي تسعى إلى تعظيم أرباحها، وفي هذا السياق تقول بعض التقارير أن شركة “فاغنر” تمول الأطراف المتنازعة في أفريقيا الوسطى، وهو ما قد يؤدى إلى استمرار النزاعات المسلحة لأن هناك استفادة من ذلك(11).
  • ثالثا: خلق مسارات متوازية في المفاوضات السياسية بين الفصائل المتعارضة قد يقلل من فرص التوصل إلى اتفاق سلام فعال، ففي الوقت الذي تبنت فيه روسيا مفاوضات بين الجماعات المسلحة في 27-29 أغسطس، تبنى الاتحاد الأفريقي جلسة مفاوضات بين جماعات مسلحة أخرى.

ثانيا: الحضور الأميركي في إفريقيا

مرَّت العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإفريقيا بمراحل عديدة تنحصر في: فترة الحرب الباردة؛ ثم بعد ذلك في “الفترة الانتقالية من 1990 إلى 1998” عندما سعت الولايات المتحدة إلى صياغة أهداف واستراتيجيات واضحة لسياستها في إفريقيا؛ ثم تأتي “فترة ما بعد 1998” حيث تذبذبت العلاقات الأميركية – الإفريقية بين الإهمال والاستعمال من جانب الولايات المتحدة بدعوى تعزيز الديمقراطية والإصلاحات الاقتصادية من خلال الوكالات التنموية والمؤسسات المالية الدولية.

وقد أعطى مسار الزيارة الرسمية الأولى والأخيرة التي أداها “ريكس تيلرسون” وزير الخارجية الأميركي السابق إلى إفريقيا جنوب الصحراء، في شهر مارس /آذار 2018، وتصريحات الرئيس “دونالد ترامب”، فكرةً عما ستكون عليه سياسة الولايات المتحدة تجاه القارة في ظل إدارة “ترامب”، وأنها ستميل إلى الأمن ومكافحة النفوذ الصيني في إفريقيا. وهذا ما ورد بالفعل في الاستراتيجية التي أعلنتها واشنطن مؤخرًا(12).

في مقاله لمجلة ” فورين أفيرز”، عام 1962، أشار “روبرت إيمرسون” أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية إلى أن سياسات الولايات المتحدة تجاه إفريقيا جنوب الصحراء تختلف عن سياساتها في أي منطقة أخرى من العالم. فالسياسة الأميركية تعمل في إطار الصداقات والتفاهمات القديمة التي أعقبت سنوات الحرب من خلال شبكة من التحالفات؛ ما سهَّل عملية نشر القواعد العسكرية الأميركية حول العالم بينما لا توجد للولايات المتحدة أي تحالفات أو اتفاقيات عندما يتعلق الأمر بإفريقيا؛ فهي غير ملزمة بأي مواقف أو تقاليد ومصالح راسخة؛ ما جعلها تتمتع بحرية فريدة في وضع سياسات محددة لمواجهة القضايا التي تقدمها الدبلوماسية الأميركية، وكأن الدبلوماسية الأميركية قارة افتراضية أخرى.

وإذ أخفقت الولايات المتحدة مرارًا في صياغة أهداف واستراتيجيات واضحة تجاه إفريقيا لعدم وجود أعداء معينين تستهدفهم داخل القارة، ما صعب عملية ربط القضايا الإفريقية بالمصالح الأميركية لدى صانعي السياسة في الولايات المتحدة؛ إلا أن علاقات الولايات المتحدة مع إفريقيا خلال الحرب الباردة، لم تتجاوز الاهتمام بالروح المعادية للشيوعية وتعزيزها والحفاظ عليها بين النخب الإفريقية خلال حقبة الحرب الباردة، وتكوين الصداقة مع أي حكومة أو حركات متمردة دعمتها في حربها ضد السوفييت، إضافة إلى تقديم قروض مالية مقيدة ومساعدات إنسانية للدول المؤهَّلة وفق شروطها وأهدافها(13).

وفضَّل بعض الكتَّاب وصف سياسة الولايات المتحدة في إفريقيا في ظل إدارة الرئيس السابق “باراك أوباما” بـ “الاستباقية”؛ حيث تحدثت إدارته بوضوح واهتمام عن الحفاظ على الحكومة الدستورية في بعض الدول الإفريقية، وأنشأت هيئات جديدة مع تعيين مبعوث رئاسي لبعض المناطق الإفريقية، وفرض عقوبات على زعماء “الجماعات الإرهابية.

وتدعم الولايات المتحدة تجارتها مع إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بـ “قانون النمو والفرص في إفريقيا” “أغوا” (AGOA) الذي يهدف إلى إقامة علاقات تجارية قوية ويحدد اتفاقية تجارية تفضيلية بين الولايات المتحدة وبلدان مختارة في المنطقة. وقد وقَّع الكونغرس على هذا القانون، في 18 مايو/أيار 2000، ووافقت عليه إدارة “أوباما” في 25 يونيو/حزيران 2015 لمدة عشر سنوات، ما يعني أنه سيستمر حتى 30 سبتمبر/أيلول 2025.

ولم يسلم قانون “أغوا” أيضًا من انتقادات المفكرين الأفارقة؛ لأن منهم من ينظر إليه كأداة استعمارية صاغتها الولايات المتحدة لإخضاع الدول الإفريقية للحكم الإمبريالي الأميركي بدعم نشط من الطبقات الحاكمة في إفريقيا، وأنه يمنح الإدارة الأميركية سلطة وحرية اختيار الدولة الإفريقية التي ستفتح أمامها أبواب السوق الأميركية، مع ضرورة استيفاء مجموعة من الشروط التي وضعتْها الولايات المتحدة والتي منها: احترام سيادة القانون، وتعزيز حقوق الإنسان وحقوق العمال، والتمسك بالمبادئ الديمقراطية والاقتصادية القائمة على السوق، بالإضافة إلى إزالة الحواجز أمام التجارة والاستثمار الأميركيين(14).

وتفسِّر التدابير التي أطلقتها الولايات المتحدة في الفترة ما بين مايو/أيار وسبتمبر/أيلول عام 2018 حقيقة “أغوا” ونظرة الولايات المتحدة لإفريقيا، إذ علَّقت الولايات المتحدة الفوائد التجارية إلى رواندا بسبب رفض السلطات الرواندية استيراد الملابس المستعملة من الولايات المتحدة، وذلك لأن استيرادها يقضي على تطوير صناعة النسيج الرواندية، ويحد من منافسة منتجاتها النسيجية في الأسواق الإفريقية والعالمية.

وعلى الرغم من التغيّر الذي يبدو لأول وهلة في توجهات السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا منذ عام 1989، فإن الأهداف الأمريكية الاستراتيجية في إفريقيا ظلّت ثابتة لم تتزحزح؛ إذ إنها تسعى إلى:

حماية خطوط التجارة البحرية.

الوصول إلى مناطق التعدين والمواد الخام.

دعم قيم الليبرالية ونشرها، ولا سيما تلك الخاصة بالديمقراطية، وحقوق الإنسان.

ومع ذلك فإنّ المتغيرات الدولية التي سارت باتجاه العولمة الأمريكية أدت إلى إعادة توجيه السياسة الأمريكية نحو إفريقيا عبر التركيز في دبلوماسية التجارة كأداة للاختراق، بالإضافة إلى دعم قادة أفارقة جُدد.

وقد اتضحت ملامح هذه السياسة منذ بداية عام 1998م؛ إذ سعت إدارة كلينتون إلى تأسيس شراكة أمريكية إفريقية جديدة، على أن رفع شعار “اندماج إفريقيا في الاقتصاد العالمي” لن يكفي وحده لإنهاء عمليات تهميش القارة الإفريقية، ولذلك فإنّ السياسة الإفريقية للولايات المتحدة تعتمد على المرتكزات الأساسية الآتية:

1 – التركيز في مناطق إقليمية معينة، واختيار دولة أو أكثر تمارس دور القيادة، مثل: جنوب إفريقيا في الجنوب، ونيجيريا والسنغال في الغرب، وإثيوبيا في الشرق.

2 – طرح قضايا معينة، ووضعها على قائمة السياسة الإفريقية للولايات المتحدة، مثل: الإرهاب والتطرف، وتدفق المخدرات، والجريمة الدولية، وحماية البيئة، وحقوق المرأة الإفريقية.

3 – المحافظة على الأمن والاستقرار عن طريق إنشاء قوة إفريقية لمواجهة الأزمات، وهنا يقتصر الدور الأمريكي على التمويل والتدريب.

4 – العمل على محاصرة النّظم غير الموالية، والتي تدعم التطرف والإرهاب من وجهة النظر الأمريكية، مثلما كان عليه الحال مع السودان وليبيا.

5 – تأمين فرص الاستثمار والتجارة في المنطقة وتعزيزها، وهو ما يؤكّده مبدأ “التجارة بدلاً من المساعدات”.

هذا وقد احتلت إفريقيا مكانة مهمّة في التفكير الاستراتيجي الأمريكي الخاص بمحاربة الإرهاب، وربما يُعزى ذلك إلى عدة أسباب، لعل من أبرزها:

1 – تنامي المشاعر المعادية للولايات المتحدة في كثير من المناطق الإفريقية، ولا سيما منطقة القرن الإفريقي. وطبقاً لبعض المعلومات الاستخبارية الغربية؛ فإنّ الصومال بعد انهيار الدولة فيها في أعقاب الإطاحة بالرئيس “سياد بري” أضحت ملاذاً آمناً لبعض الجماعات والتنظيمات التي تضعها الولايات المتحدة على لائحة الإرهـــاب، وعليه فإنّـــه لا يمكن التغاضي عن أهمية الصومال ومنطقة القرن الإفريقي في إطار الحملة الأمريكية على الإرهاب.

2 – أهمية بعض الدول، مثل السودان، في إطار بناء التحالف الدولي الموالي للولايات المتحدة؛ بهدف محاربة الإرهاب، ومن المعلوم أنّ أسامة بن لادن قد أقام في السودان فترة من الزمن، كما أنّ هناك ارتباطات ثقافية بالتجمعات الإسلامية في دول الجوار الجغرافي للسودان.

3 – تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في القارة الإفريقية يجعلها بيئة خصبة لنمو المشاعر المعادية للغرب، وطبقاً لبعض الباحثين: “تُعَدّ إفريقيا الحلقة الأضعف في سلسلة الإرهاب الدولي، فالحدود يسهل اختراقها، ومؤسسات فرض النظام والقانون ضعيفة، والموارد الطبيعية وفيرة، ومناطق الصراع متعددة، والدولة الوطنية إمّا هشّة أو ضعيفة أو تحتضر.. كلّ ذلك يجعل من بعض الدول الإفريقية ملاذاً آمناً لبعض الجماعات والتنظيمات الإرهابية”(15).

ثالثا: الحضور الأوروبي في إفريقيا

من الصعب افتراض أن هناك حضورا أوروبيا موحدا في القارة الإفريقية في مقابل الحضورين الروسي والأميركي، لأن أوروبا لا تحضر في أي مكان في العالم إن حضرت إلا من خلال دولها مفرقة، إذ لا توجد معالم واضحة وذات طابع متوحد للسياسة الخارجية الأوروبية، هذا من جهة أولى، ومن جهة أخرى، وعند النظر إلى حضور الدول الأوروبية قي القارة الإفريقية، فإنه من الصعب الحديث عن حالة حضور بالمعنى المكافئ لمنافسة النفوذين الروسي والأميركي، وإن يكن على نطاق ضيق، إلا للحضور الفرنسي تحديدا. لذلك فإننا لن نجد ما نتحدث عنه في مجال الحضور الأوروبي في إفريقيا – حتى الآن على الأقل – إلا ما يتعلق بذلك الحضور المحدود للدولة الفرنسية.

إنّ السياسة الإفريقية لفرنسا باعتبار فرنسا أكثر الدول الإفريقية حرصا على الحضور الفاعل في القارة الإفريقية، وشأنها في هذا الحضور شأن السياسة الإفريقية للولايات المتحدة، قد شهدت تغيرات وتحولات راديكالية، وهو ما أكده الرئيس جاك شيراك يوم 27/8/1997م، حينما أشار إلى عزم بلاده على عدم التدخل عسكرياً أو سياسياً في الدول الفرنكوفونية الأربع عشرة المتعاملة بالفرنك في إفريقيا. وقد اشتمل التغيّر في توجهات السياسة الفرنسية تجاه إفريقيا على ما يأتي:

1 – تسعى فرنسا إلى توسيع دائرة علاقاتها السياسية والتجارية لتشمل باقي دول القارة؛ أي أنّ جلّ مساعداتها المالية لن يقتصر على مستعمراتها السابقة؛ إنما تستهدف باقي دول القارة.

2 – تعتزم فرنسا التخلّي عن دورها العسكري في “منطقة الفرنك”، وهو ما أكدته عملية إغلاق قاعدتين عسكريتين في جمهورية إفريقيا الوسطى، والتي انطلقت فرنسا عن طريقهما للتدخل في العديد من المواقف والأزمات التي شهدتها مستعمراتها السابقة، كما أنّ حوالي 1800 جندي فرنسي تقررت عودتهم من قواعدهم الإفريقية(16).

ولكن هذه السياسة الفرنسية “الشيراكية” بدأت تتغير بشكل جدي على مرحلتين، كانت أولاهما مع ظهور منطقة اليورو وانتهاء مرحلة الفرنك، فيما تجسدت المرحلة الثانية مع بدء ظهور الإرهاب في منطقة الصحراء والساحل. إلا أن هذه السياسة التي أجبرت فرنسا بموجبها على التدخل العسكري في الشمال المالي بسبب انتشار المنظمات الإرهابية التي راحت تهدد مصالحها، ما تزال تتخبط ولم تشق لنفسها نهجا استراتيجيا محددا بمعالم واضحة، خاصة وأن فرنسا تجد نفسها تتحرك بهذا الخصوص في حقل خطير من الألغام التي يمثل كل لغم منها طرفا منافس لها عليها أن تعرف كيف تتجنب انفجاره فيها، فهناك روسيا والولايات المتحدة والسعودية وإيران وتركيا، وهؤلاء جميعا، ترتبط حالات حضورهم في القارة الإفريقية بنزاعات وتنافسات وتجاذبات إقليمية خطيرة وعميقة قائمة بينهم على شكل ثنائيات أو تحالفات، ليس من السهل على فرنسا أن تتجاوزها أو أن تقفز عليها وهي ترسم سياستها الإفريقية. ويبدو أنّ السياسة الفرنسية بتركيزها في المحور الأوروبي، ولا سيما قضية الانضمام للاتحاد المالي والاقتصادي الأوروبي، لا تغفل في الوقت نفسه مصالحها التجارية مع إفريقيا، خصوصاً مع دول معينة مثل: نيجيريا وجنوب إفريقيا.

__________________

الهوامش:

1 – (سـياسـات التنـافـس الـدولي فـي أفـريـقيــا – موقع قراءات إفريقية – د. حمدي عبد الرحمن حسن – 5 فبراير 2013 – على الراب\ التالي:

https://www.qiraatafrican.com/home/new/سـياسـات-التنـافـس-الـدولي-فـي-أفـريـقيــا#sthash.4JIjX1sl.dpbs).

2 – (من مقابلة مع وكالة “African Daily voice، بتاريخ 9-10-2018).

3 – (الحضور الروسي في إفريقيا الوسطى، السلاح مقابل الموارد – موقع المركز العربي، آفاق جديدة – 16 أكتوبر 2018 – على الرابط التالي: http://www.acrseg.org/40964).

4 – (روسيا وإفريقيا.. هل من مسارات جديدة؟ – موقع أندبندنت عربية – أماني الطويل – 22 أكتوبر 2019 – على الرابط التالي:

https://www.independentarabia.com/node/65736/سياسة/تحلیل/روسيا-وأفريقيا-هل-من-مسارات-جديدة؟)

5 – (الحضور الروسي في إفريقيا الوسطى، السلاح مقابل الموارد – موقع المركز العربي، آفاق جديدة – 16 أكتوبر 2018 – على الرابط التالي: http://www.acrseg.org/40964).

6 – (روسيا وإفريقيا.. هل من مسارات جديدة؟ – موقع أندبندنت عربية – أماني الطويل – 22 أكتوبر 2019 – على الرابط التالي:

https://www.independentarabia.com/node/65736/سياسة/تحلیل/روسيا-وأفريقيا-هل-من-مسارات-جديدة؟).

7 – (روسيا وإفريقيا.. هل من مسارات جديدة؟ – موقع أندبندنت عربية – أماني الطويل – 22 أكتوبر 2019 – على الرابط التالي:

https://www.independentarabia.com/node/65736/سياسة/تحلیل/روسيا-وأفريقيا-هل-من-مسارات-جديدة؟)

8 – (روسيا وإفريقيا.. هل من مسارات جديدة؟ – موقع أندبندنت عربية – أماني الطويل – 22 أكتوبر 2019 – على الرابط التالي:

https://www.independentarabia.com/node/65736/سياسة/تحلیل/روسيا-وأفريقيا-هل-من-مسارات-جديدة؟).

9 – (برنامج الدفاع الروسي في وسط أفريقيا، قناة روسيا اليوم، 24-8-208).

10 -(Moscow sets its sights on the gold and diamonds, Africa Intelligence ,  18-7-2018.).

11 – (الحضور الروسي في إفريقيا الوسطى، السلاح مقابل الموارد – موقع المركز العربي، آفاق جديدة – 16 أكتوبر 2018 – على الرابط التالي: http://www.acrseg.org/40964).

12 – (استراتيجية ترامب في إفريقيا: تقويض القوة الصينية واستمرارية السياسات القديمة – موقع مركز الجزيرة للدراسات – حكيم نجم الدين – 22 يناير 2019 – على الرابط التالي:

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/01/190122084024340.html).

13 – (استراتيجية ترامب في إفريقيا: تقويض القوة الصينية واستمرارية السياسات القديمة – موقع مركز الجزيرة للدراسات – حكيم نجم الدين – 22 يناير 2019 – على الرابط التالي:

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/01/190122084024340.html).

14 – (استراتيجية ترامب في إفريقيا: تقويض القوة الصينية واستمرارية السياسات القديمة – موقع مركز الجزيرة للدراسات – حكيم نجم الدين – 22 يناير 2019 – على الرابط التالي:

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/01/190122084024340.html).

15 – (سـياسـات التنـافـس الـدولي فـي أفـريـقيــا – موقع قراءات إفريقية – د. حمدي عبد الرحمن حسن – 5 فبراير 2013 – على الراب\ التالي:

https://www.qiraatafrican.com/home/new/سـياسـات-التنـافـس-الـدولي-فـي-أفـريـقيــا#sthash.4JIjX1sl.dpbs).

16 – (سـياسـات التنـافـس الـدولي فـي أفـريـقيــا – موقع قراءات إفريقية – د. حمدي عبد الرحمن حسن – 5 فبراير 2013 – على الراب\ التالي:

https://www.qiraatafrican.com/home/new/سـياسـات-التنـافـس-الـدولي-فـي-أفـريـقيــا#sthash.4JIjX1sl.dpbs).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق