تحاليل

لماذا يفضل السيسي حرب ليبيا على إثيوبيا؟!

بقلم :جهاد انصاري

قد نستغرب حماسة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للوضع في ليبيا رغم أن الخطر الفعلي على مصر يأتي من الجنوب، وهو خطر يصل إلى تهديد الحياة في مصر عبر حجز مياه النيل المورد الوحيد للشعب المصري للمياه ويتساءل البعض لماذا يفضل السيسي الصدام في ليبيا على الصدام مع إثيوبيا، وفي هذا المقال سنوضح السبب الرئيسي من وجهة نظرنا بناءً على معلومات واضحة.

ليبيا أقرب وممول الحرب جاهز

بقياسات المكاسب والخسائر فعلى المدى القريب يعتبر الصدام في ليبيا أسهل للسيسي عن الصدام في إثيوبيا؛ فليبيا أقرب جغرافياً لمصر حيث تقع على حدودها مباشرة، بالإضافة إلى أنها تعتبر أرضاً سهلية يسهل الدخول البري والبحري والجوي فيها.

كما أن السيسي يعتمد فعلياً في التدخل على ظهير “إماراتي” جاهز لتمويل تلك الحرب ومتحمّس لها أكثر من المصريين والليبيين معاً.

ولكي نتذكر مدى خطورة الأمر ففي يوليو/تموز 2017 افتتح السيسي قاعدة محمد نجيب العسكرية بالقرب من الحدود الليبية، وهي أكبر قاعدة في الحدود الشرقية، والجميع يعرف أن أول الحضور هو الشيخ محمد بن زايد وليّ عهد أبوظبي، ولا أحد يعرف حتى اليوم ما علاقة أمير خليجي بافتتاح قاعدة عسكرية على حدودنا الغربية.

التفسير الوحيد المنطقي أن هناك تجهيزات لدخول ليبيا منذ 2017 في حال فشل حفتر في السيطرة على الوضع وهو ما يتحقق اليوم.

فالإمارات فعلياً تموّل الحرب في ليبيا وداعم قوي من وقت طويل لقوات حفتر والميليشيات التابعة له، بل وفي بعض التقديرات كانت هي السبب في تحريض حفتر على محاولاته الانقلابية منذ عام 2014 حتى اليوم عندما كانت ليبيا تتجه للاستقرار وتم انتخاب برلمان وبدأت مؤسسات الدولة في التشكل، فجاء حفتر ليعيد الأوضاع لنقطة الصفر ويشعل صراعاً إقليمياً ودولياً كان غير موجود.

ففي 2014 أعلن اللواء خليفة حفتر انقلابه الأول، ما خلط الأوراق في ليبيا بدعم إماراتي، وأعلن تجميد عمل البرلمان الليبي والحكومة، ورغم فشل تحركات حفتر فإنها أدت لانقسام في ليبيا وصدام لم ينتهِ حتى اليوم.

ورغم محاولة العقلاء من كل الأطراف حسم الصراع الأهلي في ليبيا عبر اتفاق الصخيرات عام 2015 الذي انبثق عنه حكومة الوفاق الشرعية ومجلس لحكم البلاد معترف به دولياً وتم توقيعه تحت رعاية الأمم المتحدة، فإن حفتر حاول إسقاطه بانقلابات وتمرّد آخر بتمويل إماراتي سخي أيضاً، وبعد زيارة لمصر والإمارات كما حدث بداية العام الحالي، وهو ما جعل تركيا تتدخل بعد أعوام من الصمت لتميل كفة المعركة لصالح الحكومة الليبية.

هذا السرد يوضح مدى حماسة الإمارات للمعركة في ليبيا والتي قد تكون أكثر من حماستها لمعركة اليمن أو سوريا أو أي بؤرة صراع تتدخل فيه.

وهو ما يفسّر أيضاً مدى حماسة السيسي لتلك المعركة، فهو يضمن ظهيراً دولياً وممولاً لها، كما أن هناك عدداً من الدول التي تتقاطع مصالحها مع تركيا تحرّضه على الصدام في ليبيا، فهذا الصدام سيكون وقوده الجيش المصري، أما جيوش تلك الدول فستكون في مأمن.

من تلك الدول فرنسا التي تجري هذا الأسبوع تدريبات بحرية مع الجيش المصري، واليونان التي تنغمس في عداء تاريخي مع الأتراك، وكلاهما يحرض السيسي بقوة على الاستمرار في طريقه.

أما عن روسيا فحدث ولا حرج، فرغم أن تدخلها في ليبيا جاء لحماية مصالحها التي ضاعت مع ضياع حكم القذافي عام 2011 إلا أنها تطمح بالتدخل الحالي لاستعادة جزء من مصالحها على حساب الغرب، فهي لا تستهدف تركيا بقدر ما تستهدف أن تكون لاعباً رئيسياً في ليبيا.

والمحلل للموقف الروسي سيجد أنه يبتعد بخطوات عن الموقف المصري بل وشكلت مجموعة عمل مشتركة مع تركيا حول ليبيا الأسبوع الماضي ما يبعدها عن الانحياز.

الحلفاء هل يورّطون السيسي؟!

السيسي يظن أن هؤلاء الحلفاء سيكونون معه إذا تدخل بشكل مباشر في ليبيا، وفي ظني أن المستنقع الليبي وتعقيداته ستمنعهم من إدخال قوات برية معه، ولكن سيقومون بدعمه، وسيكون الجيش المصري رأس الحربة والجنود على الأرض مثلما حدث من قبل في حرب الخليج وحرب اليمن وغيرها من الحروب.

كما يظن السيسي أن الفوضى التي سببها حفتر سيكون مقابلها فرض النظام والانضباط بقوة السلاح المصري، ويظن أن القبائل الليبية ستكون الظهير الداخلي له في الغرب، ما يمكنه من الدخول حتى سرت والجفرة.

الخلاصة: ليبيا في ظن السيسي حرب سهلة يمكن الدخول لها وحسمها في أيام، كما ظن من قبل محمد بن سلمان وبن زايد أن حرب اليمن سهل حسمها في أيام.

لكن المشكلة الحقيقية ليست في الدخول إلى ليبيا بل الخروج منها، فالورطة في الخروج خاصة مع وجود العديد من القوى الدولية الداعمة للحكومة الشرعية أيضاً والتي إن سمحت للسيسي بالدخول فستجعله ينغرس في المستنقع الليبي لصالحهم.

حرب إثيوبيا.. الحرب السهلة والصعبة أيضاً:

في معيار توازن القوى يعتبر الجيش المصري لا يقارن بالجيش الإثيوبي، ومع هذا يتجاهل السيسي الخيار العسكري لأسباب عديدة سنحاول توضيحها هنا.

يحتل الجيش المصري المرتبة الـ12 عالمياً، وفقاً لمؤسسة جلوبال فاير باور المختصة بالشؤون العسكرية للدول لعام 2019، بينما نظيره الإثيوبي الذي يحتل المرتبة 47 عالمياً من بين 137 دولة.

كما يمتلك الجيش المصري 1092 طائرة حربية، بينما الجيش الإثيوبي الذي يمتلك 82 طائرة حربية فقط، ولدى الجيش المصري أكثر من 2160 دبابة و5735 مدرعة، بينما نظيره الإثيوبي الذي يمتلك 800 دبابة ونفس العدد من المدرعات بالإضافة 85 مدفعاً ذاتي الحركة فقط.

بحسابات القوة العسكرية مصر قادرة على سحق أي قوة إثيوبية في أي مواجهة، فلماذا لا نسمع عن أي تهديد منذ وصول السيسي للحكم تجاه إثيوبيا، بينما نسمع تهديداته بقوة تجاه دول وجماعات مثل الإخوان وتركيا وقطر وغيرها.

في ظني الإجابة الواضحة هي أن السيسي لا يريد الدخول في أي مواجهة مع إثيوبيا لعدم وجود داعم واضح له في تلك الحروب، فبينما الإمارات ودول أخرى تحمّسه على حرب ليبيا فلا يوجد من يدعمه بشكل مطلق في إثيوبيا.

فحتى لو كان السد تهديداً واضحاً لحق الحياة للمصريين، وحتى لو كان النيل سيكون متحكماً فيه من قوى عدوة لمصر فخوض تلك الحرب بالنسبة للسيسي مغامرة وبالنسبة له خيار التفاوض هو خيار استراتيجي رغم قدرته على تعطيل السد بالقوة.

أما عن المصريين الذين سيموتون من العطش فلا يهم، فالإعلام سيوجه خطاباً لهم لتهدئتهم وسيتم رفع أسعار المياه وتحلية مياه البحر وفرض قوانين للحد من استهلاك المياه وغيرها من القرارات التي تقلل من حجم المأساة، المهم ألا يتم التلويح بالقوة مع إثيوبيا.

كما أن حلفاء السيسي الرئيسيين بينما يقعون في عداوة واضحة مع حكومة السراج وحلفائها في ليبيا ولكن في إثيوبيا العكس تماماً، علاقات الصداقة والتحالف في أوجها ولو على حساب مصر سواء كانت الإمارات أو السعودية أو الصين أو إسرائيل.

كل تلك الدول علاقتها ممتازة بإثيوبيا ولن تسمح بأي ضرر لها، وبما أنها حليف مشترك للسيسي والإثيوبيين، فحتى لو هناك خلاف وظلم لمصر سيتم التغاضي عنه وسيمنع الجميع من الحسم العسكري.

الحسم العسكري في مصلحة مصر ولهذا هدد به كل الزعماء السابقين بداية من السادات مروراً بوزير دفاع مبارك المشير أبوغزالة الذي هدد بالصوت والصورة على شاشات التلفاز باستخدام “القوة الشاملة” لمنع أي مشاريع على نهر النيل تهدد حصة مصر، وحتى الرئيس الراحل مرسي هدد بالحرب علانية في مؤتمر عام.

لكننا لم نسمع للسيسي أبداً أي تلميح أو تصريح باستخدام القوة، بل إن تصريحاته دائماً تتكلم على خيار التفاوض والسلام، رغم أن الجانب الإثيوبي لم يكد شهرياً إلا ويتحدى مصر بل ويهددها بالحرب ويمعن في استفزاز الشعب المصري بتصريحاته دون رد.

ولا ننسى تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي في أبريل/نيسان الماضي بأن الإمارات كان لها الدور الأكبر في التحول الذي تشهده إثيوبيا مؤخراً، وهي التصريحات التي أضاف فيها أن الإمارات في مقدمة داعمي الإصلاح والتقدم في إثيوبيا.

وبعد تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء تعهدت الإمارات في يونيو/حزيران 2018 بمساعدات واستثمارات بقيمة 3 مليارات دولار لدعم مشاريع اقتصادية وإنمائية.

وعلى سبيل المثال، السعودية حليفة السيسي هي أحد المقرضين الأساسيين لإثيوبيا، وكان آخر القروض نهاية العام الماضي بقيمة 140 مليون دولار.

أما إسرائيل فعلاقتها مع إثيوبيا العلنية تنبئ بمدى عمق العلاقة، وكان آخر تلك التصريحات ما أعلنته السفارة الإسرائيلية في أديس أبابا في شهر فبراير/شباط الماضي، عن نية بلدها إقامة مشاريع مرتبطة بالمياه والزراعة والري في إثيوبيا.

تلك الأمثلة لدول حليفة لمصر وعلاقتها بإثيوبيا التي تهدد مصر في شريان حياتها تعرفك السبب الرئيسي الذي يمنع النظام الحالي عن مواجهة إثيوبيا.

فالحلفاء مشتركون وهنا يقع السيسي في معضلة: هل يوتر علاقته بحلفائه لمنع إثيوبيا من تقليل حصة مصر من النيل أم يترك “المحبس” في يد إثيوبيا مقابل الإبقاء على التحالفات المتشابكة؟

الخلاصة: الوقت يمر وكل دقيقة تضيع تصعّب القيام بأي عمل عسكري ضد سد النهضة، فالعمل العسكري لو تم الآن خسائره أقل من القيام به بعد أشهر، وإذا تم ملء بحيرة السد فيستحيل القيام بأي عمل عسكري، وسيصبح السد أمراً واقعاً، ولتعطش مصر والسودان أو تستجلب الرضا من إثيوبيا.

فهل يحسم السيسي أمره بضرب السد أياً كانت العواقب أم سيترك العطش يضرب مصر تدريجياً؟

المصدر: اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق