المغربتقاريرسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياقضية الصحراء

قمم الاتحاد الإفريقي فسحة لزعيم “بوليساريو”

اعتادت جبهة “بوليساريو” في تدبير مشاكلها الداخلية على استغلال عامل الوقت وتصريف أزماتها، من خلال خطابات نظرية المؤامرة، أو إثارة أحداث تُحول بها الأنظار عن مشاكلها الداخلية، ولو إلى حين.
ومع توالي الانكسارات، بات إبراهيم غالي يقتفي أثر الجنائز في القارة السمراء، أو ينتظر بفارغ الصبر حلول قمم الاتحاد الإفريقي حتى يُغرق صفحات التواصل الاجتماعي بصوره، علّه يُقنع بها الصحراويين أنه رئيس “دولة الوهم”. فقد ضاق الخناق على الرجل وزبانيته، ولم يعد لهم من خيار إلا البحث خارج المخيمات عن منابع لمشروعية لن ينالوها مهما سعوا في طلبها.
ينتظر إبراهيم غالي قمم الاتحاد الإفريقي بفارغ الصبر، لأن فيها يهيم الرجل في عوالم خيالية تجعله يُصَدق وَهْمَ “منصب الرئيس”، وتتحقق له “لذة الجاه”، التي يتمنى أن تدوم، وهو مدرك أنها لذة لحظية سرعان ما تزول، ليعود إلى واقع المخيمات الذي لا يرتفع، حيث النهب والقمع وأصوات الصحراويين تصدح ضد من جعلوا من معاناة الصحراويين مطية لتحقيق مآربهم.
ولقد رأينا كيف حاول إعلام غالي، في الأيام الماضية، أن يُغالط سكان المخيم، عبر التهليل بمشاركته في أشغال القمة الإفريقية الثالثة والثلاثين، التي عقدت يومي تاسع وعاشر الشهر الجاري بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وتدبيج مقالات “الصفاقة” ونشرها بين الصحراويين، منتشيا، ككل مرة، بنصرٍ موهوم من محض خيال آلة “بوليساريو” الدعائية، التي صوَّرت هذه القمة لحظة مفصلية مزعومة في مسار الدعم الإفريقي للجبهة، قبل أن يتبين لاحقا أن حضور إبراهيم غالي لم يتعد الصور، التي أخذت له وهو يتقمص دوره، الذي ظن أنه سينجح في كبح الاحتجاجات بالمخيم أو ترويض الخارجين عن الطاعة من القيادات، التي أقصاها من دائرة السلطة والنفوذ.
لم تكن القمة الثالثة والثلاثين مثلما صورها إعلام الجبهة. فرغم التحركات الجزائرية المكثفة، إلا أنها لم تضف جديدا، ولم تقدم لغالي ما يُسكت به الأصوات المتعالية من المخيمات، التي تتزايد يوميا، خصوصا بعد إضراب رجال التعليم وشَلِّهم للدراسة بالمخيم بسبب تأخر أجورهم لمدة ستة أشهر، الشيء الذي رجح الاعتقاد لدى المحتجين بأن أجورهم قد استعملت من قبل الجبهة لتغطية مصاريف مسرحية المؤتمر، بالنظر إلى أن باقي القطاعات بالمخيم باتت تعاني هي الأخرى تأخر الأجور التي تمنحها المفوضية السامية للاجئين، بالتعاون مع جمعيات جزائرية، والتي تسلمها مباشرة للجبهة، التي تتصرف فيها دون حسيب ولا رقيب.
قمة أديس أبابا شهدت، ولأول مرة، تناقضا صارخا في الموقفين الجزائري والجنوب إفريقي بخصوص من بيده حل قضية الصحراء. فذهب الرئيس تبون إلى وضع الملف برمته بيد الأمين العام للأمم المتحدة، وإبعاده عن أجندات عمل الاتحاد الإفريقي، من خلال اعترافه بمراسلة أنطونيو غوتيريس، ومتأسفا في الوقت ذاته على ما وصفه بعدم الإسراع في تعيين مبعوث شخصي للأمين العام إلى الصحراء، فيما أصرت جنوب افريقيا على إقحام هياكل الاتحاد في دعم “بوليساريو”، رغم تناقض ذلك مع مخرجات قمة نواكشوط، التي عينت لجنة “ترويكا” لا يتجاوز دورها دعم المسار الأممي.
الأخطر من كل ذلك أن فريق زعيم “بوليساريو” لم ينجح في الظفر بلقاء له مع الرئيس الجزائري الذي اختار لقاء السيسي ورامافوزا وبوهاري، ليفتح باب التأويلات على مصراعيه حول العلاقة التي باتت تربط حكام الجزائر وغالي، وهو الذي كان يأمل في الظفر بصورة مع تبون، يسوقها بمثابة اعتراف بنجاح مؤتمره المسرحية، ولتبدد مخاوفه تجاه حليفه الذي لم يغفر له الأخطاء التي بدأ بارتكابها في حق الموالين للجنرال شنقريحة، مضطرا هذا الأخير لإرسال رجال مخابراته للرابوني، حيث تم تأنيب غالي وتنبيهه لضرورة اللعب في إطار المربع المسموح به لا غير.
ولعل عدم استقبال تبون لغالي يشكل رسالة واضحة مفادها أن مسألة “بوليساريو” تندرج في إطار الاختصاص الحصري لعسكر الجزائر. في الاتجاه نفسه، لم يَجْنِ زعيم “بوليساريو” من هذه القمة أي لقاء جانبي يُسَوقه لسكان المخيم الغاضبين، باستثناء لقاء يتيم لم يكن ليتحقق لولا وساطة الخارجية الجنوب إفريقية مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، والذي دام ربع ساعة، ليجدد فيه تمسك الجبهة بالحل السلمي، في تناقض تام مع خطاباته القارعة لطبول الحرب، التي يلقيها بالمخيمات، كما أنه لم يفوت فرصة هذا اللقاء لكي يطلب الرفع من مخصصات الدعم الغذائي الموجهة للاجئين بتندوف للغرض، الذي لم تعد هناك حاجة لذكره.
ليس من الغريب أن يركض غالي وراء قمم الاتحاد الإفريقي، فالرجل يتخبط في مشاكل تتسع رقعتها مع مرور الوقت، ليجد نفسه بين مطرقة الأزمات الداخلية، وسندان النكسات الخارجية المتتالية، بداية بتقلص الدعم الذي كانت توفره الدول اللاتينية والإفريقية، مرورا بانحصار التأثير على الساحة الإسبانية التي تعتبر عصب الدعم المالي للجبهة، وصولا إلى واقع الشك والريبة الذي لم يعد يخفيه عسكر الجزائر من غالي ومحيطه، لما يبديه الرجل من ضعف في احتواء الاحتجاجات، وعدم قدرته على خلق توافق حوله بين أعضاء الصف الأول من قيادة الجبهة.

المصدر :الصباح بتاريخ 18 فيفري 2020
لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق