اصدارات

من ثورات بلا رءوس إلى قطع الرءوس : من بوعزيزي إلى داعش… إخفاقات الوعي والربيع العربي

سم الكتاب – من بوعزيزي إلى داعش… إخفاقات الوعي والربيع العربي
الكاتب – هاني نسيرة
الناشر-مركز الاهرام للترجمة والنشر 2015- القاهرة 
يعد الكاتب هاني نسيرة واحدًا من أهم الكتاب والمحللين للواقع الاجتماعي والسياسي  المعاش وفى كتابه الأخير (من بوعزيزي إلى داعش إخفاقات الوعي والربيع العربي) يغوص بعمق وتأنٍّ في سنوات الثورات العربية الأربع و تشابهاتها واختلافاتها  وحاول تفسير اسباب تعثر ثورات ونجاح أخرى في إسقاط من ثارت بوجهه، حين اشتعلت من جسد بوعزيزي بتونس ومن أشباهه في مصر، إلى الانتقال من دعوى الربيع العربي ووعده وأمنياته إلى حقيقة «داعش» الداهمة.
يقول المؤلف الذي أهدى كتابه إلى «أطفال درعا مفجري الثورة السورية»: «إن في هذا الكتاب كثير من السياسية وكثير من الاجتماع وكثير من الأحداث المؤلمة، ولكن الأهم أنه أعاد الاعتبار للفكر النظري والفلسفي في فضاء وواقع عربي صعدت فيه أصوات الضجيج دون اعتبار لهدوء الفكر وبصره”.
السنوات الأهم
يقول هاني نسيره “يسعى هذا الكتاب لمراجعة 4 سنوات من الثورات العربية لعلها الأهم في تاريخ العرب الحديث، ونشير ابتداء إلى أنه بينما حاولت الثورات العربية عند ولادتها استعادة روح الحداثة العربية واستئناف نهضتها العالقة والمأمولة  على حوامل معلوماتية ما بعد حداثية، إلا أن توترها البنيوي والفكري والفراغ الذي أعقبها وغياب الراس أو العقل، حيث كانت ثورات بلا راس، اتت في حقبه ما بعد الأيديولوجيات، وصلت وتحاول التغلب عليها محطة الداعشية التي تهدد الحداثة العربية التي بدأت قبل قرنين من الزمان، كما أن غياب قيادات حاكمة، وساندة لها، جعلها سهلة السرقة والفشل في آن واحد، وهو ما أنتج في النهاية موجات متتابعة لها.
ولكن علي كل.. لا شك أن الثورات العربية حققت تغييرًا ما، جزئيا او كليا، في منطق السلطة وفي علاقه الشعب بالحاكم والحاكم بالشعب، بل وفي علاقه السلطة بالدين والمجتمع وتصالحت مع تطوراتها ومحطاتها التالية ثنائية الثورة والدولة، ولولا عوائق بنيويه فيها وخارجه عنها اعاقتها، نظرا لغياب رؤيتها وهشاشه وسيوله مرجعيتها لتمت المصالحة بين هذه الثنائيات بشكل كامل، ولرأينا واقعا ومشهدًا عربيا مختلفا عن هذه الحقبة الداعشية الراهنة
4 محطات
4 سنوات، هي عمر الثورات العربية يمكننا تقسيمها لـ4 محطات او اتجاهات رئيسيه، تداخلت مقولاتها وتصارعت فيها، بعد مرور المرحلة الاولي.
-الولادة المدنية اللاعنفية : ويمكن ان نصفها بإرهاصات الربيع العربي وهي اقصر المحطات زمنا، وكانت اكثرها وعدا، ويمكن تحديدها بما شاهدته تونس بعد وفاه بوعزيزي في 17 ديسمبر سنه 2010، حتي هروب بن علي في 14 يناير والمظاهرات المصرية في 25 يناير حتى تخلى مبارك عن السلطة في 11 فبراير وكانت أطول في سوريا حيث اندلعت ثورة درعا البريئة في 15 مارس سنه 2011 ولم تتم عسكرتها الا مع المنشقين عن جيش بشار الاسد منذ أواخر يونيه، ورغم إرهاصاتها المبكرة في 14 فبراير باجتماع 213 شخصية ممثلة لمجموعة من الفصائل والقوي السياسية والتنظيمات والهيئات الحقوقية الليبية، مطالبه بتنحي معمر القذافي، مؤكدين على حق الشعب الليبي في التعبير عن رأيه بمظاهرات سلمية دون أي مضايقات أو تهديدات من قبل النظام، ثم اندلاعها في 17 فبراير سنه 2011 في ليبيا الا ان قمع الاجهزة الامنية ونظام القذافي حولها سريعا منذ البداية وخاصه في بنغازي للحرب الاهلية، حتي سقوطه ومقتله في 20 اكتوبر . من نفس العام.
المرحلة الثانية الصراع بين العسكرة وحكم الاسلاميين: كانت العسكرة مبكره في مساري الثورة الليبية والسورية تحديدا، حيث برزت في الاولي عناصر الجماعة الاسلامية المقاتلة رغم مصالحتها مع نظام القذافي واعتذارها عن سابق افعالها ومجابهتها له، كما انها بدأت مع اعتقال فتحي تربل محامي مذبحه ابو سليم (راح ضحيتها 1200 قتيل) في 15 فبراير التي كان عناصر الجماعة المقاتلة وغيرهم من الجهاديين ضحاياها، وكون هذه الجماعات هي من عانت في مذبحه ابو سليم المشار اليها في تسعينيات القرن الماضي، وسوريا، فجاءت ردا علي الميليشيات الطائفية التي استعان بها نظام بشار الأسد ورفضا للقمع الذي مارسته قواته، حين أصرت علي إعدام الثورة، واستخدمت القوات البرية في مايو ثم الجوية في يونيو . ووجد الاسلاميون الليبيون فرصا كبيرة للصعود والسيطرة علي المجلس الانتقالي ثم الفوز سياسيا ثم الانكسار والهزيمة والدخول في مرحله صراع مع البرلمان المنتخب والحكومة الشرعية المنبثقة عنه في يونيو ويوليو 2014، ويمنيا نجح الحوثيون منذ اوائل عام 2014 في عسكره المسار وإعاقة التحول في اليمن، ومحاوله ابتلاع الدولة وهو ما كان بالتعاون والتحالف غير المعلن مع عدوهم السابق الرئيس السابق علي عبد الله صالح، ونجحوا في السيطرة على المحافظة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر سنه 2014 في مراوغه واضحه ومكشوفه لابتلاع الدولة اليمنية وتحديد مسارها كما يشاءون
ربيع الجهاديين
وجد ربيع الجهاديين فرصه في ضعف الدولة وثغرات الفوضي والملاذات الآمنة، في الموجه الاولي من الثورات او الموجه الثانية، ولكن بدا ربيع الإسلام السياسي الذي هادنه ولم يصطدم به عبر الانتخابات التي تحالفا فيها تحالفات مؤقته، أو عبر التحالف والتحول نحو الجهادية في بعض البلدان أبرزها ليبيا وبدرجه ما مصر، ولكن فشل الاسلام السياسي في ان يتجاوز فقه الجماعة نحو فقه الدولة فانقلب علي الثورة وقواها واصر علي الانفراد بالحكم فسقط ممثله الاشهر وهو جماعه الاخوان سقوطا قسريا عنيفا، كما اضطر ممثله الاكثر مرونة منها للخروج خروجا ناعما في تونس، ولا زال التحالف الجهادي الإخواني في ليبيا يصارع للبقاء بأدوات العنف بعد خسارته الانتخابات البرلمانية في يونيه 2014.
المرحلة الثالثة عوده الدولة والموجه الثانية من الثورات: وهو الحراك الذي مهد لانتهاء حكم الاسلاميين، الذين سعوا لإنشاء أنظمة شمولية دينية جديدة عبر حراك شعبي أو خروج طوعي وعودة الطلب على الدولة في هذه المرحلة التي يمكن التاريخ لها بـ30 يونيه مصريا، و23 أكتوبر سنة 2013 تونسيا، ويوليو سنه 2014 ليبيا وان كان التحالف الإخواني الجهادي فيها وفي غيرها ما زال يصارع من أجل بقائه واسترداده السيطرة على السلطة والحكم فيها.
لم تولد هذه الموجة الثانية للثورات العربية إلا نتيجة لفشل الموجة الأولى في هذه البلاد، فاستدعت بعد فترة موجة ثانية في بعضها، تقدم فيها مطلب الاستقرار علي مطلب الحرية ومطلب الامن والدولة علي مطلب الثورة والفوضى الخلاقة بعد أن تحولت لفوضي غير خلاقة، واستعادت فكره النظام والدولة حضورا وشرعيه سلبت منهما مع شعارات اسقاط النظام، في بواكير الثورات، بل واسقاط بقاياه «فلول النظام» التي كانت شعارات حاكمه خلال المراحل الانتقالية الموجه الاولي لهذه الثورات بشكل كبير..
المرحلة الرابعة زمن «داعش» واخواتها:
هذه المحطة أكثر صلابة، فقد اخترقت سوابقها، اخترقت الثورة السورية مبكرا، واستغل ظهورها نظام بشار الاسد، وقد ولدت بعد ان عسكر صراعه وانشق عنه عسكره، كما لا زالت تنازع الدول والثورات معا في عدد من البلدان، حيث تسعي لإقرار محطتها الخاصة «الخلافات والامارات الدينية» مستغله الانظمة الهشة والبني الفاشلة في العراق وسوريا وارهاقا لغيرها.
ظهر تنظيم داعش في ابريل سنه 2013، بعد ان كان يحمل اسم «القاعدة في العراق»، وكان سوريًا جزءا من جبهه النصرة المرتبطة بـ«القاعدة»، وكانت صحوته الاكبر عراقيا وسوريا في 9 و10 يونيو سنه 2014 حيث نجح في السيطرة علي المحافظات السنيه في العراق، ثم اعلن خلافته في 29 يونيو، وواصل تمدده سوريا وعراقيا وهدد دول الجوار، وطالب الجهاديات العالمية بمبايعته، واستنفر التحالف الدولي بقياده الولايات المتحدة بعد تواصل تهديداته وتمدداته للحرب عليه في العراق وسوريا معا وهو ما يجعله خاتمه غير مريحه وصادمه لـ4 سنوات من الثورات العربية، قد اعاقت الثورة السورية ووادت كل وعود الربيع العربي، ولا زالت تفتحنا علي اسئله مفتوحه في صددها.
ويحاول الكاتب ان يستخلص قوانين للثورات العربية من هذه المحطات فيقول 
-الثورات آحاد وليست واحده
كانت ثورات العرب التي اندلعت سنه 2011 احادا ولم تكن واحده، تشابهت واختلفت في المخاضات ولكن تعثرت جميعها في المسارات، فانتقلت من المدنية بمعناها الحرياتي الي الاصولية في شكلها الدوجمائي والعنيف، كما انتقلت من المدنية بمعناها اللاعنفي الي فوضي السلاح والتنظيمات والميليشيات وهو ما مثل مخاض موجتها الثانية التي اشرنا اليها وفقدان جاذبيتها ونموذجها لدي الشعوب التي عاشت او لم تعش تجربتها.
واول دروس وقوانين هذه الثورات العربية انها حققت نجاحها بالإجماع الثوري وروح التوافق، ولكن بعد نجاحها انتقلت الي نزوعات الهيمنة والاحتكار والاقصاء من قبل من يملكون السلاح او التنظيم! واستمر الشتات المدني في عدد منها غير قادر علي تحقيق ما رمت اليه وحلمت به.
ويؤكد الكاتب أن أخطر ما كان في هذه الثورات، واعتبره البعض – اسفا – ميزه لها، انها كانت ثورات بلا عقل اي بلا فلسفه للثورة، احتجاجيه فقط في دعواها، كما كانت ايضا بلا راس اي بلا زعيم وان التمس لها الكثيرون في فضاء المواقع الاجتماعية «فيسبوك» و«تويتر»، زعيما او زعماء، كما طرح البعض الاخر وجوها سريعا ما تبخرت واندثرت او اثرت العزلة ولم تكن الا التنظيمات ومرشدوها الاقدر علي اثبات قيادتها، فقد حضرت بعد النجاح مرحله الفرز السياسي حيث التنظيمات والايديولوجيات، التي تنتصر بقوانين الواقع لا قوانين العالم الافتراضي، ولا تصمد امامها شظايا المواقع غير المنظمة المتاحة للجميع مؤمنا بالحداثة التي انتجتها ام كافرا بها
خطورة إسقاط النظام
لم ينتبه الفاعلون في الثورات المدنية للبعد السياسي والاجتماعي الخطير في مقوله اسقاط النظام، او اقصاء فلوله وانصاره! فكان الانتقال انتقاما متبادلا احيانا كثيره، يفتقد لمبادئ العدالة الانتقالية ذاتها، وهي المصالحة وكشف الحقيقة
فوضى غير خلاقة
وبعد هذا التحول من المدني الي الديني ومن السلمي الي الإقصائي والعنيف صعد التساؤل: اين ذهب شباب هذه الثورات؟ ولماذا تعثرت وتحولت الموجه الاولي لهذه الثورات لفوضى غير خلاقة، مصريا وتونسيا وليبيا استدعت موجه ثوريه ثانيه ضد مخرجاتها وانحرافاتها ضد العسكرية واستعاده الاستبداد، كانت تعديلا او تصحيحا للسابق، وثالثه ورابعه اشتعلت شرارتها شعبيا ومؤسساتيا في مصر في 30 يونيو 2012 خرج الاخوان ومرشحهم علي اثرها قسرا من الحكم، بينما خرجت حركه النهضة التونسية من الحكومة خروجا ناعما في 14 يناير 2014، ورفض اسلاميو ليبيا الخروج عبر صناديق الانتخابات بعد انتهاء مده المؤتمر الوطني العام الذي كانوا يسيطرون عليه، ولا زالت هذه الموجه الثانية تعاني مخاضا صعبا للسيطرة علي الامور ليبيًا بالخصوص، ومصريا وتونسيا بدرجه اقل.
وانتجت صحوه «النصرة» و«داعش»، التي تشربت نموها عراقيا من سياسات رئيس الوزراء العراقي الراحل نوري المالكي، واخذت شرعيتها كجهاديه سنيه من القمع والتمييز الطائفي والاستعانة بالميليشيات والجهاديات الشيعية الموالية لهما.. ولكنها اعاقت الثورة واستهدفت قواها المعتدلة واعطت للأسد الذي لم تستهدفه غير شرعيه جديده! .
المؤتلف والمختلف: مسارات ومالات الثورات العربية
-اذا كان عام 2011 هو عام الثورات العربية ووعود ربيعها المنتظر فان عام 2012 كان اختبارها الصعب الذي تعثرت فيه مساراتها، واتجهت بقوه نحو العسكرة وسيطرة الاسلاميين والجهاديين، وكان عام 2013 هو اعلان نتائج موجتها الثانية في البلدان التي نجحت فيها، ثم كان العام الرابع عام 2014 هو عام صعود الارهاب كتحد كبير لها جميعا، مصريا وليبيا ويمنيا وسوريا الذي استمر تحديا مضافا مع بقاء نظامها الذي ما زال يصر علي البقاء.لتعود نفس الاسئلة التي طرحت في بداية نهضتنا قبل قرنين من الزمان!
سؤال النهضة والحداثة وعلاقتها بالدين، وكما كانت بعض القوي التقليدية والاصولية والعنيفة عائقا اوليا في بناء النهضة ومساراتها وتحقيق وعودها كانت بعض الحركات الاصولية السياسية والعنفية كذلك سببا رئيسيا من فشل الربيع العربي وتحقيق وعوده! .
المصدر : صحيفة عراقية مستقلة بتاريخ 6 مارس 2015
اضغط هنا لقراءة الخبر من مصدره

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق