الجزائرتقاريرسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

مخرجات مؤتمر برلين والأدوار المرتقبة للجزائر

بقلم :  أبو رسلان

خلال مُداخلته في الندوة الدولية حول ليبيا الاحد الماضي بالعاصمة الألمانية، أكد الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون” رفض بلاده “جُملة وتفصيلا” لسياسة فرض الأمر الواقع بالقوة بليبيا، مسجلا استعداد الجزائر لاحتضان الحوار بين الأشقاء الليبيين، كما جدد في ذات الإطار “دعوته للمجتمع الدولي ومجلس الأمن بوجه أخص لتحمل مسؤولياته في فرض احترام السلم والأمن” مضيفا أن “الجزائر ترفض المساس بوحدة ليبيا الترابية وسيادته ومؤسساته الوطنية”، فما هي رؤية الجزائر للملف الليبي وأفق تحركها المستقبلي، وكيف ستتعامل كدولة جارة مع مختلف المواقف والمقاربات خاصة وأن الرئيس تبون قد أجرى محادثات على هامش الملتقى/الندوة الدولية حول ليبيا مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان ورئيس المجلس الأوروبي “شارل ميشال”؟

  • عمليا انتهى مؤتمر برلین وبعده سیبدأ فصل جديد في أزمة جد معقدة، وهو فصل ينتظر فیه أن يتم وضع خارطة طريق لتجسید مخرجات المؤتمر بما يضمن حلا سیاسیا للأزمة وقطع الطريق أمام التدخلات العسكرية، وھو ما كانت تلح الجزائر في طلبه وهو أيضا ما يتناسب مع العقيدة الدبلوماسية الجزائرية والتي ترتكز على عدم السماح لدول من خارج الدائرة المغاربية بالتدخل في شأن أي من دول المنطقة، ومعلوم أن الحكومات الجزائرية السابقة منذ الثمانينات كانت تضم حقيبة خاصة بالشؤون المغاربية والافريقية إضافة الى حقيبة الشؤون الخارجية، ومعلوم أنه سنة 2015 رعت الجزائر حوارات بين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الليبي، كما يحتفظ الدبلوماسيون الجزائريون بشبكة علاقات كبيرة وممتدة وودية مع الناشطين والباحثين والجامعيين الليبيين من المناطق الثلاث ومع قوى سياسية واجتماعية بما في ذلك “التبو” و”الطوارق” وأهم الفاعلين في أكبر القبائل الليبية على غرار قبيلة “ورفلة” وهذه الأخيرة هي القبيلة الأكبر وذات الانتشار الواسع في كل ارجاء ليبيا…
  • وان اختلف البعض من المتابعين والمراقبين حول المشاورات والمخرجات الخاصة بمؤتمر برلين وحول مدى التقدم والايجابية في التعاطي مع حل الملف خلال الأسابيع والأشهر القادمة، فان المتحدث باسم الرئیس الروسي “دمیتري بیسكوف” قد لخص القراءات على اختلاف تقديراتها وتقييماتها عبر تقديمه للرؤية الروسية لمخرجات المؤتمر من خلال تأكيده أن “الكرملین يُقیم إيجابیا المؤتمر المعني بلیبیا” وأكد مُضيفا “نقدر بشكل إيجابي، لقد اُتخذت خطوة مھمة للغاية نحو التسوية النھائیة وسیستمر العمل بناء على تلك الخطوة المھمة الأولى، تحت رعاية الأمم المتحدة..”، وهذا الموقف والتقييم الروسي تتبناه الجزائر الساعية لتأكيد عودتها في التعاطي مع الملفات الحارقة والتي سبق لها أن كانت حاضرة بقوة فيها على غرار الملفين الليبي والفلسطيني مضاف إليهما ملفات دول الساحل والصحراء الافريقيين…
  • الجزائر هي الدولة الوحیدة في المغرب العربي التي شاركت في ھذا المؤتمر بعد اقصاء غير مبرر للمغرب ورفض الرئيس التونسي “قيس سعيد” حضور المؤتمر بناء على أن الدعوة كانت متأخرة، وقد مكن المؤتمر الجزائر من الدفاع عن مقاربتھا والتي تعتمد أساسا على منع وجود أي تدخل عسكري أجنبي وكذا حل الأزمة سیاسیا عن طريق عودة الأطراف المتنازعة إلى طاولة الحوار، ويمكن القول أن الجزائر خرجت منتصرة من مؤتمر برلین لنقطتین رئیسیتین، كانتا محل إشادة وشبه إجماع من طرف المراقبين والمحللين ومن طرف المحللین السیاسیین في أغلب القنوات العربية والأجنبية وكذا من رواد مواقع التواصل الاجتماعي الجزائريين والعرب:
  • النقطة الأولى، وتتمثل في توافق الرؤى للمُشاركین وكذا مخرجات اللقاء مع مقاربة الجزائر الى حد بعید…
    النقطة الثانیة، وتتمثل في عودة الجزائر الى الساحة الدبلوماسية بمشاركة رئیس الجمهورية “عبد المجید تبون” في المؤتمر وخطفه للأضواء، من خلال لقائه مع عدد من زعماء العالم…
  • التقى الرئيس الجزائري مساء يوم الأحد ببرلین على هامش المؤتمر مع الرئیس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، والرئیس التركي “رجب طیب أردوغان”، واستقبل رئیس المجلس الأوروبي “شارل میشال”، كما كان المؤتمر فرصة له للقاء الرئیس الروسي “فلاديمیر بوتین” والرئیس المصري “عبد الفتاح السیاسي” وكذا المستشارة الألمانیة “انجیلا میركل”، وهي لقاءات وان اتسمت بالكلاسيكية والبروتوكولية والتشاور حول العلاقت الثنائية فانها أكدت العودة القوية للجزائر كطرف إقليمي وانها أيضا ستكون رقما مهما ورئيسيا في إدارة الملف الليبي مستقبلا ومحددا في ابجديات وتفاصيل الحل، وقد دافع “تبون” بشكل مباشر عن سیاسة الجزائر اتجاه الأزمة الليبية من خلال رفضه “جملة وتفصلا” لسیاسة فرض الأمر الواقع بالقوة في لیبیا، مؤكدا عن استعداد الجزائر لاحتضان الحوار بین الأشقاء اللیبیین، كما دعا في كلمة له أمام المشاركین في ندوة برلین حول الأزمة اللیبیة، المجموعة الدولیة مجددا إلى “تحمل مسؤولیاتھا في فرض احترام السلم والامن في ھذا البلد الذي ترفض الجزائر المساس بوحدته الوطنیة وسیادة مؤسساته”. وقال تبون: “نحن مطالبون بوضع خارطة طريق واضحة المعالم وملزمة للطرفین، تشمل تثبیت الھدنة والكف عن تزويد الأطراف اللیبیة بالسلاح لإبعاد شبح الحرب عن كل المنطقة ودعوتھم إلى طاولة المفاوضات لحل الأزمة عبر الحوار وبالطرق السلمیة لتفادي الانزلاق نحو المجھول
  • حرص الرئیس الجزائري أيضا على التأكيد بأن المنطقة “بحاجة إلى استقرار مبني على منظومة الأمن المشترك”، لیجدد “تمسك الجزائر بالنأي بالمنطقة عن أي تدخلات أجنبیة”، قائلا بھذا الخصوص: “أمن لیبیا ھو امتداد لأمننا وأفضل طريقة لصون أمننا القومي ھو التعامل والتكاتف مع جیراننا لمواجھة الإرھاب والتطرف”، والثابت أن الجزائر قد عادت بقوة للفعل الإقليمي والدولي ذلك أن دول المحورين الإقليميين مُضطرة للتعامل والتعاطي معها في أي خطوة ومراعاة مواقفها وموقعها، كما ان كل الأطراف الدولية تتعاطى بإيجابية مع الرؤية الجزائرية فالروس حلفاء للجزائريين ولن يقطعوا أي خطوة الا بوضع الجزائريين في الاعتبار وتموقعهم في مربعات الحلول وهو ما جسده الأتراك عبر قطع أكثر من خطوة تجاه الجزائريين بل بدأ عمليا رسم شراكة استراتيجية كبرى بين البلدين اما بقية أعضاء مجلس الامن الدائمين أي أمريكا وفرنا والصين وبريطانيا يفعون جيدا الدور الرئيسي والاستراتيجي للجزائر، وكل ذلك يعني إعطاء مساحات للجزائريين ليكون الحل في الأخير من حيث أبجدياته مغاربيا أولا وأخيرا فتونس هي الجارة الأقرب للبيين وهي دولة لا مطامحة مباشرة لها بينما المغرب هي من رعت اتفاق الصخيرات وعارفة بمفردات وتفاصيل الملف الليبي ما يعني تكاملا بين الدول الثلاث في رعاية حل وتسهيل الحوارات والمشاورات والمفاهمات…

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 23 جانفي 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق