الجزائردراساتشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

الجزائر بين رياح الربيع العربي و ارهاصات الحراك الشعبي .

بقلم : عمار سيغة  , أستاذ في العلوم السياسية و العلاقات الدولية

استقبلت الجزائر موجة “الربيع العربي” في مصر وتونس وليبيا، وسورية واليمن كغيرها من الدول العربية بمواقف اكتنفها الغموض ، على اعتبار المرتكز الأساسي للسياسة الخارجية للجزائر بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول . وبدا موقفها غامضًا من التحولات السياسية في المنطقة العربية. وأدركت الجزائر أهمية استقرار البيئة الإقليمية على الأمن القومي من جهة والاستقرار السياسي من جهة أخرى ،  قرّرت الجزائر تبني أسلوب الدفاع عن الأنظمة العربية التي واجهت الثورات ، و كانت نظرية المؤامرة حاضرة و بقوة على اعتبار ما يحدث في الدول العربية مخططا غربيا يهدف الى زعزعة استقرار المنطقة العربية و اعادة تشكيل جغرافيا جديدة في الشرق الأوسط العربي ، و شمال افريقيا  .

تمسك الجزائر بالمبدأ القائل بأن الديمقراطية هي اختيار دولة ومجتمع و تبقى صناديق الانتخابات الفيصل في الوصول للسلطة ، مخاوف النخبة الحاكمة من احتمال انتقال عدوى الاضطرابات إلى الجزائر ، شكل أرقا للنظام القائم و لوحت السلطة بفزاعة  تكرار سيناريو المأساة الوطنية في تسعينيات القرن الماضي التي أسفرت عن مقتل حوالي ربع مليون  جزائري في أعمال عنف، وخسائر اقتصادية فاقت  30 مليار دولار. وهو ما جعل الجزائريين يحبطون محاولات و دعواتتغيير أو إسقاط النظام التي كانت أصواتها تنادي اليها من وراء الضفة المتوسطية .

تأييد الجزائر للأنظمة العربية حتى ساعاتها الأخيرة قبل السقوط بمبررات مخافة اختراق الثورات من جهات داخلية وأخرى خارجية تهدف الى زعزعة استقرار المنطقة ومع أنَّ ثورات الربيع العربي قد أطاحت بثلاثة من الرجال الأقوياء في شمال إفريقيا -الرئيس الليبي معمر القذافي، ورئيس تونس زين العابدين بن علي، ورئيس مصر حسني مبارك- فإنَّ القيادة الجزائرية نجحت في اجتياز العاصفة [1]، و اعتقادًا منها بأن وصول الإسلاميين إلى الحكم في تونس ومصر، سيُتيح الفرصة لعناصر التيار الاسلامي الراديكالي من التموقع من جديد. و تفسير  هذا هو أن النظام الجزائري يعتقد أن الأنظمة المتهاوية في المنطقة كانت تشكل سدًا منيعًا ضد الحركات الإسلامية الراديكالية. وبسقوطها تكون الجزائر في مواجهة للتهديدات الغير تقليدية و يجعل الأمن الوطني الجزائري مهددا بشكل غير مسبوق.

تحذير روسيا للجزائر من وجود مؤامرة خارجية تُحاك ضدها لتسويق الفوضى إليها عن طريق “الربيع العربي” جاء على لسان وزير خارجيتها سيرغاي لافروف مؤكدا على أن هذه الأطراف سبق لها وأن نشرت الفوضى في بيئة الجزائر الإقليمية انطلاقًا من ليبيا، تونس ومالي.و تسعى أطراف خارجية إلى توظيف الأقليات والاثنيات والشبكات الإرهابية لزعزعة استقرارها وإثارة الفوضى في المنطقة ، وفقا لهذا الطرح فإن إثارة الفوضى في تونس هو جر المنطقة برمتها الى حالة من عدم الاستقرار ، وضرب العمق الاستراتيجي الجزائري ، ما يؤكد على أن الجزائر مهددة بشكل مباشر بما يجري في بيئتها الإقليمية وعليها التحرك لإعادة استقرار المنطقة .

الثورة التونسية و انعكاساتها على العلاقات الجزائرية التونسية : شكل النموذج التونسي في ارساء معالم الديمقراطية تجربة أكثر ديناميكية اذا ما تمت مقارنته مع مسالك التحول في بقية بلدان الربيع العربي الأخرى ، وقد أكدت الانتفاضة الشعبية من خلال الشعارات المرفوعة على قضايا جوهرية[2] منها بالأساس حق الشغل

و التنمية الجهوية و العدالة الاجتماعية و الكرامة و الحرية و مقاومة الفساد  و الاستبداد  فقد كانت مدينة “سيدي بوزيد “مبعث اول الثورات بعد حادثة ” البوعزيزي” و التي كانت شرارة أشعلت فتيل الإحتجاجات فيما أفضت الى إسقاط نظام ” بن علي” ليليه زعزعة أركان الأنظمة في ليبيا ،  مصر و اليمن و القائمة لاتزال مفتوحة ، لقد توفرت لدى التجربة التونسية كل المقومات التي دفعتها لتحقيق هذا الإنجاز التاريخي ، ولايزال مسلك التحول الديمقراطي سليما لحد الساعة بالمقارنة مع بقية الثورات التي أخذت فيها الأحداث منعرجات اتسمت بالإرتباك الداخلي و لم تسلم من الإختراق الخارجي .

انعكاسات التحول الديمقراطي في تونس على علاقاتها مع الجزائر كان له التأثير البالغ نظرا لحدود التماس الجغرافية وعمق الروابط التاريخية من جهة أخرى ، فالجزائر دولة وشعبا لا تزال تدين بوقفة تونس مع الثورة التحريرية امدادا و دعما معنويا ، فمن اراضيها تم اطلاق لسان حال الثورة الجزائرية الإعلامي و منها انطلقت شحنات الأسلحة مخترقة نقاط المراقبة للستعمر الفرنسي  ، كما امتزجت دماء الجزائريين مع اخوانهم التونسيين في أحداث ساقية سيدي يوسف الحدودية .

مخاوف الجزائر من موجات الربيع العربي التي انطلقت شرارتها من تونس لم تنفك تنادي بضرورة الهدوء في تبليغ المطالب التي رفعها المحتجون وتغليب الحكمة لدى صانعي القرار في التعامل السلمي مع المتظاهرين  ، كما لم تخف مخاوفها من حظور المؤامرة الخارجية في ضرب استقرار المنطقة و تهديد الأمن القومي لبلدان المنطقة المغاربية بالنظر لموقعها المطل على الضفة الجنوبية للمتوسط ، وكذا موقعها الجيواستراتيجي الرابط بين العمق الأفريقي و دول البحر المتوسط ، لذا اهتمت السلطات الجزائرية بتكثيف التنسيق الأمني بعد الانفلات الأمني الذي عرفته تونس وتصاعد وتيرة الأعمال الإرهابية من تفجيرات  و اغتيالات لشخصيات سياسية بارزة على غرار الناشط السياسي  “شكري بلعيد” على يد جماعة متطرفة  و اعتداءات على منتجعات سياحية كحادثة الإعتداء على فندق قتل 39 شخصاً بينهم سياح أجانب في فندقين بولاية سوسة على الساحل الشرقي التونسي ، في اعتداء مزدوج هو الأكثر دموية في التاريخ الحديث للبلاد التي تشهد تصاعد عنف مجموعات جهادية مسلحة[3] ، و كذا الإعتداء على السياح في متحف الباردو في العاصمة ما كان له التأثير المباشر على الاقتصاد التونسي الذي يعتمد على القطاع السياحي كأحد أهم الأنشطة في تونس ، تلك الأحداث أعطت المبررات للسلطات الأمنية الجزائري لرفع مستوى التنسيق الأمني و التعاون العسكري لدحض تهديدات الجماعات الإرهابية التي اتخذت من جبال الشعانبي المحاذية للحدود الجزائري معقلا لها فجرت العديد من المواجهات بين الجيش التونسي و الجماعات المتطرفة بدعم و تنسيق جزائري ، و مع تصاعد وتيرة الإقتتال في سوريا أصبحت تونس منطقة تجنيد و عبور للمقاتلين العرب المجندين في صفوف المجموعات المقاتلة ضد النظام السوري حيث تم تفكيك جماعات و اعتقال العديد من منتسبي مجموعات تنشط بين حدود تونس و الجزائر مهمتها تجنيد أفراد من المنطقة لإرسالهم للقتال في سوريا .

بعد سقوط نظام “معمر القذافي” زادت حدة التهديدات الأمنية القادمة من الجارة تونس نحو الجزائر ، فالانفلات الامني في ليبيا شكل تهديدا حقيقيا لاستقرار المنطقة برمتها بالنظر لمحدودية الإمكانيات بالنسبة للجيش التونسي ، و ارتفاع نشاط الجماعات المسلحة والمليشيات الناشطة على الحدود الليبية التونسية ، دعم الجزائر للعملية الديمقراطية في تونس و متابعتها عن كثب لمجريات هذا التحول عزز من عمق العلاقات المتينة في أصلها بين البلدين ، رغبة الجزائر في استتباب الإستقرار في تونس و مخاوفها من صعود التيارات الدينية الراديكالية التي كانت تنشط في سرية خلال حكم بن علي لم يكن خفيا للاعتبارات التاريخية المتعلقة بالتجربة الجزائرية مع الجماعات المتطرفة خلال العشرية الحمراء  .

تتميّز العلاقات الجزائرية-التونسية بسمات خاصة لا يُظْهر فيها صُنّاع القرار في البلدين أي خلافات ـ حتى لو كانت عميقة ومصيرية وحاسمةـ سواء تعلّقت بالمشترك بين الدولتين، أو بالمصالح الخاصة بكل دولةــ بما في ذلك المرحلة التي حكم فيها الرئيسان الحبيب بورقيبة تونس، وهواري بومدين الجزائر، وما صاحب ذلك من رؤية سياسية تتعلق بالعلاقة مع الغرب من جهة، والدول المغاربية من جهة ثانية[4] .

صعود تيار النهضة الإسلامي المعتدل في انتخابات 2014 بعد تشكيل المجلس التأسيسي في تونس خلف ارتياحا كبيرا لدى النظام الجزائري ، بالنظر لطبيعة الاعتدال و الوسطية الذي يتميز به التيار السياسي للنهضة الحاكم في تونس ، فقد استقبل الرئاسة في الجزائر زعيم حزب النهضة ” راشد الغنوشي ” في العديد من المناسبات خاصة بعد بعث الدبلوماسية الجزائرية لمبادرة الاصلاح بين الفرقاء الليبيين بغرض الوصول الى حلول سياسية تقي البلاد شر الحرب الأهلية .

و على الرغم من انسحاب حزب النهضة التونسي من الرئاسة في تونس و اكتفائه بقيادة البلديات و المعتمديات بقي التنسيق الأمني التونسي الجزائري حتى بعد صعود التيار السياسي المحسوب على حزب نداء تونس بقيادة ” الباجي قايد السبسي” الوجه القديم في نظام بن علي  في تونس ، هذه الشخصية المخضرمة لها علاقاتها المتينة مع الرئاسة الجزائرية ، ستضمن الحفاظ على مستوى التنسيق الامني و متانة العلاقات الرابطة بين تونس و الجزائر .

يمكن القول، وبناء على تجربة العلاقات الممتدة والثابتة بين البدين، إن الأزمات التي تمر بها المنطقة، أو تلك المحلية أو حتى العابرة والمفتعلة سواء من الداخل أو من الخارج لن تؤثر في مسار حركة التاريخ بين الدولتين، والتي تجسدت، اقتصاديا وجغرافيا، في عدد الاتفاقيات والبرامج التنفيذية المبرمة منذ 1963 بين البلدين، والتي تجاوزت 115 وثيقة [5].

 ثانيًا : تطورات المشهد الأمني في ليبيا وانعكاساته على الجزائر .

شكل سقوط نظام القذافي خارطة جديدة تمثلت في إضعاف النظام القبلي كفاعل سياسي تقليدي في ليبيا ،و ظهرت بدلاً منها فواعل جديدة أو ما يعرف بمليشيات الثوار، و شرعيتهم منبثقة من المشاركة في الثورة. و أفرز الانفلات الأمني في جماعات مسلحة انتشرت في البلاد لها ولاءاتها المُتعددة وترتبط بجهات خارجية.

حيث أصبحت ليبيا مجالا مفتوحا  لتدخل لاعبين دوليين واقليميين، كل يحاول فرض أجندته على أطراف الأزمة الليبية. فقد لعبت مصر والإمارات دورا جوهريا في اسقاط النظام في ليبيا فقد نفذّ السلاح الجوي للبلدين غارات على أهداف داخل ليبيا بدعم من القاهرة، وهي الخطوة التي مهدتلضرب أمن واستقرار المنطقة برمتها.

إن مكانة  مصرالإقليمية يجعلها معنية بشكل مباشر بما يجري في ليبيا، فبالرغم من تباين وجهات نظر السياستين الجزائرية والمصرية من الملف الليبي؛ إلاّ أن الجزائر تعي أهمية التنسيق مع القاهرة في اطار المجلس الأعلى الجزائري-المصري ليكون مخرجالاحتواء الأزمة الليبية. وذلك بالرغم من عدم رغبة مصر في تنظيم الإخوان المسلمين الحاضر في المشهد الليبي في آية عملية سياسية، بينما ترى الجزائر بأهمية الحوارالذي لا يقصي أي طرف.و يبقى ارتباط اللاعبين المحليين بأطراف خارجية دولية وإقليمية، الأمر الذي أدى إلى تأجيل جولات الحوار في الجزائر لعدة مراتما عرقل المساعي الجزائرية لحل الأزمة في ليبيا .

استمرار التوتر في ليبيا يفرض على الجزائر ضرورة تأمين الحدود بين البلدين والتي يفوق طولها 900 كلم. فمنذ 2011م، قامت الجزائر بنشر ما بين 30 الى 40 ألف جندي على طول الحدود، كما عززت منظومتها الدفاعية من دفاع بري و جوي. بغرض تأمين الحدود مع  النيجيرو ماليوهي إجراءات مكلفة لميزانية الدفاع الوطني من الناحية المالية.

كما استعانت الجزائر بتجربتها في مكافحة الإرهاب و معرفتها الجيدة بالجماعات الإسلامية في المغرب العربي، لبناء شبكة علاقات مع الجماعات الإسلامية الليبية. وقد لعبت حركة النهضة التونسية الشيخ دورًا في مساعدة الجزائر على ربط اتصالات مع الوجوه الإسلامية المعتدلة في ليبيا. وفي هذا الشأن، تتقاطع المقاربة الجزائرية مع السياسة القطرية والتركية في ليبيا والتي تتمثل في إضعاف الجماعات الراديكالية التكفيرية وتحييدها من خلال دعم الإخوان المسلمين والجماعات السلفية المعتدلة .

و يرى صانع القرار الجزائري أنه لحل الأزمة الليبية لابد من  ضرورة إجراء مفاوضات مباشرة مع جميع الفصائل الليبية و أطراف الأزمة فيها ، بعيدًا عن أي تدخل خارجي. كما يتضمن المقترح الجزائري إعادة بناء الدولة في ليبيا، وإقامة مؤسسات قوية بجيش وحكومة وطنية لمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة التي استشرت في المنطقة بعد انتشار فوضى السلاح . ولبلوغ تلك الغاية تحاول الجزائر إقناع الفرقاء الليبيين بجدوى المصالحة وطنية و إعادة إعمار ليبيا ، ودعا المسؤول  الدبلوماسي الجزائري الجديد  إلى التئام لقاء عاجل في إطار مبادرة الباجي قائد السبسي حول الوضع في ليبيا، والتي تحولت إلى مبادرة ثلاثية الأطراف، تضم كلا من الجزائر وتونس ومصر، في خطوة لا تتعدى حظوظ تسجيل الحضور في الأزمة الليبية المتفاقمة [6]. فالنزاعات التي تستغرق وقتًا طويلاً في إيجاد حلول دائمة تتخذ مسارات غير مضمونة النتائج وعواقبها وخيمة على الأمن الإقليمي.

وتبرز أهمية التنسيق الجزائري ـ الروسي في الملف الليبي في أن توصل الجزائر إلى إقناع بقية الفصائل الليبية بضرورة إقامة قاعدة عسكرية روسية في ليبيا. وهو ما سيؤدي حتمًا إلى تحقيق نوع من توازن القوى في حوض المتوسط، وكذا تخفيف الضغوط الأوروبية والفرنسية تحديدًا على الجزائر.

تتوجس الجزائر من التدخلات التي تقودها القوى الكبرى في الشأن الليبي فقد تؤدي إلى نسف الجهود لتسوية سياسية للأزمة. لذلك شجبت وبشدة التدخل العسكري الفرنسي في ليبيا بدعوى محاربة التيارات الاسلامية المتطرفة [7].

ثالثًا: موقف الجزائر من الصراع في سوريا .

تبنّت الجزائر منذ بداية الأزمة السورية في 2011م، موقفًا ثابتًا من الصراع  ، حيث يبدو موقفها منسجمًا مع قناعاتها و مبادئ سياستها الخارجية؛ الرافضة لأي تدخل عسكري أجنبي في سوريا، ما أضفى المصداقية على جهودها الدبلوماسية لإنهاء الصراع.

الموقف الجزائري من الأحداث السورية على النحو الذي تابعناه، يعود إلى ثلاثة أسباب، أولها: رفض التدخل في شؤون الدول، سواء أكان دعما معنويا للحوار أو تدخلا عسكريا، وثانيها: أن كل دولة هي الأولى بحل مشكلاتها الداخلية بالصيغة التي يراها أبناء المجتمع، وينطبق هذا بوجه خاص على سوريا. وثالثها: مناهضة الإرهاب على خلفية ما عاشته في تسعينات القرن الماضي ومجابهته لوحدها أمام صمت دولي، ولذلك كان موقفها مناهضا للإرهاب في سوريا منذ بداية الأزمة، وحذّرت من انتشاره إلى الدول الأخرى[8].

وانطلاقًا من إدراكها بمؤامرة ـ”الربيع العربي” قناعة الجزائر راسخة بأن سوريا تتعرضلمؤامرة تستهدف أمنها ووحدتها الوطنية، وهي بحكم موقعها الجغرافي أصبحت مسرحا لتدخل القوى الإقليمية و الدولية في أزمتها الداخلية، و تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين العرب و  الأجانب للقتال في سوريا ، ما زاد من تعقيد الأزمة السورية.

إن تمسك الجزائر بقناعاتها جعلها في مواجهة سياسات مجلس التعاون الخليجي إزاء الحرب على سوريا. وفي إطار القمم العربية منذ 2011م، فقد جدّدت الجزائر التأكيد على تمسكها بالحل السياسي للأزمة في سوريا ، ورفضت الانضمام إلى أي تحالف عربي أو دولي لإسقاط النظام في سوريا فالرؤية الجزائرية تؤكد على أن أي تدخل أجنبي سيؤدي حتمًا إلى تأجيج التوترات، واشعال فتيل حرب طائفية إقليمية لا نهاية لها .

من جهة ثانية، هناك إجماع في الجزائر بين النظام والرأي العام بخصوص الموقف من الأزمة السورية، حيث تحظى مسألة إدانة النظام السوري بحساسية شديدة لدى الجزائريين. إذ تخشى السلطات الجزائرية من ردود أفعال الرأي العام في حالة أي تبني أي موقف ضد سورية. فالإدراك الجزائري لما يجري في بلاد الشام مؤداه أن دمشق ضحية مخطط يستهدف أمنها ووحدتها الترابية ويرمي إلى تقسيمها إلى دويلات في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير. وينظر الجزائريون عمومًا إلى معارضة النظام السوري بأنها مرادف لخيانة القضية العربية، والعمالة للامبريالية وللإرهاب الدولي. ووفقًا لهذا الطرح، فإن عداء الغرب لسورية كافٍ في نظر الجزائريين للتضامن مع دمشق.

أضف إلى ذلك أن الصراع على سوريا هو أحد تداعيات “الربيع العربي”، الذي تعتبره الجزائر من صنع الامبريالية العالمية ومؤامرة كونية لتفكيك ما تبقى من الدول العربية المعادية للكيان الصهيوني والمعارضة للتطبيع معه.

وفي مقابل ذلك، فإن اتخاذ أي موقف معاد للنظام السوري لا يعني بالضرورة تأييدًا للمعارضة السورية بمختلف فصائلها، حتى وإن كان لفيف من التيار السلفي الجهادي قد تنقلوا من دول تونس و الجزائر و ليبيا  إلى سورية وانضموا إلى التنظيمات الإسلامية المقاتلة ضد النظام السوري.

إن تصنيف حزب الله اللبناني في لائحة المنظمات الإرهابيةبناء على نص لائحة مجلس وزراء الداخلية العرب في 02 مارس 2016م. أثار حفيظة الجزائر مبررة موقفها بأن الحزب اللبناني مكون أساسي من مكونات المشهد السياسي في لبنان و طرف في الحكومة ، و عليه  ترفض الجزائر أي تدخل في الشؤون الداخلية للبنان.

و بخصوص قرار جامعة الدول العربية المجتمع بتاريخ 22 يوليو 2011م، والذي يُطالب الرئيس بشار الأسد بالرحيل، و تلاه قرار أعضاء من جامعة الدول العربية سحب سفرائهم من دمشق باستثناء الجزائر بتاريخ 12 نوفمبر 2011 في القمة الاستثنائية المنعقدة بالرباط بالمغرب.

 تأزم الوضع السياسي بعد تراجع بوادر الانتقال الديمقراطي بالجزائر مطلع 2019.

انتهاء العهدة الثالثة للرئيس بوتفليقة سنة 2014 أعاد صياغة و تجديد عهدة رابعة مرت بسلام ، انتخابات شكلية بمنافسة هزيلة للمترشحين المشاركين فيها ، حتى ان الاعلام أصبح يطلق على بقية منافسي بوتفليقة في عهدته الرابعة ب ” أرانب السباق” [9]، هذا التهكم مرده تعمد السلطةالمتحكمة في نتائج الانتخابات تقزيم وتحجيم المترشحين المنافسين للرئيس و يشاركون على الرغم من معرفتهم بالنتائج المسبقة للانتخابات ، و يعلمون أن مشاركتهم شكلية فقط ، تراجع صحة الرئيس بعد تعرضه لجلطة دماغية سنة 2013 جعلت ظهوره باهتا ، ما أعطى الفرصة لقوى غير دستورية بالاستيلاء على صلاحيات الرئيس التي زاد سقفها بعد التعديل الجزئي للدستور في سنة 2016 ، تلك الصلاحيات صادرتها قوى تتكلم و تعين باسم الرئيس المغيب .

اختفت خطابات الرئيس البليغة وحضوره الإعلامي بسبب المرض، ليفسح المجال لشخصية لتدير الحكم من خلف الستار – مستشاره بالرئاسة شقيقه السعيد بوتفليقة- الذي يُعتبر الطرف الأقوى في مؤسّسة الرئاسة ، ويدير مهام أخيه بشكلٍ غير رسميٍ وفعّال، معتمداً في ذلك على دعم الجيش من جهة، و قيادة المخابرات بعد الحاقها بالرئاسة من جهة أخرى، و ثلّة من رجال الأعمال الجزائريين المنضوين تحت لواء “منتدى رؤساء المؤسّسات الجزائريين” بقيادة رجل الأعمال الجزائري علي حدّاد أكبر داعمي عائلة بوتفليقة.

مصطلح الأوليغارشية المصطلح الأقرب للمضمون الذي يفسر طبيعة تسيير النظام الجزائري ، فلا تُسيّرُ البلاد من طرف قوةٍ واحدةٍ وإنّما من طرف مجموعةِ عصب مالية ، والقرار السياسي مخرجٌ للتوازنات المصلحية، التّي يستند كلّ طرفٍ فيها إلى داعمٍ خارجيٍ أساسيٍ، يعترف الكثيرون بوقوف فرنسا والولايات المتحدة على رأس هؤلاء الداعمين.

تمسك محيط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بترشيح  الرجل لعهدة رئاسية خامسة في ظل جدل كبير حول وضعه الصحي ، أدى لغليان شعبي في الجزائر لم تشهده طيلةعقدين -أي من أحداث أكتوبر 1988- منذ التحضيرات التي سبقت الإعلان عن ذلك بدءا بحشد أحزاب الموالاة و التموقع في صف الأقوى و مما زاد من حدة السخط الشعبي تراجع قيمة الدينار الجزائري بعد سلسلةالخيارات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومات المتتالية ، وزادت حدة الضغوط الاقتصادية لا سيما منذ بداية الأزمة المالية الناجمة عن انهيار أسعار النفط عام 2014، حيث انخفضت المداخيل بما يقارب 50 بالمائة، مما أدى إلى اللجوء إلى خيار التمويل غير التقليدي أي طباعة نقود بدون مقابل. [10]

جاء استدعاء المجلس الدستوري للهيئة الناخبة في ظروف سياسية أمنية ميّزتها أزمة المجلس الوطني الشعبي بعد الاطاحةبرئيسه، وتغييرات غير مسبوقة في سلك المؤسسة العسكرية التي شاهدت عزل أو إقالة أو متابعة ضباط سامين في مناصب جد حساسة، إضافة إلى ما سبقه من حدث إجرامي غير مسبوق تمثل في أكبر فضيحة تهريب للكوكايين في تاريخ الجزائر.تسارع الأحداث أجج من موجة الاحتجاجات و انضمت المعارضة للحراك الشعبي ، و تبعتها نقابات القطاعات المختلفة في البلاد و فئات واسعة من المحامين و القضاة ، ليتخذ قائد الاركان موقفا يستجيب للمطالب الشعبية التي نادت بعدم ترشح الرئيس المنتهية عهدته لعهدة رئاسية خامسة ، بعد مطالبة قيادة الجيش بتفعيل المادة 102 من الدستور القاضية باستحالة ممارسة الرئيس لمهامه في حال وجود العارض الصحي ، ليتبع مطلب المؤسسة المذورة بتفعيل المادتين 07 و 08 التي تنص على أن الشعب هو مصدر كل سلطة .

ليقدم  الرئيس على سحب ترشحه  و يتم تأجيل الانتخابات الرئاسية الى تاريخ 04 جويلية 2019، واقتراحه لمرحلة انتقالية، لتتواصلالاحتجاجات و تتسع رقعتها.

  • عوامل القوة في الحَراك الشعبي

خلف إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نيته للترشح لعهدة خامسة ردود فعل شعبية متفاوتة  ومحدودة في مرحلة أولى ، بدأت بحادثة نزع صورة الرئيس من على مبنى بلدية خنشلة شرق الجزائر في 19 فيفري 2019، ففتيل المظاهرات التي كانت في البدء محدودة جغرافيا ما لبثت أن تحولت إلى حَراك شعبي واسع وشامل يوم 22 فيفري 2019[11]، فعرفت كل ولايات الجزائر استجابة موحدة لنداء التظاهر بعد صلاة الجمعة انطلاقا من المساجد. و الساحات العامة  ، وقد كان لمواقع السوشل ميديا التأثير البالغ في اتساع رقعة هذه التظاهرات من خلال الدعوات الملحة والمتكررة للمواطنين من أجل التظاهر كل يوم جمعة بطريقة سلمية.

و ما ميز هذا الحراك الذي لم تشهده الجزائر العديد من الخصائص والمميزات تمثلت في إسقاط قانون منع التظاهر في العاصمة حيث لم تر شوارع العاصمة مظاهرات شعبية منذ سنة 2001. ، فأصبح الجزائريون يحضرون ويلتقون يوميا في أماكن محدودة كالجامعات والنقابات والجمعيات و في الفضاء العام كوسط العاصمة، غير أن أكبر التجمعات كان تحدث يوم الجمعة في شوارع المدن والقرى، بعد أن كانت كل الاحتجاجات التي عرفتها الجزائر محدودة جغرافيا (منطقة القبائل، ورقلة، غرداية..) وغير متزامنة فقد كانت تتمحور بالأساس حول مطالب فئوية و مهنية واجتماعية.

تميزتالمظاهراتبالسلمية رغم غياب تأطير هيكلي لها. فمنذ بداية الحراك تكرر شعار “سلمية سلمية” كمبدأ أساسي و اتفاق المشاركين فيها بعدم الاستجابة للاستفزازات وعدم الدخول في مواجهات مع أجهزة الأمن. و توالت المظاهرات الأسبوعية بدون تسجيل مناوشات خطيرة باستثناء بعض منها وقع بعد انتهاء المظاهرات وكانت من فعل جماعات أقرت وزارة الداخلية بأنها لا تنتمي إلى المتظاهرين، بالمقابل نلاحظ تعاملعناصر أجهزة الأمن باحترافية وهدوء كبيرين مع المتظاهرين .

من جانب التركيبة الاجتماعية يمكن القول بأن الحراك شمل كل شرائح المجتمع من شباب وكهول وشيوخ ورجال ونساء وعمال وعاطلين ومثقفين. و على الرغم من أن الشريحة الشبابية موجودة بقوة في هذا الحراك فإن ما يلفت الانتباه هو عزوف هؤلاء الشباب عن اللجوء إلى الأساليب التقليدية للاحتجاجكغلق للطرقات وحرق للعجلات و تخريبالمرافق العمومية. ولعل للتنوع الاجتماعي تأثيرا كبيرا في الحفاظ على سلمية الحراك واستمراريته.

تتمثل الميزة الأساسية الأخرى لهذا الحراك في مطالبه التي بدأت وتواصلت بمطالب سياسية محضة من رفض للعهدة الخامسة، ثم رفض لتمديد العهدة الرابعة[12]، إلى تغيير النظام السياسي بأكمله. وهذا يختلف جذريا مع المطالب التي بقيت تحرك الاحتجاجات الاجتماعية خلال عقود.

  • ردود فعل مؤسسة الرئاسة على الحراك الشعبي

بعد بلوغ الاحتجاجات مداها خاصة بع اقتراب الفصل في ملفاتالمترشحين و في محاولة لامتصاص غضب المتظاهرين أعلن الرئيس المنتهية عهدته عن مجموعة من القرارات أهمها اعلان  سحب ترشحه لعهدة خامسة و تأجيل الانتخابات لأجل غير محدد ، كما أجرى تغييرا حكوميا أنهى بموجبه مهام أحمد أويحي الرجل المثير

للجدل و المرفوض شعبيا بسبب تصريحاته المستفزة و المهينة للشعب الجزائري ، تعديل أوضح حالة التخبط التي يعيشها النظام الحاكم بعد استحداث منصب نائب الوزير الاول هذا المنصب الخارج عن النطاق الدستوري و دعا الرئيس المنتهية ولايته الى تنظيم ندوة وطنية تضم جميع الفعاليات، مهمتها اقتراح إصلاحات سياسية عميقة بما فيها دستور جديد يُعْرض للاستفتاء، و تنظيم انتخابات رئاسية تشرف عليها لجنة انتخابية وطنية مستقلة ، تنتهي بتشكيل حكومة تضم كفاءات وطنية تدعمها الندوة الوطنية كل هذه الاجراءات مهدت لسقوط آخر أوراق المنظومة .

فباستثناء تأجيل الانتخابات الرئاسية، كرر الرئيس المنتهية عهدته نفس الوعود مع تقديم بعض التفاصيل، مما يشير إلى أنه متمسك بالبقاء في السلطة من خلال تمديد عهدته الرابعة بعد أن عبّر الشعب الجزائري عن رفضه لعهدة خامسة[13].

وإذا كانت الرئاسة قد حرصت على أن ادراج هذا العرض في منطق الانتقال الديمقراطي، وهي سابقة في حد ذاتها، فإن هناك مجموعة من المؤشرات تجعل هذا الطرح محل تساؤلات:

بتعيين وزير الداخلية الأسبق نور الدين بدوي وزيرا أول، وهو الذي أشرف على الانتخابات التشريعية والمحلية لسنة 2017، وهي انتخابات شهدت تجاوزات كالتزوير و توضيف المال لشراء أصوات الناخبين. يضاف إلى ذلك قمع و تعنيف الأطباء المضربين بعد خروجهم الى شوارع العاصمة وفي سياق الانتقال المفروض تم استدعاءالدبلوماسي المخضرم الأخضر الإبراهيمي لطبيعة العلاقات الوطيدة بينه وبين الرئيس ، لتسويق مبادرة الرئيس للرأي العام الدولي والجزائري، غير أن تقدمه في السن و غيابه عن الجزائر لسنوات جعله في نظر الجزائريين غير مؤهل للقيام بهذه المهمة.

على ضوء ما تقدم، يمكن القول بأننا أمام “انتقال فوقي مفروض” يسعى صانعوه الى إعادة إنتاج النظام السياسي بحلة جديدة وهو ما يرفضه الحراك الذي طالبت بعض أصواته بمرحلة انتقالية تفضي إلى تغيير النظام جذريا سلميا وتوافقيا[14]..

3-رد فعل المؤسسة العسكرية تجاه الحراك الشعبي:

تواطؤ الجيوش في دول العالم الثالث مع الأنظمة ضد شعوبها حاضر وبقوة، الوسائل الإعلامية الداخلية والخارجية على اختلاف توجهاتها لم تخف توجسها حيال تحيز الجيش لصف المطالب الشعبية ، بعد الخطاب الأول الذي وجهه قائد أركان الجيش وردت فيه عبارة ” المغرر بهم ” في اشارة منه الى شباب الحراك ، ما أثار امتعاض الشارع الجزائري من هذه التصريحات ، ليتم سحب كلمة قائد الأركان من موقع وزارة الدفاع ومن على مواقع إعلامية عمومية .

من مفارقات نماذج الانتقال الديمقراطي في دول العالم الثالث أنه لم يحصل وأن وقفت مؤسسة جيش برمتها في صف حراك شعبي يسعى إلى إسقاط سلطة قائمة ساندها يومًا ما وعبد لها الطريق نحو الحكم، على الرغم من استحضار المتابعين لتجربة مؤسسة الجيش مطلع التسعينيات بعد تدخلها لتوقيف المسار الإنتخابي و مصادرة نتائج تلك الانتخابات [15]،المخاوف والتوجس الذي لم يخفه الكثيرون من المتتبعين لمسار الحراك من هندسة الجيش لخارطة ما بعد نظام بوتفليقة، بناء على التجارب الحاصلة في دول الربيع العربي في مصر، اليمن وسوريا[16]، إن منطلقات الطرح الذي جاءت به قيادة الجيش في الجزائر بتفعيل المادة 102 من الدستور وتفعيل مبدأ شغور منصب رئيس الجمهورية، واستدراكها فيما بعد بتفعيل المواد 07 و08 من الدستور التي تنص في مضمونها على أن «الشعب هو مصدر كل سلطة»، قرار يفسره البعض على أنه عودة الجيش إلى مساره الحقيقي بعد أن تمت مصادرة صلاحياته التامة بعد العهدة الرابعة لبوتفليقة، عندما أحكم قبضته على المؤسسة وفكك جهاز «الدي. أر. أس» وإحالة مديره الجنرال توفيق إلى التقاعد، ليلحق تسييره برئاسة الجمهورية تحت مسمى «دائرة المصالح الأمنية» برئاسة الجنرال بشير طرطاق[17].

تبقى المخاوف من أوساط الحراك من مرافقة الجيش للعملية السياسية لها دواعيها، فبحكم التجربة السابقة للجيش في تغيير مسار التحول الديمقراطي في بداية التسعينيات وما تلاه من تجربة دامية، والانحراف عن دوره الدستوري بالتدخل الصارخ والعلني في الحياة السياسية تحت ذريعة حماية الدولة من السقوط في أيدي التيار الإسلامي بقيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ[18].

تلك المخاوف هون منها بعض المتابعين لمرافقة قيادة الجيش للحراك في تلبية مطالب الشعب، بدءا بدعوة القيادة العسكرية بتفعيل المادة 102 من الدستور القاضية باجتماع المجلس الدستوري وجوبًا في حال العارض الصحي لممارسة رئيس الجمهورية لمهامه الرئاسية، وصولا إلى دعوة القيادة العسكرية بتفعيل المواد 07 و08 من الدستور التي تنص على أن الشعب مصدر كل سلطة، بعض الارتياح المتذبذب بات يخيم على متابعي دور المؤسسة العسكرية في خضم الحراك، وهم معذورون في ذلك.

  • ردود الفعل الدولية من الحراك الشعبي في الجزائر :

وتيرة تفاعل أطراف البيئة الداخلية و الخارجية في مراحلٍ مفصلية من تاريخ الدول لا يُمكن أن يستثني الجزائر عن أيّ دولةٍ أخرى تشهد حِراكاً سياسياً ومجتمعياً كهذا، فمن الطبيعي جدّاً أن تتزايد  لاسيما في مناطقٍ جيوستراتيجيةٍ ذات الأهميّة على غرار الجزائر.

في هذا الحِراك هناك فواعلٌ خارجيةٌ نعتبرها فواعلاً متأصّلةً ذاتُ علاقةٍ مباشرةٍ بأسباب الحِراك وأطرافه الداخلية، تأثيرها كان متواجداً سلفاً قبل عقودٍ أو سنواتٍ من موعد هذا الحِراك على غرار فرنسا والولايات المتحدّة مع تباين مستوى هذا التأثير طبعاً، وهناك فواعلٌ خارجيةٌ أخرى غير متأصّلة الأسباب إن صحّ التعبير، لكن يهمّها المسار الذّي سوف يأخذه هذا الحِراك ومن مصلحتها أن ينتصر فيه هذا الطرف أو ذاك، على غرار روسيا والصين، وهناك فواعلٌ أخرى غير متأصّلة العلاقة كما قلنا لكنّ من مصلحتها أن يتّجه هذا الحِراك إلى الفوضى وينتهي بانهيار الدولة على غرار “إسرائيل” المتوغلّة في إفريقيا بقوة[19] .

أ.موقف القوى الدولية التقليدية من الحِراك

يأتي على رأسها كلٌّ من فرنسا، الولايات المتحدّة وإلى حدّ ما إيطاليا وإسبانيا. تُعتبر فرنسا أكثر الفواعل الدولية ذات الصِلة العضوية بما يحدث اليوم في الجزائر، فالجزائر بالنسبة لها لا تزال بمثابة “المستعمرة القديمة”، منطقة النفوذ الفرنكوفوني الدائم وبوابتها الواسعة نحو إفريقيا، لذا تجتهد فرنسا بأن لا يتسبّب أيّ تعاون أو تنافس بينها وبين القوى الدولية الأخرى من جهة وبين أجنحة النظام الجزائري المتنافسة من جهة أخرى في إبعاد الجزائر عن دائرة نفوذها التقليدية[20].

بدأت فرنسا تشعر بالقلق بخصوص نفوذها التقليدي الذّي صار مُهدّداً من قِبلِ حليفٍ قويّ كالولايات المتحدة، لذا ولأسبابٍ كهذه بدأت تُولي أهميّةً جديدةً للفاعل المدني في الرئاسة بشكلٍ يضمن لتأثيرها بقاءً داخل “العلبة السوداء” من دون أن تكون مضطرةً إلى مواجهة حليفٍ قويٍّ لها في الجزائر كالولايات المتحدة، خاصّة وأنّ القوّتان تواجهان معاً تحدّياً مشتركاً متزايداً في إفريقيا عموماً والجزائر على وجهٍ أخصّ قادماً من الشرق، أي روسيا والصين.

إلى جانب دعم الرموز المدنية في مؤسسة الرئاسة لأجل توسعة نفوذها، عملت فرنسا والولايات المتحدة على المساعدة في خلق أذرعٍ ماليةٍ داعمة للرموز المدنية في الرئاسة، أي ما صار يُعرف في الجزائر بتزايد نفوذ رجال الأعمال الذّين صاروا بمثابة السند المالي لمشاريع الرئاسة في تثبيت سلطتها في الجزائر في مقابل استفادتهم المادية من الوضع القائم، وقد قامت السلطة بتأطير هؤلاء ضمن ما صار يُعرف بمنتدى رؤساء المؤسّسات الجزائريين بقيادة علي حدّاد .

ب. القوى التعديلية  وحِراك الجزائر:

تُعتبر كلٌّ من روسيا والصين أبرز “القوى التعديلية” التي يهمّها المسار الذّي سوف يأخذه هذا الحِراك ومن مصلحتها أن ينتصر فيه الطرف المُعبّر عن مصالحها الحيوية ، أي المؤسّسة العسكرية (جناح قيادة الأركان وجناح المخابرات الجديدة)، أولّها أنّ العلاقات الروسية-الجزائرية والصينية-الجزائرية علاقاتٌ استراتيجية تمّ التأسيس لها بشكلٍ تعاونيٍ منذ استقلال الجزائر سنة 1962[21]، على الرغم مما يعرف عن روسيا وريث الاتحاد السوفياتي دعمها العسكري و حصرية مبيعاتها من الأسلحة و العتاد العسكري للجيش الجزائري ، يبقى الدعم التاريخي للصين الشعبية للجزائر غداة الاستقلال .

اليوم، تُعتبر روسيا المُورّد الرئيسي للسلاح الجزائري إذ يُمثّل السلاح الروسي أكثر من 75% من سلاح الجيش

الجزائري، كما تستحوذ الجزائر على ما نسبته 52% من سوق السلاح الروسي في إفريقيا، فطبيعة الأسلحة التّي تشتريها الجزائر من روسيا مؤخّراً أسلحةٌ استراتيجية على غرار منظومات الدفاع “أس 400 تريامف” التّي تُنصّبُ احتسابا لمواجهة قوى كبرى، وبأنّ قوات الجو الجزائرية للدفاع عن الإقليم باتت من بين أفضل 10 منظومات دفاعٍ في العالم[22].

بالنسبة للصين، فقد فرضت وجوداً اقتصاديا وتجارياً ضخماً ومتنامياً في الجزائر، لاسيما خلال العقد الأخير، إذ أخذ الوجود الصيني في شمال إفريقيا عموماً شكلاً أكثر ثباتاً وتنامياً، ومع حلول سنة 2014، تفوّقت الصين لأوّل مرّة على فرنسا من حيث حجم الاستثمار في الجزائر، بشكلٍ أوحى بأنّ خارطة العلاقات الاقتصادية بين الصين و الجزائر من شأنها أنّ تُغيّر كثيراً في طبيعة علاقات القوة بالمنطقة[23].

مخاوف روسيا والصين من تراجع النفوذ و المصالح العسكرية والإقتصادية في الجزائر بعد الحراك الشعبي لم يعد يخفى مما جعل القوتين تتعاملان بدبلوماسية مع ما يحصل في الجزائر  ، فبعد انكشاف عصب في النظام الجزائري تتلقى دعما من الولايات المتحدة الأمريكية و تراجع على مستوى المصالح الفرنسية زادت رغبة الولايات المتحدة للتموقع ففي هذا التوقيت تدرك القوى الدولية الفاعلة مدى تأثير سقوط المنظومة السياسية على مصالحها في الجزائر و في المنطقة برمتها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] لماذا تختلف تظاهرات الجزائر عن الربيع العربي ، لوب لوغ: هذا ما قد يحدث في الأيام القادمة موقع عربي بوست ، الرابط :https://arabicpost.net/opinions/2019/05/26/

 

[2]مسعود رمضاني ، تونس الانتقال الديمقراطي العسير ، سلسلة قضايا الاصلاح ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان ، تونس ، 2017، ص: 62 .

[3] هجوم ارهابي يستهدف فندقين في تونس يوقع 39 قتيلا ، موقع العربية نت ، اطلع عليه بتاريخ 24 /05 / 2019 في الساعة 08:00 ، عنوان الرابط https://www.alarabiya.net/ar/north-africa/tunisia/2015/06/26 .

[4]  العلاقات الجزائرية التونسية لم تقطعها السياسة و عمقها الإرهاب ، خالد عمر بن ققة ،صحيفة العربي ، اطلع على الموقع بتاريخ :20/05/2019 في الساعة 10:00 عنوان الرابط  https://www.alarabiya.net/ar/north-africa/tunisia/2015/06/26 .

[5]  العلاقات الجزائرية التونسية لم تقطعها السسياسة وعمقها الارهاب خالد عمر بن ققة ، مرجع سابق .

[6]  دبلوماسية الجزائر المتلكئة تحاول اللحاق بتعقيدات الملف الليبي ، صابر بليدي صحيفة العربي ، اطلع على الموقع بتاريخ :20/05/2019 في الساعة 10:00 عنوان الرابط  https://www.alarabiya.net/ar/north-africa/tunisia/2015/06/26 .

[7]  دبلوماسية الجزائر المتلكئة تحاول اللحاق بتعقيدات الملف الليبي ، صابر بليدي ، مرجع سابق  .

[8]  الجزائر و الأزمة السورية ، أسئلة المرحلة  ، عمر بن ققة ، صحيفة العربي ، اطلع على الموقع بتاريخ :20/05/2019 في الساعة 10:00 عنوان الرابط  https://www.alarabiya.net/ar/north-africa/tunisia/2015/06/26  .

[9]عمار سيغة ، أزمة الثقة بين الجيش و الحراك الشعبي في الجزائر ، موقع ساسة بوست ، أطلع على الموقع بتاريخ 20/05/2019 في الساعة 14:00 الرابط  https://www.sasapost.com/opinion/algerian-army-and-people-protests/

[10]الحراك الشعبي في الجزائر: بين الانتقال المفروض والانتقال التعاقدي لويزة آيت حمادوش ،  مركز الجزيرة للدراسات  أطلع على الموقع بتاريخ, 19 مارس, 2019  في الساعة 11:14. الرابط : http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/03/190319080407233.html

[11]لويزة آيت حمادوش ، مرجع سابق. الرابط . http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/03/190319080407233.html

 

[12]لويزة آيت حمادوش ، مرجع سابق.

[13]لويزة آيت حمادوش ، مرجع سابق. .

[14]لويزة آيت حمادوش ، مرجع سابق.

.

 

[15]عمار سيغة ، أزمة الثقة بين الجيش و الحراك الشعبي في الجزائر ، موقع ساسة بوست ، أطلع على الموقع بتاريخ 20/05/2019 في الساعة 14:00 الرابط  https://www.sasapost.com/opinion/algerian-army-and-people-protests/

[16]عمار سيغة ، دعم الجيش الجزائري للحراك الشعبي ، المفارقة التي صنعت الحدث  ، موقع عربي بوست ، الرابط :https://arabicpost.net/opinions/2019/05/26/

[17]عمار سيغة ، مرجع سبق ذكره .

[18]عمار سيغة ، مرجع سبق ذكره .

[19]جلال خشيب، صدام الإرادات ، مرجع سبق ذكره ، السياسة أون لاين  ، أطلع على الموقع بتاريخ : 20/05/2019 في الساعة 17:00الرابط

https://www.elsiyasa-online.com/2019/04/blog-post_55.html

[20]جلال خشيب، صدام الإرادات ، مرجع سبق ذكره ، السياسة أون لاين  ، أطلع على الموقع بتاريخ : 20/05/2019 في الساعة 17:00الرابط

https://www.elsiyasa-online.com/2019/04/blog-post_55.html

[21]جلال خشيب، مرجع سبق ذكره .

[22]جلال خشيب، مرجع سبق ذكره .

[23]جلال خشيب، مرجع سبق ذكره .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق