دراسات

ما بعد كورونا : حدود الدعم السعودي والإماراتي للنظام المصري

لا يزال تأثير وباء كوفيد ١٩ يتداعى على معظم أنحاء العالم وقد بدا التأثير الأكبر شاخصا على غالبية اقتصاديات العالم وانعكس ذلك على كافة مناحي الحياة وبالأخص السياسي منها والاجتماعي، وفي الإطار السياسي تأتي أهمية قياس التداعيات على أنماط التفاعلات الإقليمية في المنطقة العربية، وخاصة ما يرتبط منها بالدعم المالي من جانب بعض الدول التي تضررت اقتصاداتها من جراء أزمة الوباء، مثل السعودية والإمارات.

ويسعى هذا التقرير لبيان التأثير المستقبلي للأزمة على الدعم السعودي والإماراتي للنظام المصري، هذا الدعم الذي يشكل أحد أهم أسباب نشوء وبقاء هذا النظام منذ 2013 وحتى الآن.

أولاً: الأزمة الاقتصادية في الرياض وأبو ظبي:

تسببت أزمة كورونا في تراجع حاد في اقتصاد السعودية والإمارات ليس بفعل الإغلاق للنشاط الاقتصادي للدولة فحسب بل السبب الأكبر كان في التراجع الحاد لأسعار النفط عالميا لمستويات غير مسبوقة وهو العنصر الذي تمثّل عوائده أكثر من ٩٠ ٪ من إيرادات الدولتين.

فقد كشف تقرير لوكالة الأناضول نقلا عن وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني العالمي، في ١٤/٤/٢٠٢٠م ، أن السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، بحاجة إلى سعر ٩١ دولاراً للبرميل، لتحقيق نقطة تعادل في موازنتها. في حين أن سعر وصل حتى صباح ٢٨ إبريل 2020 إلى ١٩ دولار للبرميل وهو ما يعني انخفاضاً بنسبة ٨٠ ٪ من واردات موازنة الدولة لهذا العام التي تعتمد اعتماد كلي على النفط وهو ما جعل الرياض تقرر مؤخرا خفض الإنفاق في ميزانيتها للعام ٢٠٢٠ بنحو ١٣مليار دولار .

لذلك لم يكن مستغربا أن يحذر صندوق النقد الدولي من اندثار ثروات السعودية في عام ٢٠٣٥، إذا لم تتخذ “إصلاحات جذرية في سياساتها المالية” التي ترتكز بشكل أساسي على عائدات النفط مثل باقي دول الخليج.

أما الإمارات فقد تأثرت بشدة هي الأخرى بفعل الأزمة وهو ما دفعها لإصدار سندات سيادية بقيمة ٧ مليار دولار للاستدانة من الخارج ، خاصة أنه وقبل أزمتي النفط وكورونا، كان الاقتصاد غير النفطي للإمارات والذي يمثل ثلث اقتصاد الدولة يعاني بشدة هو الآخر خاصة في القطاعات الاقتصادية الثلاثة السياحة والعقارات والنقل، وممن هنا تم تقدير الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الإماراتي بأكثر من ٥٢ مليار دولار منذ يناير ٢٠٢٠ .

ثانياً: العلاقات الاقتصادية بين البلدان الثلاثة

يعتمد النظام المصري على الدعم الاقتصادي الخليجي في بقائه، وفي إطار هذا الدعم يمكن التمييز بين مستويين:

الأول: المساعدات الاقتصادية والاستثمارات الخاصة بالرياض وأبو ظبي في مصر:

تحتل مصر المرتبة الأولى في استثمارات السعودية عربياً، بإجمالي ٥٤ مليار دولار، منها ٤٤ مليار دولار استثمارات للقطاع الخاص، وعشرة مليارات دولار استثمارات للحكومة السعودية من خلال ٥٣٩٢ شركة ، فيما بلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين في الربع الأول من العام المالي ٢٠١٩/ ٢٠٢٠ م نحو ١.٧ مليار دولار كما جاء في تقرير للبنك المركزي المصري نشر في ٢٦/١/٢٠.

على الجانب الآخر، يبلغ حجم الاستثمارات الإماراتية في مصر نحو٧.٢ مليارات دولار من خلال ١١١٤ شركة، ويصل حجم التبادل التجاري إلى نحو ٥.٣ مليارات دولار، وفق بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة .

ثانياً: في مجال المساعدات والإعانات للقاهرة:

تلقت مصر من السعودية أكثر من ٢٥ مليار دولار في شكل منح وقروض بفائدة بسيطة فضلا عن قرض قيمته ٢٣ مليار دولار تمت الموافقة عليه في شهر إبريل ٢٠١٦ ولمدة ٥ سنوات، وتم تخصيص القرض لتمويل شراء واردات مصر من المنتجات البترولية من بنزين وسولار وغاز ومازوت .

أمّا بالنسبة للإمارات فبلغ حجم المساعدات ٢٥.٦ مليار دولار في شكل مساعدات مالية مباشرة أو مواد بترولية أو ودائع بنكية .

ثالثاً: الدعم العسكري للقاهرة:

منذ بداية الانقلاب العسكري واتجهت كل من السعودية والإمارات لدعم تسليح الجيش المصري وتمويل بناء القواعد العسكرية في كذلك. ولعل أشهر الصفقات المعلنة التي حصلت على تمويل سعودي إماراتي كان صفقة الأسلحة الروسية والتي تضمنت طائرات ميج 29 المقاتلة، ونظم دفاع جوى، وصواريخ مضادة للدبابات وغيرها .

أيضا ساهمت الإمارات بشكل قوي في بناء قاعدة محمد نجيب العسكرية بمدينة الحمام بمحافظة مطروح على ساحل البحر المتوسط لتكون نقطة تمركز لدعم ميليشيات حفتر والذي كان حاضرا احتفالية افتتاح القاعدة .

كما أسهمت ابوظبي والرياض كذلك في تحديث قاعدة “برنيس” على ساحل البحر الأحمر بالقرب من الحدود الدولية الجنوبية شرق مدينة أسوان، وتبلغ مساحتها 150 ألف فدان وتضم قاعدة بحرية وقاعدة جوية، وعدداً من الوحدات القتالية، والتي يعتبرها كثير من المراقبين، بما فيهم خبراء إسرائيليين، مهمة للحفاظ على أمن إسرائيل . وكانت السعودية قد دخلت متأخرة عن حليفتها أبوظبي في تمويل  بناء القاعدة حتى قامت تركيا بإنشاء قاعدة عسكرية تركية في مدينة سواكن السودانية أيّام حكم البشير.

رابعاً: العلاقات السياسية بين الدول الثلاث

اتسمت العلاقة بينهم بالتعاون لمستوى تكوين حلف استراتيجي بينهم في القضايا الرئيسية في المنطقة، فالدول الثلاث يتشاركون الموقف ذاته من التطبيع مع الكيان الصهيوني بل يتنافسون لتحقيق ذلك، كذلك في موقفهم من المقاومة الفلسطينية وصفقة القرن التي دعا إليها ترامب، وفي قضية حصار قطر منذ مايو 2017.

في اليمن اشترك الثلاثة فيما يسمى التحالف العربي لمحاربة الحوثيين ورغم أن لكل منهما أجندة خاصة يسعى لتحقيقها هناك، إلا أن الغالب على الموقف المصري في مجمل هذه التحالف هو منطق التبعية والابتزاز للرياض وأبوظبي، للحصول على الدعم المالي منهما أو ما اصطلح عليه لدى إعلاميي نظام السيسي، وفي تسريبات أركانه بـ (الرز الخليجي).

لكن هذا لا يعني وجود خلافات بينهم خاصة بين السعودية ومصر، فالتباعد السياسي بينهما أكبر من التقارب الاقتصادي، فمصر صوتت سابقا لصالح قرار روسي في مجلس الأمن على عكس رغبة الرياض التي انتقدت موقف القاهرة هذا علنا، كما أنّ السعودية ترفض التقارب المصري الروسي على أساس أنّ موسكو هي الظهير الأول لإيران التي تعاديها الرياض، كما أنّ السعودية غير متحمسة لدعم حفتر من قبل القاهرة وأبوظبي وترى ذلك تأزيم للموقف وليس حلاً له.

وكانت نقطة الخلاف الكبرى هي حجم الدعم العسكري الذي كانت تنتظره الرياض من السيسي في حرب اليمن وهو ما لم تفعله القاهرة، واكتفت بدور محدود غالبه غير معلن، والظاهر منه هو تأمين الملاحة في باب المندب واسناد بحري لقوات التحالف، وهذا الخزلان المصري – كما تفهمه السعودية – تعتبره الرياض سبباً لعدم قدرتها على حسم الصراع في اليمن لصالحها حتى الآن.

خامساً: ملاحظات ونتائج:

بناء على المعطيات السابقة لا ينتظر في المستقبل القريب أن تؤثر أزمة كورونا أو انخفاض أسعار النفط على العلاقة بين السعودية والإمارات ومصر، بل المتوقع أن يزيد حجم التعاون بينهم في ظل الأزمة الحالية للأسباب التالية:

١- لا يمكن للرياض وأبوظبي التنازل عن السيطرة على القرار السياسي المصري وبالذات من قبل محمد بن زايد الذي يعتبر نظام السيسي هو صنيعته الكاملة ويحرص على أن يستأثر بهذا النفوذ عليه حتى لو اضطره ذلك الى المناكفة مع محمد بن سلمان، الذي استخدم هو الآخر ورقة الدعم للسيطرة على النظام المصري سياسيا، رغم أنه لم ينجح في ذلك كلية وخصوصا في ملف اليمن إلا أن الطرفين – المصري والسعودي – يحرصان على الحفاظ على شعرة معاوية بينهما إبقاءً على مصالحهما المشتركة.

٢- مصر هي بوابة إفريقيا ونافذة الخليج على أوروبا وخصوصا عبر قناة السويس المحور الملاحي الأهم في العالم لنقل النفط، وبالتالي الحفاظ على علاقات استراتيجية قوية مع النظام المصري يعد أمراً هاماً للغاية سياسيا واقتصاديا للدولتين وخصوصا الإمارات، ودورها المعروف في ليبيا الداعم لميلشيات حفتر عن طريق النظام المصري أو في القرن الإفريقي.

٣- ضمان عدم عودة الإخوان للحكم مرة أخرى وهذه مهمة يقوم بها السيسي بإخلاص، وبالتالي بقاء السيسي ونظامه يعد ضمانه لعدم عودة جماعة الإخوان للحياة العامة، وهي الجماعة التي تعتبرها الرياض وأبوظبي عدواً لدوداً لهما وتهديداً مستقبلياً لوجودهما.

٤- استمرار دعم الدولتين لنظام السيسي والحفاظ على استمراره في الحكم هو بوابة لنيل الرضا الإسرائيلي لأن انهيار نظام السيسي يشكل تهديداً خطيراً لمستقبل إسرائيل في المنطقة. وبما أن الرضا الإسرائيلي هو مفتاح رضا البيت الأبيض فلا يمكن أن تغامر الدولتان بالتخلي عن نظام السيسي أو القطيعة معه.

٥- تقاطع المصالح الاقتصادية بين الدولتين ومصر لا يسمح بتراجع الدعم عن نظام السيسي، فعلى سبيل المثال ذكرت وكالة “بلومبيرغ” الأميركية في تقرير لها ” أن السعودية أرسلت كميات كبيرة من النفط الخام لتخزينها في المستودعات بمصر، استعداداً لبدء زيادة الصادرات إلى أوروبا. وبحسب بيانات “بلومبيرغ”، فإن السعودية أرسلت إلى مصر حوالي ١.٣ مليون برميل يومياً منذ بداية مارس 2020 وهو أعلى معدل لصادرات النفط السعودي إلى مصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

وتصدر السعودية نفطها الخام من موانئها إلى ميناء العين السخنة على ساحل البحر الأحمر (شرق مصر)، حيث يتم نقل الخام عبر خط أنابيب داخل الأراضي المصرية إلى ميناء سيدي كرير على ساحل البحر المتوسط (شمال) لإعادة تصديره إلى أوروبا.

وخزانات سيدي كرير تشغل واحدا من ثلاثة مواقع تخزين رئيسية للسعودية خارج أراضيها، حيث يقع الآخران في روتردام غربي هولندا، وأوكيناوا في اليابان، وخزّانات سيدي كرير تُعتبر مخزن استراتيجي لنفط المملكة وبالتالي لا يمكن أن تخاطر الرياض بعلاقة متوترة مع القاهرة ويوجد تحت يديها أحد أهم مواقع تخزين النفط الخاص بها.

٦- اقتصاديا كذلك، أزمة انهيار أسعار النفط ستسرّع من المحاولات الخليجية للتحول للاقتصاد غير النفطي بعد الضربة القاتلة التي تلقتها، ولن يكون أمامهم أفضل من السوق المصري الذي يتجاوز عتبة المئة مليون مستهلك لكيّ يستثمروا فيه، وبالتالي زيادة التعاون والاستثمار في السوق المصري هو المتوقع وليس العكس.

7ـ أن هناك استفادة مهمة جدا للنظامين السعودي والإماراتي، من استثماراتهما في السوق المصري، وهي أن كثير من هذه الشركات تدار أو يعمل فيها عدد كبير من قيادات الجيش والشرطة وأسر رجال القضاء والشخصيات الإعلامية، وهو ما يعني نفوذاً ممتداً داخل مواقع الدولة المصرية، السيادية، وهي مكاسب تضمن لهم وضع امتيازي في كافة أوجه الاستثمار داخل الدولة المصرية.

ولكن في مقابل العلاقات الرسمية، يبقى هناك أثر محتمل غير رسمي يمكن أن يبرز، يتمثل في حجم العمالة المصرية في الدولتين، حيث يتوقع أن يتم الاستغناء عن عدد كبير منها نتيجة خفض الإنفاق العام فيهما.

وفي إطار هذه الاعتبارات يمكن القول إن التحالف بين الرياض وأبوظبي من جهة والقاهرة من جهة أخرى لن يتأثر بفعل الأزمة الحالية بل سيزداد التعاون بينهم اقتصاديا لتجاوز الأزمة، في حين ستظل الخلافات السياسية المحدودة بين السعودية ومصر أو السعودية والإمارات كما هي، تخفُت حينا وتشتعل حينا آخر لكن سيحافظ الجميع على التحالف الاستراتيجي بينهم ولن يقطع أيّ منهم شعرة معاوية السياسية.

المصدر : المعهد المصدر للدراسات بتاريخ 05 ماي 2020

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق