الجزائررأيشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

الجزائر و الدور الفاعل لِحَلِّ الأزمة الليبية

تُعَدُّ الأزمة الليبية من أبرز التحدّيات الإقليمية التي تواجه حكم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بسبب تصاعد التوتّر على أكثر من صعيد أمني و عسكري جراء القرار الذي اتخذه البرلمان التركي يوم الخميس الماضي بالموافقة على مذكرة إرسال قوات عسكرية تركية إلى ليبيا ، الأمر الذي سيكون له تداعيات و تهديدات حقيقية على دول الجوار، وفي مقدمتها الجزائر،بوصفهامن أكثر الدول المغاربية التي تواجه الإرهاب ومافيات تهريب السلاح و البشرفي منطقة الصحراء الكبرى.

ونظرًا لخطورة اندلاع حرب إقليمية في المنطقة من جراء الأزمة الليبية سارع الرئيس الجزائري إلى دعوة “المجلس الأعلى للأمن” للانعقاد بعد سنوات من التعطيل في عهد الرئيس السابق.ويُعد المجلس الأعلى للأمن، هيئة استشارية مكونة من كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين في الدولة برئاسة رئيس الجمهورية، تجتمع عادة في الظروف الأمنية الاستثنائية أو لمواجهة خطر داهم على البلاد.

هل تدعم الجزائر حكومة الوفاق عسكريًا؟

في ظل تزايد التدخلات الإقليمية و الدولية لمساندة طرفي الصراع المتورطين في الأزمة الليبية،و هما قوات اللواء خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، و حكومة فايز السراج المعترف بها دوليًا، أكد المتحدث باسم “الجيش الليبي” التابع لحكومة الوفاق، محمد قنونو أن “ليبيا تسعى لمزيد من التعاون مع دولة الجزائر، وأن رئيس الحكومة، فايز السراج دعا الجزائر، إلى تفعيل اتفاقيات التعاون الأمني بين البلدين لصد العدوان الذي تتعرض له العاصمة “طرابلس” من قبل “حفتر” وداعميه.

وأشار “قنونو” إلى أنّ “هناك اتفاقية أمنية موقعة بين البلدين تحتاج فقط إلى إعادة تفعيل، موضحا أن هناك محادثات أجراها سابقا وزير الداخلية الليبي مع الجزائر بشأن التدريبات لعناصر الأمن الليبي، وإبداء الأخيرة استعدادها لمد يد العون”، وفق تصريحاته لصحيفة “الشروق” الجزائرية.

غير أنّ الاتفاقية المعنية التي تريد حكومة فايز السراج تفعيلها، هي اتفاقية أمنية وقعتها الجزائر مع ليبيا في عهد النظام العقيد القذافي في آب/ أغسطس 2001، وتتعلق بمكافحة الإرهاب وحفظ الاستقرار، وجرى تحديثها خلال انعقاد الدورة الثانية للجنة الأمنية المشتركة في فبراير 2012، لتتماشى مع التحولات الجديدة التي شهدتها ليبيا.

لكن من يعرف تقاليد المؤسسة العسكرية الجزائرية ، يعي جيدًا أنّ الجزائر لن تتورط في أي نزاع عسكري خارج حدودها ،لا سيما الانحياز لطرف عسكري و سياسي على حساب طرف آخر، فالدستور الجزائري يمنع تدخل الجيش خارج الجزائر، لكن هذا لايعني عدم إمكانية تقديم الدعم بوسائل أخرى عديدة، يمكن توقع أشكال ذلك الدعم في تقديم التسهيلات اللوجستية للقوات البحرية والجوية التابعة للوفاق أو لأي قوات لدول داعمة للحكومة.

ورغم أنّ الجزائر تعترف بحكومة الوفاق التي يترأسها فايز السراج، وهو مايجعلها على توافق نظري على الأقل مع تركيا لدعم حكومة الوفاق، فإِنَّ الدولة الجزائرية تتوجس من زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة إلى تونس وحديثه عن إمكانية نشر قوات تركية في ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني.

فمن الصعب جدًاأن نتصور الدولة الجزائرية تتخذ قرارًا بالتدخل العسكري في الشأن الليبي لحسمه لجهة هذا الطرف أو ذاك،لا لاسيما أنَّ ظهور فكرة إرسال قوات تركية إلى ليبيا يصطدم عند الجزائريين بهواجس التدخلات الأجنبية المرفوضة من حيث المبدأ في الجزائر. فالمؤسسة العسكرية الجزائرية لديها عقيدة ثابتة في هذا المجال ترفض التدخلات العسكرية الأجنبية،لكن الجيش الجزائري يخوض الحرب على الإرهاب في الداخل الجزائري ،وعلى الحدود المترامية الأطراف و المشتركة بين الجزائر ومالي والنيجر وليبيا ضد تحركات التنظيمات الإرهابية مثل “داعش والقاعدة وبوكو حرام” التي تتخذ من الجنوب الليبي،والصحراء الكبرى،ملاذات آمنة .علمًا أنَّ هناك ترابط قوي بين ملّفي ليبيا والسّاحل، لأنّ ما يحدث في ليبيا مؤشّر خطير على ما سيحدُث من تغييراتٍ في الصّحراء الكبرى وامتدادها السّاحلي، وهو ما دعا إلى ترتيب زيارة، لم تكن مبرمجةً في أجندة الرّئيس الفرنسي، ماكرون، إلى ساحل العاج، قصد تحضير رّد عسكري وأمني، من هناك، على الضّربات الموجعة للإرهاب في مثلث الرعب الواقع بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، شركاء باريس في مجموعة الخمس دول للسّاحل، إضافة إلى تصاعد الانتقادات السّاحلية ضد الوجود الفرنسي الأمني/ العسكري، من ناحية، والاقتصادي من ناحية أخرى.

فكل العارفين بالشؤون الجزائرية، يستبعدون تمامًا أي تحالف عسكري مستقبلي بين الجزائر وتركيا وتونس لدعم حكومة الوفاق الوطني، لأنَّ ذلك يتناقض مع الدستور وعقيدة الجيش الجزائري.فثمة إجماع في الجزائر على أنَّ الجيش الجزائري تقتصر مهمته على الدفاع عن الأراضي الجزائرية داخل حدود البلاد، وهذا الأمر لن تغيره الأزمة الليبية. وكانت الدولة الجزائرية في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة رفضت إرسال الجيش الجزائري للقتال في مهمات خارجية كما طالبت بذلك فرنسا حين تعلق الأمربأزمة الساحل، لأنَّها تُدْرِكُ أنَّ تَدَخُلَهَا العسكري سيُفاقم الوضع ولن يحل الأزمة، وهي اليوم ستمضي في نفس الطريق لعلمها أنَّ التدخل لصالح طرف ليبي مهما كان لن يصب في جهود إحلال السلام بهذا البلد.

رغم إِنّ ليبيا تمثل المجال الحيوي الاستراتيجي لليبيا، فإِنَّ الديبلوماسية الجزائرية كانت غائبة خلال السنوات الماضية ،ولم تكن فاعلة وحيوية بشأن إيجاد مخرج وطني للأزمة الليبية،وهذا ما قادإلى أن تصبح ليبيا ساحة لصراع دولي وإقليمي.ويُرْجِعُ المحللون إلى غياب هذه الدور الإقليمي الفاعل للديبلوماسية الجزائرية إلى بقاء الجزائر من دون رئيس يدافع عنها في الاجتماعات الدولية الكبرى لسنوات طويلة بعد مرض الرئيس بوتفيلقة.

غير أنّه بعد التحركات التركية الاخيرة في ليبيا ، قررت الجزائر يوم الخميس الماضي الدخول بقوة على خط الازمة الليبية عبر القيام بمبادرات حوار بين الأطراف الليبية، على أن تتم مبادرات الحوار تلك داخل الجزائر.فقدأعلن وزير الخارجية الجزائري، صبري بوقادوم،يوم الخميس 2يناير2020،رفض بلاده لكل أشكال التدخل الأجنبي في شؤون ليبيا ،مؤكدًا أنّ بلاده ستقوم بمبادرات حوار بين الأطراف الليبية، على أن تتم مبادرات الحوار تلك داخل الجزائر.

القوى السياسية الجزائرية تؤيد موقف الدولة

الذي يتابع مواقف القوى السياسية الجزائرية على اختلاف مشاربها الفكرية و السياسية يلمس بوضوح ٍإِنَّ هناك تطابقًا بين مواقفها والموقف الرسمي الجزائري بشأن الأزمة الليبية. فقد أعلنت “حركة البناء الوطني”، المنشقة عن تنظيم الإخوان المسلمين في الجزائر ،على لسان رئيسها، عبد القادر بن قرينة، في تجمع شعبي عقده اليوم الأربعاء الماضي : “في التحدي الأمني سنكون داعمين للدولة الجزائرية ولا نناقضها أبدًا”، مُشَدِّدًا على دعم حزبه موقف الدولة الجزائرية بشأن “رفض أي تدخل في الشأن الداخلي لأي دولة جارة”.وحسب بن قرينة بن قرينة، فإنَّه “مهما اختلفنا مع السلطة فإنَّنا لن نختلف معها مطلقًا في عدم الانخراط في سياسة المحاور بل إننا سوف نكون داعمين لها مجندين ويقظين في سياسة الدفاع والأمن، وفي المحافظة على الاستقلال، وفي الدفاع عن السيادة وكذلك في مبادئ العلاقات الخارجية والتي تحقق حتما المصلحة العليا للوطن تلك المصلحة الواضحة والمتفق عليها”.

ولا تخفي “حركة مجتمع السلم”، أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر، وقوفها وراء موقف الدولة الجزائرية بشأن التطورات الراهنة في ليبيا. وقال رئيس الحركة، عبد الرزاق مقري، إنَّ “ما يحدث في ليبيا خطير على الجزائر.. ويمثل خطرًا على الأمن القومي الجزائري وموقفنا لحل الأزمة من موقف الدولة الجزائرية”.وأعلن أنَّه يدعم موقف الجزائر الرسمي، الذي يقف مع الحل السلمي والسياسي والحلول الحوارية والدبلوماسية، وكذا اعترافها بحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج المعترف بها دوليا، مشيرا إلى إِنَّ “الجهات غير الشرعية في ليبيا هي التي تجاوز القوانين الدولية وتقوم بحشد الكثير من القوى لإثارة الحرب هناك واستقدام المرتزقة لخوض حرب بالوكالة”.

ويدعم حزب “جيل جديد” مواقف الدولة الجزائرية بشأن الوضع في ليبيا ولا يخفي تحذيره من خطورة انتقال بؤر التوتر إلى المنطقة، إذ اعتبر رئيس الحزب، جيلالي سفيان، في ندوة صحافية عقدها أخيراً أنَّ “مواقف الدولة الجزائرية رزينة حتى الآن لكنها تتطلب تطورا إضافيا في علاقة باستغلال الثقل الإقليمي للجزائر لمنع التلاعب بالمنطقة”.

وليست الأحزاب السياسية وحدها التي تبدي هذا الموقف،فالحراك الشعبي الذي يناوئ السلطة السياسية، يبدي التوجه ذاته، إذ كان واضحا من شعارات وهتافات في مسيرات الطلبة يوم الثلاثاء الماضي دعم الموقف الرسمي إزاء ليبيا. وهتف الطلبة بما يفيد أنه إذا تعلق الأمر بأي تطور على الحدود مع ليبيا فإن الطلبة مستعدون للمساهمة في أي جهد وطني للدفاع عن السيادة الوطنية.

ورأى منتدى “الحراك الأصيل”، أحد مكونات الحراك الشعبي في وثيقة طرحها قبل أيام، أن التطورات الإقليمية المحيطة بالجزائر تفرض وضع “مقاربة شاملة تزاوج بين الردع والاستباق واليقظة الاستراتيجية والأمن والدفاع والتركيز على خطة مبتكرة عسكرية-دبلوماسية تحفظ التوازنات الكبرى للإقليم بتأمين ليبيا والساحل خصوصا وفقا للمصالح الاستراتيجية العليا لأجندة الجزائر”

وفي السياق، تدفع قوى ونخب سياسية السلطة السياسية الجديدة في الجزائر لاستعادة الموقف والدور الدبلوماسي للجزائر إقليميا ودوليا، وأيدت في مجموعها مضمون خطاب الرئيس الجديد عبد المجيد تبون في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2019والذي تضمن إشارات إلى الأزمة الليبية، ثم الاجتماع الأخير لمجلس الأمن القومي لتدارس الوضع على الحدود مع ليبيا ومالي.وكان تبون قد خص ليبيا بجزء من خطابه، وجدد تمسك بلاده بحماية وحدة ليبيا، وأكد أن الجزائر يجب أن تكون شريكة في أي مسار لحل الأزمة، على خلفية استبعاد الجزائر من مؤتمر برلين المقرر لاحقا حول ليبيا. وقال إنَّ “الجزائر لن تقبل أبدا أن يتم إبعادها عن أي حل في ليبيا”، مضيفا: “نحن معنيون باستقرار ليبيا أحب من أحب وكره من كره”، داعياً “جميع الليبيين إلى تجاوز خلافاتهم التي تحول دون تحقيق وحدة ليبيا التي يجب أَنْ تظل موحدة”.

خاتمة:
تقتضي أيّة استراتيجية وطنية لمحاربة الإرهاب،وبناء الدولة الوطنية في ليبيا ،أي دولة كل المواطنيين الليبيينن،أن يُغَلِّبَ الليبيون منطق الحوار الوطني فيما بينهم.وتشير التطورات الأخيرة في ليبيا إلى إنّ الحرب الكبيرة ذات الطابع الإقليمي والدولي ممكن أن تقع،لا سيما أنَّ الفريقين المتورطين في هذا الصراع العسكري،وهما:الجنرال خليفة حفتر وحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج المعترف بها دوليا، تصطف وراءهما مناطق وقبائل وجماعات مقاتلة، فضلا عن قوى إقليمية ودولية لا تخفي دعمها لهذا الفريق أو ذاك.فلا سبيل للخروج من الأزمة الليبية إلاَّ عبر إعادة تفعيل الحوار الوطني بين الليبيين أنفسهم، ولا لاسبيل لنجاح هذا الحوار ما لم تكن للقبائل بمختلف تموقعاتها ومواقفها ـ مع أو ضدّ المرحلة السابقة ـ موافقة على ذلك.فقد سعت القبائل في مختلف المناطق الليبية إلى حماية نفسها وحياضها وأفرادها عبر جمع كميات كبيرة من الأسلحة بما في ذلك المدرعات والدبابات والمدافع قصد تأمين توازن الرعب مع الجهات والقبائل الأخرى. ولهذا فالقبائل اليوم هي عنصر مهم في السنوات الأخيرة، وهي التي تتحكّم جزئيا في المليشيات وهي القادرة على إقناعها بالاندماج والتخلي عن هذه الكميات الهائلة من السلاح وإيجاد الحوار الوطني.

ومن يريد للحوار السياسي أن ينجح وأن يجمع الليبيين إلى طاولة المفاوضات، عليه أن يأخذ في الحسبان المعطى القبلي وأن يدمجه في أي برمجة مستقبلية شريطة تجاوز الاختلاف والصراعات السياسية والجهوية. ولهذا على الليبيين أن يغلّبوا منطق الحوار في ما بينهم وأن تساعدهم دول الجوار أي تونس والجزائر ومصر في إنجاح هذا الحوار. فقد كان المجتمع الليبي دائما، وعلى امتداد قرون طويلة لا يحلّ مشاكله الداخلية إلا إذا ما تدخل المعطى الخارجي أي دول الجوارالعربية.

أي استراتيجية ناجحة لمحاربة الإرهاب في ليبيا، عليها أن تأخذ بعين الاعتبار الدور المفصلي الذي يجب أن يقوم به الجيش الجزائري في هذه الاستراتيجية على الصعيد الإقليمي،حيث صنّف‮ ‬المعهد‮ ‬الأميركي‮ “‬الدفاع‮ ‬الاستراتيجي‮ ‬والاستعلام‮” ‬الكائن‮ ‬مقره‮ ‬بولاية‮”ميرلاند”‮ ‬في‮ ‬آخر‮ ‬تقرير‮ ‬له‮ ‬الجيش‮ ‬الوطني‮ ‬الشعبي‮ الجزائري ‬على‮ ‬رأس‮ ‬جيوش‮ ‬شمال‮ ‬إفريقيا،‮ ‬منتزعا‮ ‬الصدارة‮ ‬لأول‮ ‬مرَّة‮ ‬في‮ ‬التاريخ‮ ‬من‮ ‬الجيش‮ ‬المصري‮. وأبرز التقرير الذي اهتم بمستقبل الصناعة الجزائرية في مجال الدفاع،أهمية التجهيزات العسكرية التي يتوفر عليها الجيش الوطني الشعبي، الذي انخرط في مسار العصرنة لمواجهة التهديدات الإرهابية المتزايدة بالمنطقة. ويأتي الجيش المصري حسب التقرير في المرتبة الثانية، فيما يحل الجيش المغربي في المرتبة الثالثة، متبوعا بالجيشين التونسي والليبي في المرتبتين الرابعة والخامسة على التوالي، ويختم الجيش الموريتاني القائمة، إذ يأتي في المرتبة السادسة.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

كما يشير التقرير إلى الميزانيات التي تخصصها دول شمال إفريقيا للدفاع، وفي هذا الخصوص، تحتل الجزائر مرتبة الصدارة على أساس أنَّها تؤدي “دورًا مُهِمًا في استقرار المنطقة”، وتُسَخِّرُ موارد بشرية ومادية معتبرة لتأمين حدودها الواسعة. ‬ويرجع المعهد هذا الارتفاع في النفقات العسكرية إلى حالة عدم الاستقرار التي تشهدها دول المنطقة بسبب “الربيع العربي”، وما نجم عنها من بروز لمجموعات إرهابية جديدة مزودة بأسلحة ثقيلة تهدد أمن الدول. وتبقى الجزائر ـ حسب التقرير ـ الدولة الوحيدة بالمنطقة التي تملك الإمكانيات لمواجهة هذا التهديد الإرهابي .

وبعد تطورات المشهد الليبي الداخلي وما عرفه من استقطاب شرقي-غربي، ومع إزاحة حكومة محمد مرسي بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، وبعد دخول تونس في حالة ركود اقتصادي مزمنة وتراجع ألق الثورة التونسية، وقع تطور جليٌّ في مواقف دول الجوار؛ فقد وضعت مصر ثقلها السياسي والعسكري لترجيح كفة جبهة الشرق الليبي، بينما ازداد حذر الجزائر من الدور المصري في ليبيا، وأعلنت الجزائر عن مقاربة لحل الأزمة الليبية تقوم على الحوار الشامل والتفاوض وإلقاء السلاح. ولا يتبعد الموقف التونسي كثيرًا عن الموقف الجزائري.

أما السودان فقد تحول من داعم لجبهة طرابلس إلى التقارب مع موقف طبرق في الشرق. وقد نجحت الدول العربية الثلاث (مصر والجزائر وتونس)، رغم تباين حساباتها، في الإعلان عن موقف موحد تجسَّد في مبادرة ثلاثية تقوم على تشجيع الحوار وعدم إقصاء أي طرف ليبي مع التمسك بوحدة التراب الليبي والابتعاد عن الحل العسكري وتنسيق جهودها مع الجهود الدولية والقارية التي تهتم بحل الأزمة الليبية.

فالبلدان الوحيدة التي يحق لها التدخل في ليبيا هي الجزائر و تونس ومصر بحكم الجوار.أما تركيا و الدول الغربية الكبرى ،فإنَّ مصالحها الجيو استراتيجية هي التي تحركها للتدخل في الأزمة الليبية، لأنها تعتقد أنَّ السيطرة على هذا البلد فرصة للتوسع واقتناص مكاسب خاصة في مجال الطاقة الحيوي.ورغم الغياب الدبلوماسي الجزائري وترك الساحة للاعبين دوليين وإقليميين آخرين، فإنَّ هناك معطيات جغرافية وسياسية تؤكد أنَّه لا يمكن حلّ الأزمة الليبية من دون الجزائر.

فالجزائر عكس الدول الكبرى والإقليمية الباحثة عن مطامع اقتصادية، مطالبة بالتحرك في المسرح الليبي ليس من أجل مكاسب مادية ولكن لأن أي حرب في ليبيا ستهدد بشكل مباشر الأمن القومي الجزائري.وقد أظهرت الدولة الجزائرية مخاوفها من تداعيات التدخل العسكري التركي و الدولي في الأزمة الليبية، الأمر الذي يدفعها على الفور لتفعيل دور الدبلوماسية الجزائرية المعروفة بكفاءتها دوليا.فالدبلوماسية الجزائرية، التي حلَّت عديد القضايا الكبرى على غرار قضية الرهائن الأمريكان في إيران قادرة على التدخل بين الفرقاء الليبيين والوصول إلى حلول وسطى بينهم من أجل إعادة لم شمل الليبيين، و إيجاد تسوية مرضية للأزمة الليبية.

وتوقعت تقارير عربية أًنْ يكون لتونس و الجزائر دور حاسم في حل الأزمة الليبية، لكن بعيدًا عن التدخل العسكري التركي، الذي سيزيد من تعقيد الوضع، لا سيما مع إرسال تركيا إرهابيين من سورية إلى ليبيا.

بقلم : توفيق المديني

المصدر : مجلة البلاد اللبنانية العدد رقم 213 بتاريخ السبت 4 جانفي 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق