المغربتحاليلشؤون إفريقيةشمال إفريقياقضية الصحراء

تداعيات جيوسياسية لجائحة “كورونا” تخيّم على ملف نزاع الصحراء

تعيش دول العالم لحظة استثنائية وعصيبة وحساسة بسبب تفشي وباء كوفيد-19، لحظة عنوانها الاضطراب والفوضى والارتباك، إذ عرت هذه الجائحة عن أوجه القصور في النظام العالمي الراهن، حيث كشفت عن زيف السرديات التاريخية والكليشيات الجاهزة التي كان يتغنى بها، ويرددها الجميع بنوع من القدسية والسذاجة، عندما يتم الحديث عن أسطورة وقوة النظام الليبرالي الذي أفرزته الثورة الصناعية والتكنولوجية واقتصاد السوق ومبادئ وقيم العولمة.

جوانب ومظاهر عديدة كشف عنها الوباء؛ لكنها قد تكون عصية على الفهم والتفسير والإدراك في الوقت الراهن، مشاهد دراماتيكية تنذر بنتائج مأزومة وسيناريوهات متعددة، تعيد إلى الأذهان عصور الأوبئة والكوارث التي أبادت أمما وشعوبا خلال قرون خلت، حيث بسبب هذه الجائحة، يتخطى عدد الإصابات المسجلة 1 مليون و800 ألف حالة، والوفيات تفوق 108 آلاف حالة.

كارثة إنسانية ماضية في التمدد في جميع أنحاء المعمور، مخلفة خسائر جسيمة في الأرواح والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية لمختلف الدول، لكن اللافت هو أن هذه الكارثة/ الأزمة بدت معها بعض الأنظمة الاقتصادية والصحية لدول “العالم المتحضر” قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، وأنهت معها كذلك سطوة أو أسطورة “التفوق الغربي” التي سادت قرابة نصف قرن.

إن الحديث عن تداعيات وانعكاسات هذه الجائحة على خريطة التوازنات وموازين القوى داخل النظام العالمي الراهن ليس ترفا فكريا أو من ضروب التنجيم، إذ بحسب مجلة فورن بوليسي الأمريكية التي نشرت توقعات بتاريخ 20/3/2020 لما يقارب 12 مفكرا وخبيرا حول مستقبل العالم ما بعد كورونا، خلاصات أقرت في مجملها أن العالم سيصبح أقل انفتاحا وأقل ازدهارا وأقل حرية.

لذلك، فالنقاش حول نتائج هذه الجائحة لم يعد محصورا في تشخيص ومعالجة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والاستشفائية والنفسية التي خلفها الوباء؛ بل بات يستوجب ويتطلب ضرورة التفكير ومحاولة استشراف شكل وطبيعة النظام العالمي الجديد، ورسم معالمه الجديدة من خلال وضع بعض السيناريوهات المحتملة موضع الدراسة والتحليل.

وفي سياق دراسة تداعيات هذه الجائحة، ومحاولة استشراف نتائج المتغيرات والتطورات المحتملة، يمكن القول إن خريطة التحالفات والمصالح ومواقع الدول بعد هذا الوباء معرضة للاهتزاز والتحول؛ مما سينعكس دون شك على إدارة مجموعة من الملفات والأزمات الدولية التي طفت على السطح لسنوات، خاصة القضايا والملفات التي تم تدويلها، وتعتبر من حيث طبيعتها وتعقيداتها امتدادا بشكل أو آخر لصراع المصالح والنفوذ بين القوى الدولية.

وارتباطا بهذا الجانب، يعتبر النزاع حول الصحراء من بين الملفات الشائكة والمعقدة التي من المحتمل أن تتأثر بتداعيات فيروس كوفيد 19، إذ من المتوقع أن يجد المغرب نفسه أمام تحديات كبرى قبل نهاية هذه السنة وبعدها؛ فبالإضافة إلى التحديات الاقتصادية الكبرى، فالتحولات الجيوسياسية المرتقبة من المؤكد أنها سترخي بظلالها على التوازنات المرتبطة بقضية الوحدة الترابية، لا سيما أن مختلف السيناريوهات تدفع في اتجاه وقوع تحولات غير عادية ودراماتيكية خاصة في بعض المناطق والعواصم المؤثرة.

وفي هذا الإطار، فتأثر الرقعتين الأمريكية والأوروبية بوباء كورونا ظهر جليا تارة بشكل مهول ومفجع، وتارة أخرى بشكل منفلت وغامض، مما يؤشر على أن هذا الوضع سينعكس على مستقبل قادة بعض الدول، وحتى مكانة بعض الكيانات وموازين القوى التي تدار من خلالها مجموعة من الملفات الحيوية والإستراتيجية، كملف الصحراء، إذ تعتبر كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، القوتين الغربيتين المؤثرتين في مسار النزاع حول الصحراء، إن على مستوى مجلس الأمن أو على مستوى الفضاء الأوروبي ومؤسساته السياسية والبرلمانية والقضائية.

على المستوى الأمريكي، لم تعد الانتخابات الأمريكية التي ستجرى يوم 03 نونبر من هذه السنة محسومة كما في السابق، وقبل تفشي جائحة كورونا، فالرئيس ترامب بدا عاجزا مترددا ومتخبطا، يترنح بين مطرقة ارتفاع عدد الوفيات وصعوبة توفير الاستشفاء للأعداد الكبيرة من الأمريكيين وسندان الركود الاقتصادي وارتفاع عدد العاطلين.

هذا، ولأن المصائب لا تأتي فرادى كما يقال، فلم يكد ترامب يستجمع أنفاسه بعدما أنهكته الجائحة ونتائجها الاقتصادية، حتى جاءه الخبر اليقين، غير السار، إذ حسم الديمقراطيون بشكل مبكرا ترشيح جو بايدن لمنافسته بعد انسحاب ساندرز يوم 08 من هذا الشهر.

إن ترشح الديمقراطي بايدن، الذي عمل نائبا للرئيس السابق بارك أوباما، في ظل الأزمة الوبائية والاقتصادية التي تعاني منها أمريكا، وبالموازاة مع انخفاض أسعار النفط عالميا، يجعل من الولاية الثانية لرامب أمرا معقدا وصعبا، حيث من المتوقع أن يبدأ المرشح الديمقراطي حملته الانتخابية منذ الآن، وهو يدرك جيدا أن فيروس كورونا سيكون مساعده الأول وعلى يمينه لنيل من ما تبقى من رصيد وشعبية ترامب، لا سيما أن هذه الجائحة أعادت التنافس إلى نقطة الصفر، بعدما أظهرت بأن الإنجازات والفتوحات السابقة للرئيس الحالي مجرد ذكرى من التاريخ القريب.

وارتباطا بملف الصحراء، ففشل ترمب في إدارة واحتواء تداعيات تفشي الوباء قبل الخريف سيؤثر دون شك على حظوظه في تجديد ولايته للمرة الثانية؛ مما يعني أن المغرب سيجد نفسه مطالبا بترويض الإدارة الجديدة، لا سيما أنه استطاع خلال السنة الأخيرة من ولاية ترامب أن يفك شفرة البيت الأبيض ويلين مواقفه بعد ثلاث سنوات عجاف مع هذه الإدارة.

إن اختراق المغرب لإدارة ترامب، خلال السنة الأخيرة، مكنه من تحقيق مجموعة من المكاسب في إدارة قضية وحدته الترابية على المستوى الاممي، إذ مرت سنة على استقالة كولر في ماي من السنة الماضية، ولم يعين مبعوث جديد رغم ضغوطات وتحركات خصوم المملكة، بل عاد ملف النزاع إلى نقطة الصفر وصار ثانويا على أجندة مجلس الأمن، مما يعني أن وضعية الجمود هاته تنذر بإمكانية وقوع انفلات أو انفجار في مخيمات تندوف.

هذا، بالإضافة إلى احتمال تراجع النفوذ الأمريكي لصالح قوى جديدة، لاسيما أن جل التكهنات تقر بأن العالم في المرحلة الراهنة يعيش مخاض الانتقال من العوملة التي تتمحور حول أمريكا إلى العوملة التي تتمحور حول الصين.

أما على المستوى الأوروبي، فقد بدت مؤسسات وأجهزة هذا الاتحاد المتعددة عاجزة ورخوة بسبب بروز خلافات حادة حول الوضع الاقتصادي والمالي بين دول الاتحاد الأوروبي بسبب الجائحة، حيث طالبت إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، وهي الدول الأكثر تضررا من الفيروس في أوروبا، كل من ألمانيا والنمسا وهولندا بالموافقة على إصدار “سندات كورونا”، لمساعدة دول التكتل الأكثر تأثّرا بالوباء على تمويل جهودها لدرء التداعيات الاقتصادية السليبة لهذا الوباء؛ غير أن هذا الطلب قوبل بالرفض بدعوى الخوف من التشارك في الديون السيادية.

وبالإضافة إلى إغلاق الحدود داخل هذا الفضاء، فلم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وإنما أقرت العديد من الدول خاصة ألمانيا وفرنسا مجموعة من الإجراءات الصارمة لحماية مواردها الغذائية والطبية، حيث منعت تصديرها وتجاهلت طلبات الإغاثة من العديد من الدول المتضررة كإيطاليا وصربيا.

أما شكل ومستقبل الاتحاد، فتصريح المستشارة الألمانية للصحافيين، قبيل مؤتمر لوزراء مالية منطقة اليورو بهدف الإعداد لخطة إنقاذ اقتصاد التكتل، جاء صريحا ومعبرا عن واقع الاتحاد، حيث أقرت بأنه “يواجه أكبر اختبار له منذ تأسيسه”.

من المؤكد أن الاتحاد في هذه المرحلة يعيش مخاض التحول أو التفكك بحسب الفرضيات الأكثر تشاؤما؛ لكن تظل كافة السيناريوهات مفتوحة، حيث من المحتمل والراجح بحسب المؤشرات الاقتصادية والمزاج العام الشعبي أن يتعرض هذا الاتحاد لتحولات كبرى، لا سيما على مستويين، الاقتصادي والسياسي.

كما أن تداعيات وانعكاسات هذا الوباء على وضعية الأفراد نفسيا واجتماعيا قد تشكل ورقة انتخابية رابحة في الشهور والسنوات المقبلة، حيث مع صعود اليمين المتطرف أو التيارات الشعبوية في بعض البلدان الأوربية كإيطاليا وألمانيا من المحتمل أن يؤدي إلى وقوع تحولات بنيوية عميقة قد تمس وحدة واستمرارية الاتحاد.

في إيطاليا، صارت شروط الخروج من الاتحاد مواتية على الأقل شعبيا وفي المخيال العام؛ فمشهد إحراق علم الاتحاد الأوروبي يعبر عن مشاعر السخط والغضب على هذا الكيان، حيث بات الإيطاليون وفق السياقات الراهنة وما سببته هذه الجائحة من معاناة ومآس ينظرون إلى هذا التكتل الأوروبي كإطار فارغ بدون روح.

من جانب آخر، فحسابات الساسة وشوفينيتهم ستجعل من مشروع أو مطلب الخروج من الاتحاد بالنسبة لإيطاليا في ظل وجود حاضنة شعبية في مختلف الأوساط أحد السيناريوهات المحتملة إذا ما تم استحضار كذلك التدخلات الناعمة الروسية والصينية.

أما ألمانيا، فتكرار السيناريو البريطاني ممكن بحسب الموازنة والمفاضلة بين أوجه الاستفادة من عدمها، وبالنظر إلى براغماتية وقوة الماكينة الألمانية، فلا شك في أن ما بعد كورونا سيكون مختلفا عن ما قبلها، موقعا ونفوذا، حيث من المؤكد أن استمرار هذه الدولة داخل الفضاء الأوروبي بات مشروطا بالتموقع بشكل أفضل سواء من خلال قيادة الاتحاد وفق أسس وشروط جديدة، أو من خلال محاولة استثمار التحولات الراهنة للحصول على العضوية الدائمة داخل مجلس الأمن.

أما فرنسا، الحليف التقليدي للمملكة، فهي تحتاج إلى وقت كبير لإعادة ترتيب أوراقها داخليا سواء اقتصاديا وسياسيا وعلى مستوى الاتحاد الأوربي وحتى على المستوى الدولي، حيث قررت أواخر شهر مارس أن تسحب جنودها المنتشرين في العراق، والبالغ عددهم حوالي 200 جندي.

اقتصاديا، تسببت الجائحة في توقف عجلة النمو في مختلف المجالات، مما دفع وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي إلى القول إن بلاده تتجه نحو أسوأ تراجع اقتصادي منذ الحرب العالمية الثانية، وأن نسبة نمو الاقتصاد الفرنسي هذه السنة سيكون أدنى من 1%، فيما كان متوقعا أن تبلغ 1.3% قبل أزمة الفيروس.

إن عملية جرد واستقراء مختلف التحولات والأحداث التي عاشتها أوروبا خلال النصف الأول من السنة الجارية، وما خلفته جائحة كورونا على الفضاء الأوروبي، مؤسساتيا واقتصاديا وسياسيا، يجعل من إقناع بعض الدول في مواصلة عضويتها في الاتحاد راهنا صعبا في ظل صعود التيارات اليمنية التي كانت تعادي وترفض الاندماج في الاتحاد الأوروبي لأسباب سياسية واقتصادية وثقافية وعرقية.

وإن كانت الشروط الداخلية من المحتمل أن تلعب دورا مهما في تفكك الاتحاد بعد أزمة كورونا، إلا أن العوامل الخارجية لا تقل أهمية، خاصة سعي روسيا إلى استرجاع أمجاد الماضي ومحاولة السيطرة على أوروبا الشرقية، هذا، بالإضافة إلى محاولة الصين اختراق الأسواق الأوروبية وسعيها المستمر إلى ضرب الوحدة الاقتصادية للاتحاد.

أمام هذه السيناريوهات، وارتباطا بقضية الصحراء، فضعف الاتحاد الأوروبي أو احتمال تفككه من المتوقع أن يؤثر سلبا على الطريقة التي يدير بها المغرب تعقيدات ومسارات النزاع، لا سيما أن المملكة المغربية تتعامل تجاريا واقتصاديا وسياسيا مع الفضاء الأوروبي ككيان موحد من خلال أجهزته مؤسساته.

استشرافا واستباقا، فإن سيناريو تفكك الاتحاد الأوروبي إن كان مستبعدا أو قائما بعد هذه الجائحة، لكن تحقق هذا السيناريو من المؤكد أنه سيكون مكلفا بالنسبة للمغرب، نظرا لمجموعة من الاعتبارات والحسابات الإستراتيجية والتكتيكية؛ فقد تمكن المغرب، بعد مسار طويل من الشد والجذب، من تحقيق مجموعة من المكتسبات مع الفضاء الأوروبي كشريك اقتصاديا وتجاريا، وحليف سياسي مروض غير معادٍ لمصالح المملكة، وذلك بالاعتماد على أوراق ضغط مهمة، كملفات الهجرة والإرهاب والمخدرات..

المصدر : هسبريس بتاريخ 13 أفريل 2020

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق