اصدارات

محل اهتمام دقيق في الغرب وموضوع دراسات حديثة _ الاسلام المبكر في شمال إفريقيا … الفترة الغامضة في تاريخنا

في الوقت الذي تستنزف فيه جهود النخبة في الجدال العقيم وتهدر الطاقات في النقاشات البيزنطية، هناك في مناطق أخرى من العالم من لا يضيع وقته ويسعى إلى سد الثغرات في كل ما يتعلق بتاريخ البشرية.

فقد أصدرت  الباحثة  والجامعية  البريطانية كوريساندا فينويك كتابا جديدا حول تاريخ الاسلام المبكر في منطقة شمال افريقيا يأتي في سياق تواصل اهتمام الغرب بتاريخ منطقتنا الذي خصه المستشرقون على امتداد عقود، بدراسات وكتب وبحوث لها ما لها وعليها ما عليها، لكنها تبقى دليلا على أن هذا التاريخ مغر للباحثين من خارج المنطقة، في حين يتواصل تجاهله من ابناء المنطقة رغم ان المسائل التاريخية اليوم في قلب الاحداث وفي عمق اهتمامات الناس من جديد. ويتوقع أن يثير الكتاب اهتمام الملاحظين وقد احتفت به بعد،  العديد من المواقع الاعلامية العربية.

ودون أن تنسى أن تحمل ابناء المنطقة مسؤولياتهم تجاه تقصيرهم (استنتاجنا الخاص من وحي ملاحظتها حول غياب الدراسات الحديثة حول تاريخ الاسلام المبكر في المنطقة) في الاهتمام بمرحلة هامة من تاريخهم، فإن الكاتبة ووفق ما وصلنا من أصداء حول كتابها الصادر باللغة الانقليزية عن دار نشر انقليزية، سعت إلى تقديم حقائق مغيبة أو لم تأخذ حظها من الاهتمام وهي أن منطقة شمال افريقيا ولئن انتهت بالدخول في الاسلام، فإنها قلما ما فقدت استقلاليتها تجاه السلطات المركزية (في الجزيرة العربية وبلاد الشام). وذكرت الكاتبة بأن سكان شمال افريقيا قاوموا في البداية الجيوش الاسلامية  والحقوا هزائم بالمسلمين، الذين لم يستقر لهم الأمر في المنطقة  إلا بداية من سنة  697، أي بعد أكثر من خمسين سنة من المحاولات.

وقد احتل تاريخ تونس مكانة بارزة في الكتاب وفق ما نقله موقع الجزيرة نت حوله، حيث تحدثت الكاتبة عن دولة الأغالبة في تونس وعاصمتها القيروان الذين حكموا منذ بداية القرن التاسع ميلادي، واستقلوا عن السلطة المركزية في المشرق وحكموا إقليم أفريقية الذي كان يضم شرق الجزائر وتونس وغرب ليبيا) إلى جانب جنوب إيطاليا وجزيرة صقلية وسردينيا ومالطة.

وقد ركزت الكاتبة على اختلاف السردية المتعلقة بالفتوحات الاسلامية بين المشرق والمغرب فهي قد  اشارت مثلا إلى أن استقلال السلطة في افريقية مبكرا عن السلطة المركزية (الجزيرة العربية وبلاد الشام) قد مكن المنطقة من المحافظة على شخصيتها. وهي ولئن انتفعت من الثقافة الاسلامية وظهر ذلك من خلال العمارة والمجالات الاقتصادية وخاصة منها التجارة، فإنها ظلت متمسكة بهذه الشخصية وبهامش كبير من الاستقلالية.

وبطبيعة الحال، لا بد من تفسير لكل بحث وفيما يخص الدراسة التي أصدرتها المؤلفة البريطانية حول تاريخ الاسلام المبكر، فإن صاحبتها بررتها بوجود عدد قليل  من الدراسات الحديثة التي تعالج  الفترة الإسلامية المبكرة في شمال افريقيا وذلك مقارنة بالكم الهائل من الدراسات الحديثة التي تتناول تاريخ منطقة الشام مثلا.

ولئن تعيد هذه الدراسة إلى الأذهان دور المستشرقين في فرض رواياتهم حول تاريخ الاسلام، وهي روايات عادة ما لا تكون دقيقة وكثيرا ما تكون محكومة بموقف الغرب من الشرق، فإنه وجب الاقرار بأن الاشكالية التي طرحتها الباحثة البريطانية هامة.

ليس هذا فقط وإنما هي تضعنا امام مسؤوليتنا تجاه    المفارقة العجيبة التي نعيشها ومفادها أنه بقدر ما لدينا من كفاءات في مجالات التاريخ والعلوم الانسانية عموما، بقدر ما هناك جفاء لهذه الفترة من تاريخنا لدى الباحثين والمؤرخين.

فما نعرفه عن تاريخ الاسلام المبكر في منطقة شمال افريقيا قليل جدا. وقد لا نجانب الصواب عندما نشير إلى أن أجيال اليوم لا تعرف شيئا عن هذا التاريخ. ويعود الفضل في ذلك- نقصد العكس تماما بطبيعة الحال- إلى مناهج التعليم التي مازالت تدرس التاريخ لأجيال اليوم بأسلوب قديم وغير قادر على شد الاهتمام.  وقد لا نكون على خطأ كذلك، عندما نقول أن الروايات حول هذه الفترة  تطغى فيها عناصر الاسطورة على الأحداث التاريخية.

وعلينا أن نعترف بأننا نعيش حيرة اليوم إزاء كل ما روي عن هذه الفترة وعن حقيقة المذابح التي ارتكبت في تونس مثلا خلال دخول عقبة ابن نافع وعن حقيقة مقتله وعن قصة الكاهنة التي حاربت جيوش المسلمين وانتصرت عليهم قبل أن تلاحقها جيوش حسان ابن النعمان في الجبال لتقضي عليها في النهاية.

هل الكاهنة أسطورة أم حقيقة؟ وما حقيقة عقبة ابن نافع؟ وما حقيقة الروايات حول تنكيل الدولة الأموية بنساء المنطقة وما حقيقة ما ينسب للجيوش الاسلامية من ممارسات وحشية في جهة شمال افريقيا قاطبة وما سر تواصل الأحكام المسبقة بين سكان منطقتي المشرق والمغرب وهي متواصلة إلى اليوم وهل يفسر العامل لوحدها هذا الأمر أم هناك عناصر اخرى تساعد على تغذيتها؟ وهي كلها اسئلة يمكن تناولها اليوم في دراسات معمقة ونراهن على أنها ستجد الاهتمام في صفوف المتلقين.

صحيح، هناك من يمكن أن يقول أن الأمر قد طواه الزمن، ولكنا نظل نحتاج إلى المعلومة الدقيقة. فالمناهج العلمية قد تطورت ويمكن تطبيق هذه المناهج في دراسة الفترة دراسة علمية دقيقة،  لعل الأمور تتوضح أخيرا.

فليس صحيحا أن التاريخ لم يعد يلقي بظلاله اليوم على حياتنا، بل هو في قلب المعارك. وهناك أصوات اليوم تنادي بوضوح بإدانة مرحلة الفتوحات الاسلامية لمنطقة شمال افريقيا ومراجعة كل المسلمات بشأنها.

وهناك من يعتبرها حلقة من سلسلة من حلقات الاستعمار التي مرت على بلداننا أو على الاقل قد مرت على تونس. وقد لا نبالغ عندما نقول أن هناك من بيننا من يعتبر العرب والمسلمين وحتى بعد مرور حوالي 13 قرنا على دخولهم المنطقة، مجرد غزاة.  وهي فكرة تتوارث من جيل إلى جيل. وقد سمحت مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنيت بنشر هذه الأفكار. وكثيرا ما يستند اصحاب هذه الأفكار على الاختلافات الجوهرية بين اهل المشرق وأهل المغرب ليدافعوا عن مطلبهم بضرورة مراجعة علاقتنا المنطقة بالإسلام وبالعروبة.

ولنا أن نشير إلى أن مثل هذه الأفكار تنتشر بقوة اليوم  مستفيدة في ذلك من ظهور الحركات الارهابية المتسترة بستار الدين الاسلامي التي ساعدت على ظهور نوع من الريبة من الدين الاسلامي. كما أن فشل الانظمة السياسية ذات المرجعيات الاسلامية في حل مشاكل البلدان التي بلغت سدة الحكم فيها مستعينة بالمشاعر  الدينية ، مقابل ما بدا عليها من استكراش ونهم للسلطة، جعل نسبة من سكان المنطقة تراجع كل المسلمات التي توارثتها منذ قرون حول الاسلام والمسلمين والعرب في المنطقة.

إن القضية هامة وآنية، على الأقل من أجل تحقيق مصالحة مع الماضي.

المصدر : الصباح __  19 جوان 2020

تابع الخبر من مصدره الاصلي 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق