تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

الدُول المغاربية: النجاعة والفاعلية في إدارة ملف الأزمة الليبية

بقلم : علي عبداللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي وباحث مختص في الشؤون الافريقية

تَطوّرت خلال الأسابيع والأيام الماضية، فاعلية الدول المغاربية الأربع المُكونة مع ليبيا للاتحاد المغاربي في رُؤيتها وتعاملها مع ملف الأزمة الليبية، وبدا من الواضح أن تلك الفاعلية ستتطور أكثر خلال الأيام والأسابيع القادمة وسط حراك قوي واستثنائي للدبلوماسيين المغاربة ونظرائهم في دول الجوار الليبي بعد اجتماع الجزائر الأخير، وهو حراك مُنتظر تواصله وتأثيره خاصة في ظل تركيز المحور “الاماراتي/السعودي/المصري” على محاولات استقطاب كل من تونس والجزائر إلى صفّه و دفعهما إلى تبني رؤى دول المحور المُعلنة أو تحييد أحدهما أو كليهما في حد أدنى، ومن ثم مُحاولة التقليص من ترتبات الخطوات التركية في المنطقة وخاصة بعد خطوات الاتراك تجاه البلدين وخاصة اثر زيارة الرئيس “رجب طيب أردوغان” وبقية المسؤولين الاتراك للجزائر خلال المدة الماضية بل وامضاء اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بينهما…

وفي قراءة للتطورات المُتسارعة خلال الفترة الماضية تبدو مواقف كل من المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا مؤيدة لحكومة السراج وان تباينت في التفاصيل سواء من حيث طُرق دعمها سياسيا ودبلوماسيا أو في الموقف من” حفتر” وحلفائه المحليين والإقليميين والدوليين(1)، وكل ذلك سيُسرع عمليات ومحاولات جذب وتحشيد للدول المغاربية، لكن ما هي حقيقة مواقف هذه الدول إزاء الأزمة الليبية وماهي مختلف مواقف ديبلوماسيتها؟ وما سر تحرك زعمائها وحكوماتها، وكيف أنه لا خيارات بديلة للبلدان المغاربية عن التكامل والتشاور والفاعلية وتحقيق النجاعة المطلوبة بل وفهم اللحظة التاريخية في ليبيا؟

** المواقف المغاربية من الملف الليبي والرهانات المرحلية

أ_ الثابت أن “العدوان” على العاصمة طرابلس من طرف قوات “حفتر” وحلفائه المحليين والاقليميين، ثم قرار تركيا إرسال قوات عسكرية دعماً لحكومة الوفاق ونيتها تطوير مساعدتها غير المحدودة على كل المستويات خلال الأيام القادمة وخاصة في صورة خرق الهدنة من طرف “حفتر” وحلفائه، وكل ذلك سيُحيل إلى تداعيات لا داخل ليبيا فقط، بل في كل المنطقة المغاربية والتي ستبقى معنية بشكل أو بآخر بهذه التطورات والتداعيات، ذلك أن دول مثل تونس والمغرب والجزائر تبتعد بنسب مختلفة ومنذ مدة عما يأمله العسكري المتقاعد “خليفة حفتر” وداعميه الإقليميين والدوليين، باعتبار أن مواقف تلك الدول لا تختلف في دعم حكومة الوفاق بناء على شرعيتها، وباعتبار أن الدبلوماسيين المغاربة متفقون جميعا في التأكيد على أن حل الأزمة الليبية سياسي بالأساس اضافة الى رفض زعماء تونس وموريتانيا وليبيا أي تدخل عسكري خارجي…

ب_ السؤال المُهم في قراءة مواقف الدول المغاربية الأربع (تونس – المغرب الجزائر – موريتانيا)، هو أين تلتقي وتتقاطع مصالح دُولها مع خطط السياسيين الأتراك من جهة ومع فايز السراج وحكومة الوفاق ومكوناتها من جهة ثانية؟، ثم أي تفاعل للدول المغاربية مع خطط ومرامي المحور “المصري/الاماراتي/السعودي” خاصة وأن هذا المحور الإقليمي المشكل منذ 2017 اثر صعود “محمد بن سلمان” لولاية العهد في المملكة العربية السعودية، أصبح منذ أشهر في حالة تجاذب ثنائي بين دوله الثلاث وخاصة منذ أسابيع؟، وقبل كُل ذلك ماهي تفاصيل مواقف الدول المغاربية من فرقاء الصراع في ليبيا (معسكر الكرامة – أنصار القذافي – ثوار فبراير- أنصار الملكية، وبقية أطراف لا تظهر في الصورة حاليا على غرار بعض “الفيدراليين”)، والسؤال المهم هو لماذا هناك اختلاف في التحفظات ودرجاتها تجاه الجنرال المتقاعد “خليفة بلقاسم حفتر” خاصة وأن هذا الأخير طالما أبدى مواقف مُنزعجة من الدول المغاربية ذاتها حتى أنه أدلى بتصريحات بدت للبعض مُربكة ومفاجئة في السنوات الماضية ليُعدل عنها بعد اطلاقها بطرق وآليات بدت غريبة للمتابعين والمراقبين (تصريحه حول اطلاق سراح إرهابيين ثم توجيههم نحو الحدود التونسية منذ سنتين – تهديده للجزائر بداية 2019….)؟

ت_ الدول المغاربية الأربع تدفع منذ سنوات ضريبة عدم التنسيق في ما بينها كما تدفع دوما وباستمرار تكاليف فاتورة “تكلفة ألا مغرب”  (2) ، وهي الأمور والأسباب التي حكمت سابقا على “اتحاد المغرب العربي” بالفشل والغياب الفعلي بما في ذلك بعض “الرسميات البروتوكولية” منذ سنة 1994، وها هي اليوم لم تستطع الوصول إلى موقف موحد واضح بخصوص ما يجري في ليبيا منذ 2014، كما أن سياسات البلدان المغاربية الخارجية تتأثر باستمرار بعوامل إقليمية مُتعددة، ولكن إمكانية أو “بعبع” تحوّل ليبيا إلى “سوريا جديدة” سيخلق لبلدان الجوار وخاصة المغاربية منها مشاكل أمنية خطيرة، فهل سيضطرها كل ذلك إلى التحالف فيما بينها ويحرك ديبلوماسياتها خاصة بعد تواصل الاتراك بزعمائها بل وبدء مشاورات واتفاقات مع بعضها ومن ثم محاولة جذبهم أو توظيفهم أو التكامل معهم، وهو ما يفسر في أحد وجوهه تحرك الدبلوماسية الإماراتية تجاه كل من تونس والجزائر خلال الأيام الماضية اثر التحركات التركية تجاه المنطقة وتحقيقها لمكاسب وفاعلية في المنطقة المغاربية( زيارات عبدالله بن زايد لبعض دول المنطقة خلال الأسبوع الأخير من جانفي 2020)؟…

ث_ سابقا خيّرت الدول المغاربية الصمت أو التحرك السلبي من حيث النتائج والتأثير على غرار مآلات ما سمي بالمبادرة الثلاثية (الجزائر – تونس – مصر)، ولكنها حاليا كدول مغاربية تبدُو قلقة جدا من إمكانيات ومخاطر وصول “حفتر” منتصر عسكريا الى المُثلث الحدودي بين تونس والجزائر وليبيا، ومعلوم أنه سبق لمستشارين عسكريين وأمنيين تونسيين أن نبهوا الرئيس التونسي السابق والراحل الباجي قائد السبسي سنة 2015 من مخاطر ذلك على تونس والجزائر (3) ، كما نقل سابقا عن مسؤولين جزائريين نهاية سنة 2017 قلقهم وتحذيرهم المستمر من إمكانيات أن يصل عسكريون للحكم في ليبيا بدعم خارجي سواء كان ذلك الدعم خليجيا أو عربيا مشرقيا أو أجنبيا…

1-تونس، فاعلية مستقبلية مُرتقبة رغم حدّة الارتباك الحالي

أ_ لاحظ كُل المتابعين أن الرئيس التونسي “قيس سعيّد” قد أكد خلال كلمته بمناسبة السنة الجديد ة، أن مرجع بلاده بشأن ما يجري في ليبيا هو “القانون وليس أزيز الطائرات”، وعمليا بدت الرسالة مُوجهة بالأساس إلى “حفتر” وحُلفائه، وتم التأكيد لاحقا على نفي كُل التأويلات بشأن وجود تحالف عسكري “تونسي- تركي”، ولكن “سعيد” أكد أيضا أن “الشرعية الدولية هي المرجع، ولكن يجب الانتقال إلى شرعية ليبية-ليبية”، مع أنه دعا غداة انتخابه في 13 “أكتوبر/تشرين الأول” الماضي الى مبادرة “إعلان تونس للسلام”، وقد ركز “سعيد” في منتصف شهر “جانفي/يناير” على “شرعية ليبية ترتكز على مشروعية شعبية”، وهي عمليا رسائل تونسية للتأكيد أن الدعم مُتواصل للسراج باعتبار أنه مدعوم دوليا وأمميا قبل أي شيء آخر وقبل أي دعم آخر مفترض له والجزء الأخير من التأكيد مبني على فلسفة سياسية تونسية ترفض في مضمونها أي اصطفاف لأي من المحاور الإقليمية القائمة…

ب_ قامت فلسفة الرئيس “قيس سعيد” على التفاعل الإيجابي مع جميع الدول الشقيقة والصديقة ضمن مراعاة مصالح تونس الاستراتيجية، فهو أولا استقبل الرئيس التركي بحفاوة كبيرة وعقد معه مشاورات مهمة تهم الملف الليبي وتفاعل معه في أطروحاته، ثم استقبل في وقت لاحق مسؤولين اماراتيين واستمع لوجهات نظرهم حول أكثر من ملف في شؤون المنطقة ورؤيتهم للملف الليبي أيضا…تونس ستكون مضطرة خلال الفترة القادمة إلى التعامل البراغماتي والى التحوط والحذر الكبير في التعاطي مع التطورات إضافة للبحث عن فاعلية مُستقبلية مطلوبة تنهي حالة الارباك المُؤقت لدبلوماسيتها، والثابت أن دعم حكومة الوفاق بقيادة فائز السراج أمر مُسلم به، وستكون فاعلية الدبلوماسية التونسية أكثر وضوحا خلال الأسابيع القادمة وخاصة في صورة التوصل مبكر ا لحكومة توافقية بين الكتل النيابية الكبرى وحسن اختيار وزير خارجية براغماتي وملم بالقضايا الإقليمية وقادر على الاستفادة من الخبرات التونسية التي لها دراية بالملف الليبي ( دبلوماسيين سابقين – جامعيين – باحثين – سياسيين واعلاميين لهم شبكات واسعة من العلاقات في المناطق الليبية الثلاث ومع فرقاء الصراع…)

ت_ رغم أن الوضع الأمني في تونس لا يزال هشًا، فإن البحث عن دور أكثر فعالية في دعم حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي وفي دعم اجراء مصالحة بين الفرقاء الليبيين لم ولن يمنع تونس في مواصلة انتقاد قتل المدنيين ومنطق الاعتداء والعدوان وأيضا الاستعداد للسيناريوهات المحتملة لوجستيا وانسانيا وأمنيا، والثابت أن الرئيس التونسي وعلى عكس ما يعتقد البعض له رُؤية ومشروع ومبادرة يعمل عليها منذ مدة بناء على شروط ومحاذير وسط وضع إقليمي متطور ومتغير والأمر ستتوضح معالمه الكبرى خلال الأيام القادمة بعد أن تكتمل مشاوراته مع كل الفرقاء الليبيين الذين لا يزالون يعقدون اجتماعات ومشاورات مهمة على غرار لقاءات الاقتصاديين الليبيين في ضواحي العاصمة بداية شهر جانفي أو لقاءات وندوات مجموعات وناشطين من بينها ناشطي “صُناع السلام” والذين عقدوا خلال الأشهر الماضية أكثر من ندوة أو لقاءات برلمانيين ليبيين في مدينة الحمامات السياحية خلال الأيام الماضية ..

2- الجزائر أو البلد العائد بقوة والوازن سياسيا وعسكريا في أي حل

أ_ معلوم أن الجزائر كانت منذ أشهر مُنشغلة أكثر بوضعها الداخلي، وهو الأمر الذي قلّل من وتيرة اهتمامها بالعمل الديبلوماسي، لكن مع وصول تبون للرئاسة ومباشرة حكومة جديدة لعملها نهاية الأسبوع الماضي، فالجزائر ترغب عمليا باستعادة حيويتها في الفضاء الإقليمي، وبشكل آلي في ليبيا وهو ما كانت الجزائر واضحة بشأنه في بلاغ مجلس الامن الوطني (4)

ب_ كانت الجزائر أكثر الدول المغاربية وضوحا في رفضها لسياسات ومواقف الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر”، وليست القصاصة التي نشرتها وكالة الأنباء الجزائرية بداية العام الجديد (حذفتها فيما بعد) سوى تأكيد على هذا الموقف عندما وصفت عملياته بـ”العدوان العسكري”، ويتذكر المتابعون أنه خلال بزوغ نجم “حفتر” في مواجهة حكومة الوفاق، زار وزير جزائري مناطق في الجنوب التقى خلالها قيادات عسكرية غير موالية له، وهو ما دفع حفتر يومها إلى انتقاد هذه الزيارة واعتبارها “انتهاكاً لسيادة ليبيا” كما أن حفتر عندما استقبل في الجزائر منذ سنوات تم الاشتراط عليه أن يأتي بلباس مدني، والثابت أن “حفتر” لم يكن ليذهب للجنوب الليبي ويعقد اتفاقات ويخوض معارك لولا الازمة السياسية الجزائرية الداخلية، إضافة الى أن عدوانه على العاصمة جاء يومين فقط بعد استقالة “بوتفليقة” من الرئاسة يوم 02-04-2019 (5) ..

ت_ في بعض تصريحاته منذ أسابيع قال “صبري بوقادوم” وزير الشؤون الخارجية الجزائري أن بلاده “لا تقبل بوجود أي قوة أجنبية مهما كانت”، وجدد الوزير الجزائري التأكيد على أن “لغة المدفعية ليست هي الحل وإنما الحل يمكن في التشاور بين كافة الليبيين وبمساعدة جميع الجيران وبالأخص الجزائر”، وكشف “بوقادوم” يومها أن الجزائر “ستقوم في الأيام القليلة القادمة بالعديد من المبادرات في اتجاه الحل السلمي للأزمة الليبية ما بين الليبيين فقط”، وهو ما تأكد لاحقا في تصريحات الرئيس الجزائري على هامش مؤتمر برلين عبر قوله أن الجزائر مستعدة لاحتضان حوارات بين الفرقاء الليبيين (6) ، وفعلا فبعد تلك التصريحات عُقد لقاء دول الجوار في العاصمة الجزائرية بل وتمت دعوة وزيري خارجية الوفاق والمؤقتة في آن واحد…

ث_ الثابت أن عقيدة الجيش الجزائري واضحة في رفض المشاركة العسكرية خارج الحدود، ولذا فإن الجزائر ستركز أكثر على الدعم السياسي لحكومة “السراج”، ولكن السؤال هل أن الجزائر حتى وان كانت لا تُساند التدخل العسكري التركي علانية، فهل ستُعارضه فعليا؟ خاصة وأن تقارير تؤكد هذا الطرح، بل أن متابعين أجانب قد أكدوا أن الرئيس التركي قد تواصل مع الجزائر نتيجة علاقاتها القوية معها، قبل أن يعلن مشروعه إرسال قوات إلى ليبيا (7)

ج_ معلوم أن الرئيس الجزائري “عبدا لمجيد تبون” قد قام بتوجيه دعوة للرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” لزيارة الجزائر، وهي الدعوة التي تم تلبيتها وتم خلالها امضاء اتفاقية الشراكة الاستراتيجية والتي من المنتظر أن تنمي التعاون بين البلدين وبذلك قد ترتفع الاستثمارات التركية في الجزائر والتي بلغت نهاية سنة 2019 حدود 3.5 مليار دولار (في السنة الواحدة)، ومعنى كل ذلك أن الجزائر ستتماهى مع الشريك التركي في ملفات عدة وأنه سيكون هناك قراءات متقاربة روسية جزائرية تركية كما أن الجزائر قد تلعب دورا مهما ورئيسيا للدفع للحل السياسي يحفظ وحدة الأراضي الليبية ويضمن مدنية الدولة من جهة وتقريب وجهات النظر بين المحورين الإقليميين وهو ما قد يفسر زيارات وزير الخارجية الاماراتي للمنطقة (تونس – الجزائر) والحديث عن إمكانية زيارة وفد مصري لتركيا خلال الأسابيع القادمة رغم كُل التوترات والخلافات السابقة …

ح_ من يعتقد أن الجزائر ستبقى صامتة وأنها ستكون خارج أسوار الحل في ليبيا أو أن مواقفها الحالية مرحلية فهو واهم وغير مستوعب للتاريخ وللجغرافيا وللسياسة، بل أن استراتيجيتها كدولة محورية بدأت في الفعل والتأثير والديناميكية سواء من خلال استقبال كل من رئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج في أكثر من مناسبة ووزير الخارجية التركي ثم الرئيس التركي وعقد قمة استثنائية على كل المستويات ثم عقد لقاء دول الجوار ثم استقبال مسؤولين عرب آخرين وخاصة المصريين والاماراتيين أو أيضا من خلال الحديث عن خطوات أخرى مستقبلية والتي ستتوضح معالمها قريبا بل وستغير جزء من المعادلات القائمة في المنطقة حسب بعض المتابعين والمطلعين عن كواليس السياسة الجزائرية …

3- المغرب أو البلد المرجع والملم بالملف الليبي وأبجدياته

أ_ عمليا يُظهر المغرب تحفظاً كبيرا في التعاطي مع الشأن الليبي رغم أنه احتضن مباحثات “الصخيرات” التي أفضت إلى ولادة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق وتقنين وجود بقية الاجسام التشريعية والسياسية الحالية (8) ، وطبعا تم ذلك برعاية أممية وفقا لرؤية وكلاسيكيات الدبلوماسية المغربية المعروفة منذ عقود ولكن ذلك التحفظ والحذر المغربيين لا يعنيان البتة عدم وجود فاعلية وديناميكية استثنائية في الفعل والتأثير، وهو ما يفسر حديث البعض مستقبلا عن إعادة الملف الليبي أو جزء منه للمغرب وهو أمر وارد خلال الأشهر القادمة  (9)

ب_ رغم أن التصريحات المغربية قليلة جداً في الشأن الليبي، فهي تعكس عمليا استمرار تشبث “الرباط” بحكومة “الوفاق”، ومن آخر التصريحات ما أدلى به وزير خارجية المغرب “ناصر بوريطة” من أن “اتفاق الصخيرات كان ولا يزال اتفاقًا جيدًا، وأن تكاثر المبادرات حول الأزمة يؤدي إلى تنافر بينها”، والثابت أيضا أن المغرب لا يزال البلد العربي الوحيد القادر على مسك الملف نتاج المام دبلوماسيته بحيثياته وتفاصيله ونتاج علاقاته المُمتدة بكل الفاعلين الدوليين والاقليميين فيه ونتاج أنه كبلد محل تراض وتوافق بين المحور الإقليميين المتصارعين…

ت_ الثابت أن الدعم المغربي للسراج وحكومته سيتواصل كدعم رسمي، وقد يصل لاحقا حد الدعم المادي واللوجيستي، لكن “الرباط” ستزيد من حذرها لأنها تُدرك أن الملف الليبي مُعقد وأن الأزمة مرشحة للاستمرار لأشهر وربما لسنوات أخرى، وبالتالي فالوضع لا يحتمل أيّ مخاطرة وفقا لرؤية الدبلوماسية المغربية، ومن المنتظر وفقا لرؤية عدد من المتابعين أن تدعم الرباط أيّ مبادرة تونسية في المرحلة القادمة وخاصة اذا كانت مغاربية المنطلق والنتائج…

ث_ المؤكد أن تغييب المغرب عن مؤتمر برلين خطأ فادح بنفس درجة توجيه دعوة متأخرة لتونس، وهو الأمر الذي جعل حفتر يسعى لتوظيف ذلك خلال الأيام الماضية ولكنه لم ولن يُفلح بناء على ان الملك المغربي “محمد السادس” رفض سابقا حشره وحشر المغرب في اتون الاصطفافات الإقليمية وابتعد عن الاقتراب من مربعاتها، اما السبب الثاني فهو أن الذين يُديرون الملف في الرباط مستوعبون لأبجدياته ومفرداته وتاريخية الملف الليبي منذ أن محمد العثمان الصيد مقيما في الرباط إضافة لوعي المسؤولين في الرباط بطبيعة وترتبات أي خطوة غير محسوبة…

4-هل سيتم الوصول لتنسيق مغاربي بشأن ليبيا؟

أ_ لا يُمكن للبلدان المغاربية تجاهل الملف الليبي أو التعاطي معه بالآليات والطرق السابقة أو تلك التي تبين عدم نجاعتها وفاعليتها، خاصة أن زيادة التوتر في ليبيا يُهدّد هذه البلدان أمنياً واستراتيجيا، والدليل على ذلك أن أول جلسة للمجلس الوطني للأمن في عهد الرئيس الجزائري الجديد “عبد المجيد تبون” خُصصت لاتخاذ تدابير لحماية الحدود الشرقية، وخاصة تلك المشتركة مع ليبيا، كما أن تونس أعلنت بدورها زيادة تأمين الحدود مع ليبيا وبدأت الاستعداد لموجة نزوح من الأراضي الليبية، فالبلدان المغاربية تُدرك إذا أنها ستدفع ضريبة باهظة لموجات من اللاجئين ولترتبات الملف الليبي بما في ذلك البلدين المغاربيين غير المجاورين للأراضي الليبية أي المغرب وموريتانيا …

ب_ ليس هناك حتى الآن أي تنسيق فاعل وناجع بين البلدان المغاربية لأجل حلٍ دبلوماسي يُحاصر “حفتر” كعكري مُغامر رغم تحفظات كل الدول المغاربية على ما آتاه ويأتيه وبناء على معادلة صعبة في ليبيا وهي “لا حل في ليبيا مع حفتر ولا حل بدون حفتر”، كما أن هناك قناعة مغاربية أن “حفتر مشروع وليس شخص في ذاته” إضافة لرفض هذه الدول لمنطقي “سيسي ليبيا” و”انتاج القذافي2″ لما تلك السيناريوهات والمقاربات من آثار كارثية عليها جميعا…

ت_ الثابت أن الخلاف المغربي-الجزائري قد عطّل عمليا خلال السنوات الماضية أي اتفاق مغاربي مُمكن، وجعل كل واحدة منهما تتخذ طريقها الخاص لحل الأزمة الليبية، إذ ركز المغرب على المحادثات الأممية، فيما ركزت الجزائر على اجتماعات دول الجوار الليبي وعلى الاجتماعات الإفريقية…

ث_ من الصعب جدا ـ وان كان ليس مستحيلا ـ أن ينسق المغرب والجزائر في المستقبل القريب بسبب التراكمات التاريخية واستمرار المواقف المسبقة، ولكن الثابت أن “تونس والجزائر” من جهة و”تونس والمغرب” من جهة ثانية تبدوان أقرب إلى تنسيق بينهما، فهل تستطيع تونس بلورة مبادرة مغاربية والقفز على تعطيل الاتحاد المغاربي منذ 1994…

ج_ السؤال الذي سيبقى مطروحا هو هل تكون الأسابيع القادمة والمؤتمرات واللقاءات المقبلة بعد مخرجات مؤتمر برلين، فُرص أو فُرصة للدول المغاربية، لإنهاء التوتر في المناطق الليبية والدفع السريع نحو حل سياسي؟

ح_ الثابت أن السؤال المطروح أعلاه يحملُ عمليا إجابات صعبة، فمؤتمر برلين فشل رغم بعض محرجاته الايجابية، ولكن السبب الحقيقي والفعلي هو تعدد التحديات على غرار تضارب وجهات نظر الدول الأوروبية، والصراع الأمريكي-الروسي على المصالح في ليبيا، ووجود عقبات أمام مشاركة فعالة للدول العربية المنقسمة حيال المشهد الليبي…

=== >> الملاحظة : النص بصدد النشر ، المصدر جزء من مشاركة في كتاب سيصدر في الغرض عن مركز أبحاث دولي 

_____________

الهوامش: 

1- مقالة الكاتب “الدول المغاربية والملف الليبي: لا خيارات بديلة عن التكامل والتشاور والفاعلية”، أسبوعية “الراي العام” التونسية العدد 139 بتاريخ 08 “جانفي/يناير” 2020 ص 20-21
2- أصدرت “مؤسسة التميمي للدراسات التاريخية” والتي مقرها العاصمة التونسية كتابا موثقا لندوات ودراسات كتبها واثثها جامعيون مغاربيون وأجانب للتكلفة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية لعدم انجاز الوحدة المغاربية، وهي دراسات قيمة واستثنائية ولم تنجزمن قبل وتحسب للجامعي والمؤرخ “عبد الجليل التميمي” …
3- وهو ما أكده أكثر من عضو في “لجنة الأمن والدفاع” للكاتب سنتي 2016و2017
4- أنظر مقال الكاتب “الازمة الليبية والادوار المرتقبة للجزائر”، موقع “افريقيا2050” بتاريخ 23 جانفي 2020 بإمضاء أبو رسلان
5- أسبوعية الراي العام التونسية العدد 139 (مصدر سابق) – بتصرف
6- مقالة “الازمة الليبية والادوار المرتقبة للجزائر” (مصدر سابق)، بتصرف
7- أسبوعية الراي العام التونسية العدد 139 (مصدر سابق ) – بتصرف
8- نفس المصدر السابق – بتصرف
9- أنظر مقال الكاتب حول الموضوع ” ماذا وراء إعادة اسناد الملف الليبي للملكة المغربية”، نشر في دورية 24/24 نصف الأسبوعية بتاريخ 5 جولية/يوليو 2019

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق