رأي

في الذكرى الـ 68 لــ ثورة يوليو الناصرية … هل يشاء القدر من جديد ، وتاريخ شعبنا ، والمرحلة التي يمر بها اليوم؟!

افريقيا 2050

بقلم :محمود كامل الكومى
إن يوم الثالث والعشرين من يوليو 1952 كان بداية مرحلة جديدة، ومجيدة في تاريخ النضال المتواصل للشعب العربي فى مصر.
إن هذا الشعب فى ذلك اليوم المجيد بدأ تجربة ثورية رائدة فى جميع المجالات؛ وسط ظروف متناهية فى صعوبتها، وظلامها، وأخطارها، وتمكن هذا الشعب بصدقه الثوري، وبإرادة الثورة العتيدة فيه؛ أن يغير حياته تغييراً أساسياً وعميقاً باتجاه آماله الإنسانية الواسعة.
تمر علينا الذكرى الــ 68 على اللحظة الثورية التى قادها الزعيم جمال عبد الناصر فى 23 يوليو 1952 والتي استمرت حتى وفاته فى 28 سبتمبر 1970 , وقد غدت لحظة العمر فى تاريخ النضال المصري والعربي , بل وفى تاريخ العالم الثالث – رفعت الثورة ثالوثها المقدس فى “الحرية والاشتراكية والوحدة “وصارت الحرية السياسية جنبا الى جنب مع الحرية الاجتماعية ففى مقابل تحقيق الاستقلال الوطني وإزالة قواعد الاستعمار من على أرض مصر وطرد الملك الفاسد حليف الاستعمار وتطهير البلاد من الفاسدين وعملاء الاستعمار واستقلال القرار السياسة المصري , وقد صار تحديد الملكية وإلغاء الإقطاع وتوزيع الأراضي على صغار الفلاحين والقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم وتوزيع الثروة على الشعب , ورفعت الثورة شعار “من لا يملك قوت يومه لا يملك صوته الأنتخابى” فكانت الديمقراطية الناصرية تدرك أن صندوق الانتخابات هو أخر آلية لتحقيق الديمقراطية تسبقها آليات عدة تحقق السلم والأمن الأجتماعى للفقراء والطبقة الوسطى من المجتمع استقلالا للإرادة وحرية التعبير بعيدا عن رأس المال المستغل القادر على شراء أصوات الناخبين مما يعدم أرادتهم – وغدت خطوات نحو تحقيق الأشتراكيه بجناحيها من الكفاية فى الإنتاج والعدالة فى توزيع الثروة وبنيت آلاف المصانع التى تحقق اقتصاد قوى يفرض إرادة مصر ويحرر قرارها السياسي , وأقامت قطاع  عام يقود التنمية الأقتصاديه والاجتماعية .
وصارت مجانية التعليم والصحة حق للفقراء , وعلى صعيد الوحدة العربية , اتخذت خطوات وحدوية لتحرير الشعب العربي من الاستعمار, حتى تم تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي والجنوب العربي من الاستعمار البريطاني,وبدت قضية الشعب الفلسطيني لتحرير أرضه من الكيان الصهيوني هي الشغل الشاغل لجمال عبد الناصر التى أعتبرها صراع وجود مع العدو الصهيوني وليس صراع حدود وبدت هي العقبة التي تؤخر تحقيق الوحدة العربية ومن هذا المنطلق مد جمال عبد الناصر يد العون لكل الحركات التحررية فى أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية , وساعدها على التخلص من الاستعمار وإقامة حكومات ثورية تقف الى جانب العرب والشعب الفلسطيني لينال استقلاله فيضحى أمل الوحدة العربية قريب المنال .
ومن هنا أدرك الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية,خطورة جمال عبد الناصر وثورته وحلمه لتحقيق القومية العربية , فشن الحملات الإعلامية ودبر المؤامرات ومحاولات اغتياله التى مولتها الرجعية العربية “أل سعود”وأخيراً الحروب المتعاقبة على مصر والأمة العربية .
مات “جمال عبد الناصر ومصر تمتلك آلاف المصانع التى تصدر إنتاجها الى كل دول العالم والمنطقة العربية ,وكتائب العلماء وكل المتخصصين فى علوم الدين واللغة وكافة التخصصات يجوبون العالم العربي الإسلامي من أجل التنوير والتعليم والقضاء على الآثار السلبية التي تركها الاستعمار فى هذه الدول .
مات جمال عبد الناصر ومصر تمتلك قطاع عام “ملك الشعب ” يقود عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويمول الحروب التي شنت عليها , وصار الإعلام الرسمي المصري والفن والأدب منارة تقوم بعملية تنوير ساطعة فى مصر والعالم العربي تحقق للعقل العربي نموه وشخصيته .
مات جمال عبد الناصر ومصر تقود الأمة العربية ودول عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الأفريقية, وتحاصر إسرائيل فى هذه الدول التي باتت تقطع علاقتها بالكيان الصهيوني وتمنع أي تعاون بينها وبين الكيان الصهيوني.. وتقف مع الفلسطينيين من اجل استعادة حقهم المشروع …مات عبدالناصر مؤمنا أن الصهيونية والإمبريالية والرجعية العربية لا يبغون إلا هدم القومية العربية وإقامة كيانات بديلة هزيلة عميله على أنقاضها تقودها إسرائيل .
أنقض العميل النائم على مصر فور وفاة عبد الناصر مدفوعا بمن هم أعداء عبد الناصر “الصهاينةوالأمريكان والرجعية العربية “ليقضي على كل إنجازات عبد الناصر على الصعيد المصري والعربي بل الإنساني بتمويل من قوى الرجعية العربي, فضرب أول معول لتدمير المصانع والقطاع العام المملوكين للشعب لتخريبهم ومن ثم أعطاء المبرر لهدمهم وتحقيق آمال الرأسمالية الأمبرياليه المحلية والعربية والعالمية فى السيطرة على مصر واقتصادها وثرواتها ..وشنت الحملات الإعلامية الممولة صهيونيا و سعوديا لهدم رمزية جمال عبد الناصر وتشويه ثورة يوليو ,حتى حانت لحظة العار فى تاريخ مصر , حين هبطت طائرة السادات في مطار اللد بتل أبيب لتقضى على ما تحقق من ثالوث ثورة 23 يوليو الناصرية في الحرية والاشتراكية والوحدة.
وتعاقب الحكام على مصر يكبلونها بمزيد من القيود ويأسرون شعبها فى اللهث وراء مافيا رأس المال من الامبرياليين , وصارت بعض النخب تساير الواقع وتساهم فى تعميق الذل المعيشي.. وبدا أن كل شيء قابل للبيع. والأشقاء والمناضلين والمقاومين استبدلوا بالأعداء من الصهاينة فى تل أبيب و رفقاء النضال في سوريا فُرِضُوا أعداء بأوامر الحكومات الرجعية , وعاد رأس المال الامبريالي من جديد يسيطر على الحكم .
أن الناصرية قد حددت طبيعة أعدائها الذين يبغون وأد ثالوثها المقدس فى الحرية ( السياسيةو الاجتماعية) والاشتراكية أو العدالة الاجتماعية”” (بجناحيها من الكفاية والعدل) ووحدة كل الأمة العربية.. وعلى ذلك فالناصري القومي هو من يؤمن بهذا الثالوث ويناضل من أجل تفعيله وتحقيقه , أما الذين يتماهون مع الواقع الذي يبغى الاعتداء على مكاسب ثورة يوليو والقضاء على أهدافها فى الحرية والاشتراكية والوحدة مدعين الناصريةعلى مقولة أن ذلك تحكمه تغيير اللحظة فهم واهمون ولا يمتون للناصرية بصلة بل هم خدام لأعداء الناصرية .
إن ميثاق العمل الوطني قد حدد أعداء الأمة العربية فى الاستعمار وإسرائيل والرجعية العربية وعلى ذلك فأن من يبررون تصرفات الحكام (الرجعيين)ودول مجلس التعاون الخليجي في تدمير ليبيا والعراق واليمن وسوريا والترويج لأحقيتها بأرض مصريه والتماهي مع ما ترمي إليه من أبدال العدو الصهيوني بعدو أيراني , قد وضعوا أنفسهم في مصاف الأعداء الذين حددهم ميثاق العمل الوطني كوثيقة من وثائق ثورة يوليو , ولو ادعوا بناصريتهم .
وعجباً لهؤلاء الذين يرون فى اتفاقيات الخزي والعار مع إسرائيل أمر واقع قد فرض علينا ويجب التعامل معه وما زالوا يدعون قوميتهم وناصريتهم ويتناسون أن فى ذلك ضرب للأهداف الناصرية واقتلاع لجذورها الراسخة فى نفوس الشعب العربي وقواه القومية والثورية التى تخوض مخاضا عسيرا من أجل التمسك بقيم ثورة يوليو الناصرية أهدافها في الحرية والاشتراكية والوحدة وبنقاء زعيمها جمال عبد الناصر المركوز فعله الثوري فى قلوب جماهير شعبنا العربي من المحيط الى الخليج,حتى تعود من جديد لتقضى على أعداء ثورة يوليو الناصرية” الاستعمار وإسرائيل والرجعية العربية .
فى ذكرى ثورته نستلهم رؤيته الأستراتيجية فى كتابه “فلسفة الثورة”لعل يدركها الآن كل الناصريون والقوميون الشرفاء وجماهير شعبنا العربي من المحيط الى الخليج .قال الزعيم الخالد : ولقد أدركت منذ البداية أن نجاحنا يتوقف على إدراكنا الكامل لطبيعة الظروف التي نعيش فيها من تاريخ وطننا ، فإننا لم نكن نستطيع أن نغير هذه الظروف بجرة قلم ، وكذلك لم نكن نستطيع أن نؤخر عقارب الساعة أو نقدمها ونتحكم في الزمن ….وكذلك لم يكن في استطاعتنا أن نقوم على طريق التاريخ بمهمة جندي المرور فنوقف مرور ثورة حتى تمر ثورة أخرى ، ونحول بذلك دون وقوع حادث اصطدام ، و إنما كان الشيء الوحيد الذي نستطيعه هو أن نتصرف بقدر الإمكان وننجو من أن يطحننا شقا الرحى وكان لابد أن نسير في طريق الثورتين معاً.
ويوم سرنا في طريق الثورة السياسية فخلعنا فاروق عن عرشه سرنا خطوة مماثلة في طريق الثورة الاجتماعية فقررنا تحديد الملكية .ومازلت أعتقد حتى اليوم انه ينبغي أن تظل ثورة 23 يوليو محتفظة بقدرتها على الحركة السريعة و المبادأة ، لكي تستطيع أن تحقق معجزة السير في ثورتين في وقت واحد ، ومهما يبدو في بعض الأحيان من التناقض في تصرفاتنا.
وحين جاءني واحد من أصدقائي يقول لي :”أنت تطالب بالاتحاد لمواجهة الإنجليز . وأنت في نفس الوقت تسمح لمحاكم الغدر أن تستمر في عملها.. “…. استمعت إليه ، وكانت في خيالي أزمتنا الكبيرة ، أزمة شقي الرحى أزمة تقتضينا أن نتحد صفاً واحداً وننسى الماضي .وثورة تفرض علينا أن نعيد الهيبة الضائعة لقيم الأخلاق ولا ننسى الماضي !.ولم أقل لهذا الصديق : إن منفذنا الوحيد إلى النجاة ، أن نحتفظ – كما قلت – بسرعة الحركة والمبادأة ، وبالقدر على أن نسير في طريقين في وقت واحد .ولم أشأ أنا ذلك ، ولا شاءه كل الذين شاركوا في 23 يوليو .ولكن القدر شاء ، وتاريخ شعبنا ، والمرحلة التي يمر بها اليوم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق