الجزائرتحاليلشمال إفريقيا

موت الطبيبة الشابة والحامل في شهرها الثامن أثار الرأي العام هل يُمكن تدارك عُيوب القطاع الصحي في الجزائر؟

إفريقيا 2050-أبو رسلان

الوفاة المأساوية لطبيبة جزائرية حامل في شهرها الثامن منذ أيام، في أحد المستشفيات الحكومية في شرق البلاد، بعد إصابتها بفايروس كورونا، وخاصة في ظل ثبوت أنه وقع حرمانها من حقها في إجازة مرضية، تحولت عمليا خلال الأيام الماضية إلى شبه محاكمة للقطاع الصحي في الجزائر والذي انكشفت عيوبه تحت ضغط الجائحة مثله مثل كل قطاعات الصحة في كل البلدان الإفريقية، وكل ذلك يطرح أسئلة مهمة واستراتيجية في هذه المرحلة على غرار:

  • هل سيكون القطاع الصحي الجزائري قادرا على التكفل بالمرضى بعدما عجز عن حماية كوادره وهو أمر شككت فيه الطبيبة الشابة؟
  • هل تستوعب الحكومة الجزائرية الحالية الصدمة أو ما وقع للطبيبة الشابة وما حدث من ردود أفعال، وتركز بالتالي جهودها في استثمار المرحلة، خاصة في ظل اضطراب أسعار البترول عالميا وهو ما يعني ضرورة وجود بدائل في البلد لإنقاذ الاقتصاد الجزائري خاصة في ظل تبيّن أن مصانع كوابل وتوابع السيارات هي ذات مردودية ضعيفة؟
  • هل ستكون أزمة كورونا دافعا لإعادة هيكلة القطاع واصلاحه وعبر تحويله في مرحلة لاحقة لقطاع استراتيجي ومصدر لخدماته لبقية الدول العربية والافريقية؟

 

  • الصدمة الناتجة عن الوفاة والمترتبة عن قطاع يترنح
  • المطلع على تقارير اليوميات الجزائرية يتبين له أن الهيئات المسيرة للقطاع الصحي الحكومي قد تبادلت الاتهامات بشأن المسؤولية في وفاة الطبيبة “وفاء بوديسة” (28 عاما) وهي حامل في شهرها الثامن بعدما أصيبت بفايروس كورونا[1]، وقد أكد المتابعون أن تداعيات وفاة الطبيبة الشابة على الرأي العام الجزائري وخاصة الشبابي منه والذي حوّل رثاء الطبيبة الراحلة على شبكات التواصل الاجتماعي إلى إدانة سياسية واجتماعية صريحة للسلطة القائمة وخاصة لكبار المسؤولين في وزارة الصحة، حيث حُظيت الطبيبة الراحلة بتعاطف شعبي كبير في الجزائر بسبب ظروف وفاتها وموقف الإدارة من وضعها المهني والاجتماعي، فضلا عن تركها لطفلة مصابة بوباء كورونا إلى جانب أفراد من العائلة في مدينة سطيف بشرق البلاد.

 

  • حكومة جراد حاولت مثلها مثل كل هياكلها المركزية احتواء موجة الغضب التي اجتاحت العاملين في القطاع الصحي بالبلاد، وعمليا سارع وزير الصحة لزيارة منزل الضحية لتقديم تعازي الحكومة لعائلتها، ومن حيث الإجراءات المتعلقة بالحادثة تم فعليا إيقاف مدير المستشفى عن العمل بسبب حرمان الطبيبة المتوفاة من حقها في إجازة مرضية خاصة أنها كانت حاملا في الشهر الثامن، ونقل عن عائلة الطبيبة الراحلة أنها تقدمت في ثلاث مناسبات بطلب إجازة إلى الإدارة قوبلت كلها بالرفض، وهو رفض ارتكز فعليا على أوامر سابقة لرئيس الوزراء عبدالعزيز جراد ولوزير الصحة عبدالرحمن بن بوزيد، حيث كانا قد أصدرا أوامر تقضي برفض كل أنواع الإجازات في القطاع الصحي، بدعوى تعبئة الكوادر الطبية لمواجهة تفشي وباء “كورونا”…

 

  • لا يختلف اثنان وخاصة العارفين بشؤون القطاع الصحي الجزائري أن “كورونا” قد كشفت المستور وأنها عرّت الحقائق المرّة في الخدمات الصحية، على غرار النقص المسجل في الكوادر المعبأة لتقديم الخدمات الصحية في الظروف العادية، إضافة الى ان المستشفيات وبقية المؤسسات الصحية بالبلاد وهذه الأخيرة تعاني فعليا نُقصا لافتا في الإمكانيات الطبية والأدوية، وأن القطاع يفتقر للتخطيط والإصلاح الهيكلي مما يعني أنه غير قادر للتعاطي مع الأزمات الطارئة وانه غير قابل للتحول الى قطاع تصديري في البعد الخدماتي نتاج تأثيرات السياسي عليه طوال العقود الماضية…

 

  • يشهد القطاع وضعا صعبا ومترديا ومترنحا بالرغم من الإمكانيات الضخمة والجبارة والأموال الطائلة التي تضخها الدولة سنويا، إضافة إلى الاهتمام الكبير الذي أولته له البرامج الخماسية من حيث التخطيط والبرامج وهو ما يعني ان الخلل تراكمي أولا وهيكلي ثانيا ومتعدد الابعاد في تداخل مع السياسي والثقافي والاجتماعي وأن معالجة أزماته وتخبطه المنهجي لا يمكن ان يكون سهلا ولا سريعا…
  • هل يمكن تدارك الوضع في المدى المتوسط، وكيف؟
  • الثابت أن الجزائر هو بلد الطاقات والرأسمال البشري القوي والثري وله من الإمكانيات ما يؤهله الى تدارك كوارث وخيبات السنوات الماضية سياسيا واقتصاديا، خاصة وأنه مؤهل للعب أدوار إقليمية غير كلاسيكية وخاصة في ليبيا ومالي وحتى في اليمن، ولذلك انعكاساته في القدرة على اصلاح القطاع الصحة وتأهيله …

 

  • القطاع الصحي في الجزائر لم يعرف مرحلة الترنح والارتباك إلا منتصف التسعينات، حيث وبلغة الأرقام غداة الاستقلال، كان في خدمة الــــ10 ملايين نسمة يومذاك قرابة 300 طبيب فقط، وهو ما استوجب يومها تحديد الأولويات والتركيز على سياسة صحية تهدف إلى القضاء على الأمراض الوبائية ومكافحة وفيات الأطفال، وقامت تلك السياسة على بناء الهياكل وتكوين الإطارات الطبية وشبه الطبية والإدارية، كما تمثلت تلك السياسة في المكافحة المكثفة للأمراض الوبائية وتعميم العلاج الوقائي، كالتلقيح، نظافة المحيط، حماية الأمومة والطفولة، النظافة المدرسية وطب العمل وهما الهدفان الرئيسيان اللذان شملهما البرنامج المسطر لعام 1962[2]

 

  • مشكلة القطاع الصحي في الجزائر اليوم، مترتبة عن وضع سياسي وعلى تراكم تاريخي وعلى عقلية افريقية مفادها ليس المهم كيف نبني استراتيجيا بقدر أن المهم هو المعالجة المرحلية أي ان عقلية التحيين والإصلاح الهيكلي غائبة ومغيبة على عقلية ثقافية سائدة عربيا وافريقيا…

 

  • بناء الحلول لابد ان يكون ضمن مسارين متلازمين الأول استراتيجي يقوم على فهم مستقبل العالم ومستقبل كيفية إدارة الخدمات الصحية المرتبطة أساسا بالتطورات التكنولوجية وبالعولمة، بينما المسار الثاني هو تقييم طبيعة الواقع الراهن والوقوف على الحاجات الأساسية ومكامن الخلل من حيث البنية واللوجستيك والكادر البشري والتمويل…

 

  • إدارة حكومة تبون/جراد لأزمة “كورونا” وان كانت كلاسيكية ولم تُلامس النجاح الكامل[3] ولكن الإجراءات والخطوات خلال الأيام الماضية أنها جيدة وقادرة على تجنيب البلد تعدد الإصابات والوفيات والدفع بحالات الشفاء للتنامي بشكل تصاعدي ومطرد…

 

  • الخلاصة أن القطاع الصحي في الجزائر ليس قطاعا منفصلا عن واقع بلد تخلص من دكتاتورية مقيتة ومن هيمنة عصابة فاسدين على ثرواته، وهو بلد استثنائي من حيث امكانياته ومتميز في كل الاتجاهات وقادر على التلاؤم مع المتغيرات المتسارعة إقليميا ودوليا، وبالتالي فان تشريك المجتمع المدني المرتبط بالقطاع الصحي وفتح ورشات حوارية حول مستقبل القطاع بإمكانها أن تضع هذا الأخير على سكة الإصلاح في المدى المتوسط ويمكن أيضا تبين نتائج كبيرة في المدى البعيد[4]
  • الهوامش:

[1]  أنظر تقارير اليوميات الجزائرية (“الخبر”، “الشروق”، “البلاد”)، وأنظر أيضا تقرير صحيفة “العرب اللندنية” بتاريخ 20-05-2020 تحت عنوان “وفاة طبيبة حامل مصابة بكورونا تعري أمراض قطاع الصحة في الجزائر“، بقلم “صابر البليدي”

[2]  راجع جريدة الشعب الجزائرية “قطاع الصحة في الجزائر يحتاج إلى إعادة نظر” بتاريخ 7-08-2012 …

 

[3]  تقييم يمكن بناؤه مثلا على تقييم منظمة الصحة العالمية للبلدان العربية والافريقية في تعاطيها مع أزمة كورونا، والمنظمة العالمية لم تضع الجزائر في مراتب متقدمة…

[4]  أنجز العديد من طلبة الجامعات الجزائرية أطروحات وأبحاث حول السياسة الصحية الجزائرية وحول القطاع الصحي على غرار أطروحة “أمينة موذن” (السياسة الصحية في الجزائرية، دراسة ميدانية للمؤسسة العمومية للصحة الجوارية)…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق