اصداراتالمغربسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

كتاب يفكك جدلية الدين والسياسة عند الدولة وإسلاميي المغرب

الكتاب: السياسة والدين في المغرب: جدلية السلطان والفرقان
المؤلف: حسن أوريد
الناشر: المركز الثقافي العربي الدار البيضاء
الطبعة الأولى 2020
عدد الصفحات:232

ثمة موجة مطردة من الدراسات التي تحاول أن تدرس علاقة الدين بالدولة في السياق السياسي العربي، وتحاول، على وجه خاص، أن تتوقف عند الاشتباك الحاصل في تمثل وممارسة كل من الإسلاميين والدولة لهذه العلاقة، والديناميات والتفاعلات التي تحكم مخرجاتهم إزاءها.

وإذا كانت بعض الدراسات، ومنها على وجه أخص، التي تتبنى المنهج الجدلي، كانت سباقة إلى بحث موقع الدين في إيديولوجية الدولة، أو بتعبير أدق موقع الدين في إيديولوجية التحالف الطبقي المسيطر، فإن الدراسات التي تلتها، لم تعد تسلط الضوء فقط على الدولة كفاعل سياسي أقوى، وإنما امتد الحقل ليشمل فاعلين جدد، سواء منهم الذين يتقاسمون الدولة توظيف الدين أو تبنيهم للدين كمنطلق إيديولوجي (الإسلاميين بمختلف تشكيلاتهم وأطيافهم) أو الذين لأجلهم كان مسعى إعادة موقعة الدين في الحقل السياسي وبالتحديد حقل الشرعيات الحاكمة (الحركات اليسارية والقومية).

ومع تصاعد نجم الإسلاميين، وتحولهم إلى قوة أساسية في المشهد السياسي في مختلف السياقات السياسية العربية، أخذ موضوع العلاقة بين الدين والسياسة بعدا مزدوجا، فمن جهة، اصطبغت الدراسات الغربية بمختلف حقولها المعرفية بمركزية هذا الموضوع وهيمنته، وذلك بحكم ما يمثله الإسلام السياسي من هاجس سياسي وأمني لدى الفاعل الأجنبي، وحاجة صناع القرار إلى رصد وتتبع السلوك السياسي للإسلاميين، وشكل تمثله للدين وحضور هاجس العلمنة وإبعاد الدين من حقل السياسية، وما تطلبه ذلك من سعي حثيث لإحداث تغيير في العقل السياسي للحركات الإسلامية لجهة التقليص من مساحة حضور الدين في المجال العام، ومن جهة ثانية، فإن بروز الحركات الإسلامية خلق توترا في حقل السياسة بسبب التداخل في توظيف الشرعية الدينية بينهم وبين الدولة، لاسيما في الأنساق السياسية التي يقوم فيها الدين بوظيفة الشرعنة لسلوك الدولة كما هو الأمر في الحالة المغربية.

في هذا السياق، يمكن أن ندرج جهود الدكتور حسن أوريد في تفكيك هذه الإشكالية ومحاولة رصد أبعادها، وذلك بالتركيز على خطاب الفاعلين وأشكال ممارساتهم، وما آلت إليه الديناميات بهذا الخصوص، إذ عمد إلى تتبع هذه الإشكالية من زاوية الدولة، من خلال طرحه لمفهوم أصوليتها، وأيضا من زاوية الحركات الإسلامية في المغرب من خلال تياراتها الثلاثة المركزية، العدل والإحسان، والعدالة والتنمية، والتيارات السلفية المختلفة، فحاول في كتابه أن يتوقف عند الاستراتيجيات التي اعتمدتها الدولة في مجال صوغ العلاقة بين الدين والسياسية، وبحث تطورها بين زمني الملكين الحسن الثاني رحمه الله ومحمد السادس، والبراديغمات التي أطرت رؤية الإسلاميين لهذه العلاقة، ولمفهوم الحداثة وأسلمتها، كما حاول في الكتاب ذاته، أن يدرس بعض القضايا الإشكالية التي اثارتها الإشكالية نفسها، سواء في بعدها الحقوقي (قضية حرية المعتقد) أو في بعدها السياسي (قضية تجربة الانتقال الديمقراطي في المغرب).

وبالنظر إلى الكتاب السابق للدكتور حسن أوريد “الإسلام السياسي في الميزان.. حالة المغرب” يتضح أن كتابه الجديد “السياسة والدين في المغرب جدلية السلطان والفرقان” كان بمثابة إعادة تحيين له، من خلال تغطية الفجوة الزمنية الفاصلة بين زمن تأليف كتابه الأول (2015 باللغة الفرنسية) و(2016 نسخته المترجمة إلى العربية) مع إلحاق الفصل ما قبل الأخير (حرية المعتقد واختبار الدولة المدنية) والفصل الأخير(الانتقال الديمقراطي المجهض الذي كان في الأصل ورقة باللغة الفرنسية قدمت ونشرت من لدن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مع مراجعة من قبل المؤلف سنة 2018).

أطروحة الكتاب: الإسلاميون بالمغرب وإخراج الدين من الشأن العام

تنطلق أطروحة الكتاب من قراءة لتطورات الأوضاع السياسية العربية التي أفرزتها تحولات ما بعد الربيع العربي، ويقترب الدكتور حسن أوريد من أطروحة ما بعد الإسلاميين التي أسس لها عدد من دارسي الإسلام السياسي مثل أوليفيه روا وآصف بيات وغيرهم، ويرى أن السياق الراهن يومئ ببروز ثقافة سياسية مغايرة للتي عرفها العالم العربي في المرحلتين السابقتين، مرحلة هيمنة التيارات القومية واليسارية ما قبل هزيمة ،1967 تلك المرحلة التي رفع فيها شعار “الدين لله والوطن للجميع”، ومرحلة ما بعد الهزيمة التي هيمنت فيها التيارات الإسلامية، واحتل شعار “الإسلام هو الحل” كل المكان، واعتبر أن مرحلة ما بعد الربيع العربي، والتحديات التي واجهها الإسلاميون، سواء منهم الذين أسقطوا من مربع السلطة أو الذين يعيشون معضلات المشاركة في مربع الحكم، أفرزت تحولات جديدة في وعيهم بضرورة إعادة ترسيم العلاقة بين الدين والسياسة، لجهة الفصل بين الدعوي والسياسي أو التمييز بينهما، تلك المرحلة التي يعتبر فيها أوريد أنها موسومة بخروج الدين أو نهايته من الشأن العام استئناسا بمفهوم مارسيل غورشييه.

لا يقدم السيد أوريد أدلة كثيرة بخصوص هذه التحولات، وينأى بنفسه عن مناقشة هذه التحولات من زاوية وعي الفاعلين السياسيين ومرجعياتهم المعلنة، وينعطف لقراءة مآلات الممارسة، والدلالات التي تحملها بخصوص تمثلاتهم الجديدة لموقع الدين في الشأن العام أو موقع الدين في ممارساتهم السياسية.

ومن غير ما يكفي من المؤشرات، ينتهي السيد اوريد بخلاصة مقارنة يؤكد فيها أن العالم العربي في علاقة الدين بالسياسية، يسير في نفس المتجه الحتمي الذي مرت منه أوروبا وأنه لن يشذ عنه، وأن الأمر لن يتم فقط من خلال تطور ذاتي فحسب، ولكن كذلك بفعل إرادي لمفكرين ونشطاء.

ويذهب أوريد إلى أن التجربة المغربية لن تكون معزولة أو مفصولة عما يعتمل في العالم العربي، وأنها دفعت بنفسها من خلال تطورها ودينامياتها بشكل خفي إلى تعزيز هذا التوجه والتأسيس للتمايز بين السياسي والديني.

أصولية الدولة أو استحداث التقاليد:

اختار حسن أوريد أن يبدأ كتابه بدراسة البراديغم الذي يحكم علاقة الدولة بالدين: الدولة من خلال سياسة الملك الحسن الثاني، فاعتبر أن ما أطر سلوك الدولة في مرحلة هيمنة التيارات الماركسية والقومية هو براديغم استحداث التقاليد، بما يعنيه من وضع قواعد تحيل على الماضي من أجل ترسيخ مؤسسة أو سلطة وتثبيتها سعيا للمشروعية، وذلك من خلال تمتين التماسك الاجتماعي، وإضفاء الشرعية على المؤسسات، وإرسائها وترسيخ المؤسسات ونشر منظومة معتقدات وقيم.

ويسوق أوريد جملة الاعتبارات التي دفعت الملك الحسن الثاني إلى الانعطاف نحو الدين وتعميم حضوره في سياسة الدولة، إذ كانت ترمي الدولة إلى التصدي للتيارات الماركسية، وإضعاف النفوذ الذي كان يمثله عراب الحركات المتمردة (جمال عبد الناصر)، لاسيما بعد انتفاضة الدار البيضاء 1965 وحدوث عملتين انقلابيتين سنة 1971 و1972، إذ تبنت الدولة أن وراءها أياد لها صلة بالحركة القومية واليسارية.

ويستعرض أوريد بعض مفاصل السياسة الدينية التي بدأت مع هذا العهد، والتي شملت تعميم الكتاتيب القرآنية، و‘إحداث دار الحديث الحسنية، وتجسير الروابط مع الدعوة النجدية الوهابية، وتعريب التعليم، غير أن هذه السياسة التي كانت ترمي استحداث التقاليد سرعان ما سيحدث عليها تحول أملاه التحدي الذي شكله موقف الشيخ عبد السلام ياسين الذي بعث للملك رسالة “الإسلام أو الطوفان” يدعوه فيها إلى التوبة العمرية واسترجاع الأموال المنهوبة لفائدة الشعب، ويحذره من القومة الموعودة إذا لم يتم الاستجابة لهذه التوبة، فاضطرت الدولة إلى أن تتجه لسياسة الضبط من خلال إعادة تنظيم الحقل الديني سنة 1984 بقصد مواجهة التشيع والتحديات التي تمثلها الثورة الإيرانية وتداعياتها الإقليمية المفترضة، إذ كان عنوان هذه السياسة نزع أي توجه سياسي عن الدين، بحيث لا يقبل إلا تسييسا واحدا للدين، هو ذلك الذي تقوم به السلطة لفائدتها.

ويرصد أوريد تحولات هذه السياسة في عهد الحسن الثاني وكيف اضطر إلى أن يعدل محدودية المفهوم الذي أسسه الملك الحسن الثاني لأصولية الدولة، من خلال قدر من الانفتاح على حقوق المرأة، بإجراء تعديل على مدونة الأسرة، وبداية مغازلة الإسلاميين المعتدلين من خلال استحداث آلية للإدماج الديني هي جامعة الصحوة الإسلامية التي استضاف لدورتها الأولى قيادات الإسلاميين في تونس والجزائر والسودان والمغرب.

أسلمة الحداثة أو أدلجة التقاليد

يستخدم حسن أوريد براديغما جديدا في تحليل علاقة إسلاميي العدل والإحسان بالحداثة، ويركز على كتاب عبد السلام ياسين “أسلمة الحداثة” والشرح الذي قدمته له ابنته نادية ياسين في كتابها “الأشرعة إلى الخارج” ليقرأ هذا البراديغم وتحولاته في ممارسة هذه الجماعة.

يقتحم أوريد بعض الحفريات الفكرية لزعماء الإصلاح، ويتوقف عند نموذجين اثنين هما إقبال ومالك بن نبي، باعتبارها يقدمان تصورا لشكل من أشكال تمثل الحداثة، كما يستدعي بعض الأصول الفكرية التي سبقت الشيخ ياسين في التركيز على مفهوم العدالة، وبشكل خاص سيد قطب وعلي شريعتي، ويعتبر أن تراث وأدبيات ياسين تعتبر في جوهرها حلقة من الحلقات التي ابتدرها سيد قطب وعلي شريعتي مع تصويبات وتحويرات وربما إضافات قدمها الشيخ ياسين على النماذج الأربعة، ويعتبر أن مكانته توجد بين الثنائي الأول (إقبال ومالك بن نبي) والثنائي الثاني (قطب وشريعتي) وأن فكره الإصلاحي بدأ مبكرا مع كتابه “المنهاج النبوي” ونزوعه نحو فكرة العدالة الاجتماعية بدت منذ كتاباته الأولى التي أبدى فيها قدرا من الانجداب لإيديولوجية الفكر الماركسي والماوي التي تدور حول المسألة الاجتماعية.
ويستعرض الدكتور أوريد مسار الشيخ عبد السلام ياسين، وكيف شكلت رسالته للملك الميلاد السياسي للرجل، وينطلق من كتابه الأول الموجه للنخب المتغربة “الثورة في زمن الإسلام” ليكشف عن تصوره وشكل تمثله للحداثة، وأنه لن يلقي بنتاج الغرب برمته، بحكم أن الغرب لا يزال مالكا للعلوم والتكنولوجيات وعلى العالم الإسلامي أن يغترف من منابعه شريطة أن يؤسلم مكاسبه.

ويأخذ أوريد على الشيخ ياسين تبنيه للعموميات، فهو إذ يعمم هذه النتيجة لا يبين كيف يمكن أن يحصل ذلك. ويلاجظ أوريد أن الشيخ ياسين كان أكثر اعتدالا في معالجته لموضوع الحداثة في كتابه الأول: “الثورة في زمن الإسلام” منه في كتابه “أسلمة الحداثة”، ويرصد السياق الذي اندرج فيه كتابه الثاني عن الحداثة، وأنه جاء في سياق تجسير الحوار مع النخب العلمانية واليسارية، لتأسيس جبهة عريضة ضد الاستبداد، إذ سيكتب كتابه “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” لـتأسيس العلاقة مع الأحزاب المتحدرة من الحركة الوطنية، وسيكتب كتابه “حوار مع صديقي الأمازيغي” ليمد يد الحوار مع الحركة الأمازيغية، ويكتب كتابه “تنوير المؤمنات” لتجسير العلاقة مع الحركات النسوية.

ويفكك الكاتب بنية خطاب ياسين في كتابه “أسلمة الحداثة” ويستعرض المتن الشارح له، أي كتاب ابنته نادية ياسين، وينتقد عليهما معا التبشير بوعود الإسلام وتطلعاته نحو تصحيح أعطاب الحداثة، لكن من غير توضيح طبيعة القارب الذي يمكنه أن يحمل إلى ضفة الأمل المنشود، والكيفية التي سيتم بها هذا الانتقال.

العدالة والتنمية والمنزلة بين المنزلتين:

اختار حسن أوريد أن يدرس تجربة العدالة والتنمية من خلال برايدغم التردد بين التقاليد والحداثة، أو ما يسمى في اصطلاحات المتكلمين بالمنزلة بين المنزلتين، ويحيل إلى بعض العوامل المفسرة لهذا السلوك، سواء منها التي ترجع إلى تكوينهم العصري غير المؤهل للانخراط بشكل كامل في الحداثة، أو لطبيعتهم التي ترفض القطيعة، أو لتصورهم للدولة وشرعيتها، وكونهم لا يريدون منازعة الدولة شرعيتها في الوقت الذين يريدون إصلاحها.

ويستعرض مسار إسلاميي العدالة والتنمية منذ البدايات الأولى مع حركة الشبيبة الإسلامية التي تزعمها عبد الكريم مطيع، وينتبه للطابع البراغماتي التي حكم سلوكهم السياسي، والذي فسر جزءا كبيرا من تحولاتهم في الخطاب والسياسة، وذلك منذ محاولات التطبيع مع السلطة التي قام بها الأستاذ عبد الإله بن كيران إلى وصولهم إلى مربع الشراكة مع الحكم من خلال قيادة الحكومة في كانون ثاني (يناير) 2012.

ويستعرض سلوك الإسلاميين في التدرج في الاندماج السياسي منذ تجربة جامعة الصحوة الإسلامية التي دعا إليها الملك الحسن الثاني في بداية التسعينيات، وكيف تقبلوا رفض الترخيص لحزبهم سنة 1992 تفهما منهم للسياق الدولي والإقليمي والتداعيات التي تركها إجهاض التجربة الديمقراطية في الجزائر، ويتوقف أيضا على الدور المركزي الذي قام به الدكتور الخطيب، وكيف أصبح صلة الوصل والأمين ما بين العناصر الإسلامية الشابة والمخزن، أو أصبح يقوم بدور مزدوج دور الأمين بالنسبة للسلطة ودور العراب بالنسبة إلى الإسلاميين الذي يستبد بهم الطموح لمزاولة السياسة.

ويركز أوريد في دراسته لسلوك إسلاميي العدالة والتنمية على البراغماتية، ففي تصوره أنهم لم يخضعوا لأي متن تنظيري ولا يأتمرون بأي منظر، وأنهم كانوا يرصدون حركات المخزن لاستدرار عطفه ورضاه، وأنهم التجأوا إلى معانقة قضايا الأمة الإسلامية ويتظاهرون من أجلها، ويجعلون التنظيم والديمقراطية الداخلية أولا، والإيديولوجيا شيئا ثانويا، ويستند بهذا الخصوص إلى النقد الذي وجهه كل فريد الأنصاري لهم في كتابه “الأخطاء الستة” والشاب عمر العمري في كتابه “كنت إسلاميا” لتأكيد هيمنة البعد السياسي على سلوكهم وضمور الجانب الديني والمرجعي في انشغالاتهم وأولوياتهم.

ويتابع أوريد براغماتية الإسلاميين في عهد الملك محمد السادس، وكيف دبروا محطة ما بعد انتخابات 2002 ومرحلة ما بعد تفجيرات الدار البيضاء 2003، وقبلوا سياسة ضبط وتقليص ترشيحهم في الدوائر الانتخابية، ويعتبر أنهم استطاعوا قراءة سياق ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) قراءة دقيقة، واتخذوا إجراءات مؤلمة في سياق هذه المواءمة كاستقالة الريسوني من رئاسة حركة التوحيد والإصلاح، وعدم انتخاب الرميد على رأس فريق العدالة والتنمية في البرلمان، ويرصد سلوكهم في مواجهة حزب الأصالة والمعاصرة بعد انتخابات 2007، وذلك من خلال اللعب على ورقتين بالتوازي:دور الضحية ثم تعبئة الصحافة داخليا من خلال ثلة من الصحفيين بجريدة المساء ثم من خلال جريدة أخبار اليوم التي أدارها الصحفي توفيق بوعشرين، وخارجيا من خلال قناة الجزيرة تحديدا، ثم يستعرض سلوكهم مع الربيع العربي وكيف استطاعوا تحريك الشارع وتعبئته، وكيف تم ترصيد ذلك بكسب قناة مباشرة مع الديوان الملكي عبر مستشار الملك السيد محمد معتصم، والاستماع إليهم في تحضير نص الدستور وكيف انتهى بهم الأمر إلى قيادة الحكومة بعد انتخابات 25 تشرين ثاني (نوفمبر) 2011.

ويستعرض الكاتب التحولات التي حصلت في سلوك العدالة والتنمية من داخل مربع المشاركة في قيادة الحكومة، ويرصد على الخصوص مواقف الأستاذ عبد الإله بنكيران وتحولاته، وكيف انعطف لبعض المواقف التي أزعجت السلطة السياسية، ويفسر أوريد محاولة حزب الاستقلال الخروج من حكومة ابن كيران على أساس أنها عملية تحريك للسلطة له من أجل تفجير الحكومة من الداخل أو على الأقل وضعها تحت رحمتها، وأن السلطة نجحت في أن تهدي لحكومة عبد الإله بن كيران هدية إخراج حزب الاستقلال وإدخال التجمع الوطني للأحرار، مع إحداث تغييرات جوهرية في بنية الحكومة، ويتوقف على نقاط التوتر التي طبعت علاقة السلطة بالحزب قبيل انتخابات 2015، وكيف توترت العلاقة مع هذه الانتخابات ثم انتخابات 2016، وكيف آلت بعد ذلك إلى “بلوكاج” حكومي كان الهدف منه إنهاء حكومة ابن كيران وتصدير الأزمة داخل الحزب.

المثير في تحليل أوريد أنه بدل أن يأخذ حدث انتخابات 2015 و2016 كمؤشر على ارتباك أطروحته التي تقاسم فيها أطروحة آصف بيات حول ما بعد الإسلاميين، اعتبر أن النتائج الإيجابية التي حققها حزب العدالة والتنمية، لا تفند أطروحته في ضمور خطاب الإسلام السياسي، ويفسر الثغرة البينة في تحليله بالوهن الذي أصاب الأحزاب المنافسة وتمتع العدالة والتنمية بآلة حزبية فريدة، ويدلل على أطروحته بتراجع المرجعية الإسلامية في خطاب الحزب وممارسته، وأن الحزب بدأ من خلال ممارسته يمهد لإخراج الدين من الساحة العامة!

والحقيقة أن ما ذكره أوريد من استعراض للمسار لا يطرح مشكلة إلا من حيث بعض التوصيفات التي يمكن أن تكون محل خلاف، لكن، البراديغم الذي تبناه بخصوص تحولات الإسلاميين واتجاههم نحو إخراج الدين من المشهد العام، يعارضه بقوة الطرح الذي تم إعادة تأسيسه داخل تنظيم العدالة والتنمية، والمفهوم الجديد الذي تم بلورته للمرجعية الإسلامية، كما يعارضه من جهة أخرى، الصرامة التي واجه بها الإسلاميون بعض مطالب الحقوقيين لاسيما ما يتعلق بالحريات الفردية والإجهاض وعقوبة الإعدام، وأن الخلاف الذي حصل في نظرة بعضهم للحريات الفردية وبشكل خاص ما يرتبط بالعلاقات الجنسية الرضائية والإفطار العلني في رمضان وغيرها من قضايا الحريات الفردية، إنما استدعاها فعل السلطة لا نص القانون المتأسس على المرجعية الإسلامية، وأن قيادة الحزب لم تساير هذه الاجتهادات، بل بقيت محافظة على قناعاتها.

فالأمر لا يتعلق بإخراج الدين من الشأن العام، بل لا يتعلق أصلا بمراجعة الموقف من حضور الدين في الفضاء العام، بل يتعلق على العكس من ذلك بإضفاء معنى ديني على الممارسة السياسية وعلى السلوك السياسي من خلال إعادة بلورة مفهوم المرجعية الإسلامية التي حاول الأستاذ عبد الإله بنكيران بناءه وتأسيسه في وعي أعضاء الحزب.

سياسة تحديث الإسلام

لا يتوقف أوريد فقط على الاستراتيجية الدينية التي تبنتها الدولة زمن الحسن الثاني، بل يتابع رصده وتحليله لسياسة الدولة زمن الملك محمد السادس، ويصفها منذ البدء بكونها اتسمت بالاتساق والجرأة، واتجهت نحو تبني مفهوم المشروع الحداثي الديمقراطي، وارتكز أوريد على سلوك الدولة في مجال إصلاح مدونة الأسرة للتدليل على هذا المسعى، غير أنه لم يغفل التحديات التي رافقت سلوك الدولة في اختبار توجهها الحداثي، وبشكل خاص تحديين، الأول هو خطة إدماج المرأة في التنمية، والتي ثار الإسلاميون ضدها وحركوا الشارع وحركت السلطة معهم علماءها وحقلها الديني، وثانيها هو الإقامة الجبرية على الشيخ عبد السلام ياسين، وهما التحديان اللذان ستجيب عنهما الدولة بتعيين امحمد بوستة رئيسا للجنة التي عهد إليها ببلورة مدونة الأسرة، وبرفع الحصار على الشيخ ياسين مع بقاء علاقة التوتر والشد والجدب مع هذه الجماعة بعد فشل مساعي الوساطة التي قام بها الكاتب نفسه.

ويستعرض أوريد السياق الدولي والإقليمي الذي أملى إصلاحات جوهرية في الحقل الديني، وكيف بدأت هذه العملية بعيد تفجيرات الدار البيضاء، وتحديدا بعد خطاب الملك في التاسع والعشرين من ماي 2003 وما تلاه من خطابات أخرى، أرست البعد المؤسسي للإصلاح الذي يرمي إعادة هيكلة الحقل الديني، وتدبير هذا الشأن واهتمام مركزي بقضية التربية الدينية، إذ تحولت إمارة الؤمنين إلى نظام أو مؤسسة، ذات امتداد داخلي وخارجي، وتم ترسيم ثوابت التدين المغربي، فضلا عن تأطير مجال الفتوى والتحكم فيه، وضبط المساجد وتنظيم عمليات الـتأطير والإرشاد بها من خلال تكوين الأئمة والمرشدين والواعظين والخطباء، وتفعيل دور الرابطة المحمدية للعماء وبعث حيوتيها في مجال الدراسات والتأطير ومواجهة التحديات الإعلامية التي تفرضها القنوات التي تبث نماذج مختلفة من التدين، فضلا عن إصلاح دار الحديث الحسنية ودفعها للانفتاح على العلوم العصرية مثل السوسيولوجيا والدراسة المقارنة للأديان، والتحكم في اللغات الأجنبية وبإلحاقها بوزارة الأوقاف بعد أن كانت تابعة للقصر الملكي دون أن يغفل دور مؤسسات أخرى مثل مسجد الحسن الثاني ومركز تكوين الأئمة والمرشدات ومعهد محمد السادس لحفظ القرآن وتلاوته والمعهد الملكي للدراسات التاريخية للمغرب، وإذاعة محمد السادس وقناة محمد السادس.

ويثير أوريد جملة من التحديات التي تعرضت لها هذه السياسة، ويورد من بين ذلك موقف المجلس الأعلى من عقوبة المرتد، ومسألة الإجهاض، فضلا عن قضية عقوبة الإعدام.

ماذا تبقى من التيار السلفي في المغرب؟

هذا وقد حرص المؤلف أن يؤطر التيارات السلفية في المغرب بمتابعة وصفية ورصدية مع محاولة للبحث في حفريات هذه الحركة وأدوار بعض رموزها مركزا بهذا الخصوص على شخصيتين متمايزتين في تمثلها للسلفية: الشيخ محمد بن العربي العلوي في تمثله التقدمي للسلفية، والشيخ تقي الدين الهلالي في تمثله الوهابي، كما يستعرض السياقات الدولية والإقليمية لتحولات الفكر الجهادي، ويستعرض مسار بعض رموز السلفية الجهادية في المغرب متوقفا بهذا الخصوص على شخصية أبي حفص وشخصية محمد الفزازي وتحولاتهما في السجن من خلال فعل المراجعات، ثم تحولاتهما ما بعد الإفراج عنهما.

ومع ميله لتتبع محاولات اندماج هذه الحركات في العملية السياسية، إلا أنه بقي محكوما بمنطق تحليل خطاب وسلوك الرموز دون تتبع مآلات التيار والأتباع وتحولات ولاءاتهم، إذ لا يهم في التحليل حجم التحولات الحاصلة في فكر أبي حفص والفزازي، بقدر ما يهم تأثيرها على أتبابعهم وما إذا بقي لهم أتباع أصلا، في حين اكتفى في دراسة بقية التشكيلات بجهد طفيف في التصنيف مقسما أطياف السلفيين إلى تيار مهادن ورافض ومراجع، دون التحقق من استمرار جدوى هذا التصنيف، وما إذا كانت المراجعات ذات أثر بالنظر إلى التحولات العميقة التي مست الجسم السلفي، والانتقالات الفكرية التي حدثت في مربع تشكيلاتهم، من تيار لتيار ومن زعيم آخر، إذ السؤال الذي لم يشتغل عليه أوريد بهذا الخصوص هو ماذا تبقى من تيار المغراوي؟ وماذا تبقى من تيار أبي حفص الفزازي وغيرهم؟

المصدر : عربي 21 بتاريخ 27 فيفري 2020

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق