تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا: الأتراك والروس، الأدوار المناطة وسط التقاطعات الميدانية والاستراتيجية

علي عبداللطيف اللافي
كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

لا يختلف اثنان أن مذكرتا التفاهم بين تركيا وليبيا (الموقعتين بين الرئيس التركي ورئيس المجلس الرئاسي الليبي في 27 نوفمبر الماضي)، قد أعادتا عمليا خلط كل الأوراق الإقليمية الموجودة بشأن ليبيا، وهو ما طرح نقاط استفهام عديدة خاصة في ظل وجود الروس ميدانيا وتقاطع مصالحهم مع أطراف مناوئة للأتراك وحلفائهم في ليبيا في نفس الوقت الذي يتقاطعون فيه مع الاتراك في أكثر من ملف دولي أو إقليمي، فأي أدوار مُناطة بحضور الشريكين الدوليين في بلد “عمر المختار” والذين تتقاطع مصالحهما بنفس درجة التقائهما حول الملفين الليبي والسوري؟

  • مما لا شك فيه أن الصراع في ليبيا ما هو في واقع الأمر إلا حرب بالوكالة تُخاض لصالح أذرع إقليمية خادمة بطبيعتها لقوى دولية، ومعلوم أن هذه الأخيرة تسعى عمليا ومنذ نهاية الأربعينات للاستفادة من الثروات الليبية الهائلة والنادرة وخاصة في “غريان” وحوضي “نالوت” و”غدامس” ومن ثُم المرور بيُسر للعمق الإفريقي والتمركز الاستراتيجي فيه لعقود قادمة…
  • تتشكل خريطة المحاور المتصارعة كما هو معلوم من معسكرين، الأول يقوده الجنرال المتقاعد خليفة حفتر المدعوم من محور إماراتي/مصري/سعودي بغطاء دولي أعلى وهو مرحليا الغطاء الفرنسي/الروسي رغم التناقض بين هذين الطرفين، مقابل معسكر حكومة الوفاق، ومجموعات الثوار المساندة لها وقوى الغرب الليبي، وهو محور تدعمه تركيا وقطر، وبدرجة أقل إيطاليا، بينما الموقف الأميركي مراقب، وينسق مع الطليان…
  • من المهم مُقارنة المشهد في ليبيا بالمشهد في سورية، حيث هناك معسكر النظام وحلفاؤه تدعمه روسيا عسكريا وسياسيا، ومعسكر المعارضة المناهض للنظام تدعمه تركيا مالياً وعسكرياً وسياسياً، ونتج عن انخراط أنقرة وموسكو في الصراع السوري تنسيق عالي المستوى أدى في الأخير إلى إيجاد مسارات تفاوضية برعاية الطرفين، أبرزهما مسار “أستانة” واتفاق خفض التصعيد الناجم عنه، ومسار “سوتشي” الذي نجم عنه اللجنة الدستورية، وقبلت الأطراف السورية به بضغط روسي تركي، وقد يجعل هذا الاتفاق من تركيا أحد أهم الأطراف الفاعلة في ليبيا، خصوصا بعد إعلان وزير الداخلية في حكومة الوفاق الليبية “فتحي باش آغا” أن “خيار طلب إرسال جنود أتراك إلى ليبيا وارد في أي وقت، وقد يكون قريبا، وأن الدعم التركي قد يتعدّى العمل البري، ويشمل العمل الجوي”، وتصريح الرئيس التركي “أردوغان” بأن “حفتر زعيم غير شرعي”، وبالتالي، قد يؤسس التنسيق الروسي التركي عالي المستوى في الملف السوري لتنسيقٍ مشابه…
  • ما سبق تأكد فعليا خاصة بعد اعلان الكرملين أن “بوتين” و”أردوغان” بحثا في اتصال هاتفي، “القضايا المتعلقة بالتصعيد المستمر للنزاع العسكري في ليبيا”، وأضاف بيان الكرملين أن الرئيسين، الروسي والتركي، شدّدا على “الاستعداد للإسهام في ترتيب الاتصالات بين الأطراف الليبية”. كما اتفقا على “تكثيف الاتصالات الروسية التركية على مستويات مختلفة”، وكل ذلك يعني وجود مؤشّرات على إمكانية إحداث “أستانة ليبي” على شاكلة “أستانة السوري”، ولكن كيف يمكن ذلك فيما يرفض عبد الفتاح السيسي الاتفاق؟ وهو الذي استشهد بالحالة السورية وطرحها مثالا عند حديثه عن الوضع في ليبيا، وطالب بما سماها “عودة الدولة الوطنية” إلى كل من سورية وليبيا، يجب ربط ذلك التصريح بما أكّدته مصادر دبلوماسية غربية رفيعة المستوى لمسؤولين ليبيين، أن “مداولات لقاء برلين الخاص بليبيا مرت بسلاسة غير طبيعية بين الجانب المصري والتركي”، وهو ما يعني أن تصريحات “السيسي” هي أقرب للاستهلاك الإعلامي، ومنعاً للحرج أمام حلفائِهِ، وخوفاً من انتهاء تدفق المساعدات المالية لا أكثر ولا أقل…
  • الروس يتعاطون مع الملف الليبي من خلال بُعدين، الأول جيوسياسي حيث تريد روسيا أن يكون لها موطئ قدم في بلدان الساحل الافريقي وشمال إفريقيا حيث أن علاقتها متميزة مع الجزائر وتريد أن يكون لها موطئ قدم في ليبيا وهي مناطق مليئة بالطاقة والمعادن الثمينة، ولذلك السبب تريد روسيا من تركيا أن لا تتورط في حرب كبرى في ليبيا لأن ذلك سيمس مصالح عديد البلدان، أما البعد الثاني فهو براغماتي حيث أن سياسة روسيا مع مناطق النزاع ذات بعد مصلحي مادي أكثر منه سياسي، حيث ترى روسيا في تواجدها في ليبيا أهمية قصوى أكثر من سوريا، فليبيا بلد تفوق مساحته المليون كلم مربع وبه ثروات كبيرة وكانت مصالحها كبيرة في ليبيا زمن القذافي…
  • روسيا تريد عمليا الحفاظ على تموقعها في ليبيا للسببين المذكورين أعلاه في النقطة السابقة وهي تُريد التعامل مع تركيا بشكل يوفق بين مصالحها في صفقات السلاح مع الأتراك، وفي نفس الوقت تريد من الأتراك أن لا يكونوا الطرف العسكري المهيمن في ليبيا لأن من يسيطر على الميدان هو الذي يكون له النصيب المميز من ثروات البلد في هذا البلد، وتريد روسيا كسر الطوق الذي فرضه الغرب على الليبيين لمنع التمدد الروسي في ليبيا…
  • الثابت أن النتيجة الاستراتيجية للتفاهمات الليبية التركية لن تُقصى روسيا، بل ستحولها من داعم للجنرال “حفتر” الى صاحبة فرصة في الاستفادة من الكعكة الليبية التي يتقاتل عليها الجميع، ولقاء بين الرئيسين “اردوغان” و”بوتين” والذى سبقته إجراءات تمهيدية من قبل حكومة الوفاق تمثلت فى منح شركة “تاتنفت” امتياز نفطى فى حوض غدامس الواعد، وبدء تنفيذ صفقة شراء القمح من روسيا، تفتح الطريق لإمكانية زيارة وفد ليبي برئاسة السراج للتوقيع على مزيد من التفاهمات التى ترضى روسيا ولا تضر بليبيا مقابل انسحاب المقاتلين الروس، سواء كانوا حكوميين او من شركات خاصة من الميدان..
  • عمليا الاتراك لن يحاربوا الروس فى ليبيا ولكنهم سيحققون لهم نتائج بالتعاون مع حكومة الوفاق تجعلهم يبعدون فكرة الحرب، فالروس أيضا “يريدون العنب ولا يعنيهم رأس الناطور” على حد استشهاد محمد البصير أي مستشار حفتر السابق والمنشق عنه والمقيم في الولايات المتحدة الأمريكية حاليا (تدوينته الأخيرة)…
  • الثابت أن الخطة التركية لإعادة الاستقرار هي خطة سياسية لها ذراع عسكرى وايضاً ذراع اقتصادي، وليست مجرد قرع لطبول حرب وتزويد بسلاح وذخائر، وهى تتعارض فقط مع تطلعات اوروبا الغربية وخاصة إيطاليا وفرنسا التي تعتبر انها وصية على ليبيا وأحق بفرصتها الاقتصادية، وهى ايضا لا تصطدم بالقلق الأمريكي من تواجد عسكري روسي في ليبيا بل تخدمه…
  • سيضطر المصريون لو حضر عندهم العقل خلال الأيام القادمة بالتماهي مع التوجه الروسي/التركي المرتقب تأكيده خلال لقاء القمة، عبر فتح قنوات التعامل مع حكومة الوفاق، ومن ثم الاستفادة من عمليات اعادة الإعمار الضخمة التي ستتعدى الربع ترليون دولار خلال خمس سنوات، ومقابل ذلك قد يستمرون في رهن مصالحهم مع جنرال بات يواجه قوى أكثر تأثيرا منه ولا قبل له بمواجهتها ومن ثم الحلم بتوطين 8 مليون مصري في الشرق الليبي وهي أمنية لن تتحقق…
  • الخلاصة أن الساعة بدأت تدور على حد عبارات تدوينة “محمد البصير” الأخيرة في اتجاه جديد، بل أن النقلات السياسية الكبرى قد حلت مصحوبة أيضا بالفرص الاقتصادية ولتحل عمليا محل الأدوات القزمية وساعات “الصفر” التي عجزت لما يقارب التسع شهور من تحقيق أي نتائج وربما تكون تلك المركبة والمتصرف فيها يوم 12 ديسمبر الماضي هي الأخيرة في انتظار لقاء برلين على مستوى القمة بعد 20 يوما..

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 26 ديسمبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق