الجزائرالسودانتحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيامصر

ثبات السلطوية في الجزائر ومصر وليبيا والسودان

ستتشكل السياسة العسكرية السلطوية في شمال إفريقيا من خلال العلاقات بين المؤسسة العسكرية ورئيس الدولة، والديناميات داخل القطاع القسري، وتهميش القطاع الخاص، وقدرة أجهزة الدولة على الاستفادة من الدعم الأجنبي.

خلقت قدرة الحركات الاحتجاجية على التعبئة والاستمرار فرصة غير متوقعة للانتقال السياسي في السودان والجزائر خلال عام 2019. وفي كل من هاتين الدولتين، فإن التقبّل الضمني للقوّات المسلّحة، إن لم يكن تواطؤها النشط في الإطاحة برئيسين للجمهورية كانت قد ساندتهم في الحكم لفترة طويلة، عزز الآمال في حلول حقبة جديدة من التعددية السياسية والديمقراطية. لقد انخفض سقف هذه التوقعات نتيجة استغلال جائحة فيروس كورونا خلال عام 2020 لترسيخ الحكم السلطوي — كما حدث في العديد من الدول العربية وغير العربية الأخرى — بينما أدى اشتداد الخصومات الجيوسياسية امتدادًا من القرن الأفريقي إلى الصحراء الغربية، إلى إعادة بروز القوّات المسلّحة في شمال إفريقيا. لقد انحسر الأمل الأولي بحدوث تغيير سياسي فعلي في الجزائر، وربما يحدث الأمر نفسه في السودان، ما قد يضع البلدين على مسار مصر منذ انقلاب عام 2013 وليبيا منذ بداية الحرب الأهلية فيها في عام 2014.

ولكن هل كان واقعيًا في الأساس أن نتوقع من القوّات المسلّحة السودانية والجزائرية السماح بتعددية سياسية حقيقية، أو الالتزام بشكل لا رجعة فيه بالتداول السلمي للسلطة عقب الانتخابات الدورية، أو الانصياع للحكومات المدنية؟ بل يشير تاريخ العلاقات العسكرية المدنية في هذين البلدين،كما في مصر وليبيا، اللتين خضعتا لعمليتي انتقال سياسي في عام 2011 واللتين تم إحباطهما لاحقًا، إلى أن قواّتهما المسلّحة ستسعى بأي ثمن تقريبًا للاحتفاظ بموقعها السياسي القّوي في مؤسسات الدولة والحياة الوطنية، وأنها ستستمر بذلك. ربما لم يكن انسحاب القوّات المسلّحة السودانية والجزائرية في عام 2019 أكثر من إجراء تكتيكي.

إن السبب الوحيد لطرح هذا التساؤل إذًا هو أن القادة والجهات المتنفّذة في جميع البلدان الأربعة يواجهون بشكل واضح تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة لا يستطيعون معالجتها. فبدلًا من تحرير (لَبْرَلة) السياسة وزيادة التشاركية في السلطة، تشير التوجهات على مستوى المنطقة برمتها إلى أنهم عوضًا عن ذلك سيركّزون الموارد الشحيحة على خدمة الائتلافات الحاكمة الضيقة بشكل متزايد، فضلاً عن إجبار قطاعاتها العامة الضخمة، التي شكّلت لعقود من الزمن حاضنتها الاجتماعية والسياسية الرئيسة، على تحمل وطأة تقليص الأجور وانخفاض الخدمات والرعاية. ومن المفارقات أن هذا يجعل المؤسسة العسكرية، التي تمثل حاضنة رئيسة في القطاع العام في حد ذاتها، جزءًا لا غنى عنه في الائتلافات الحاكمة لمؤسسات الدولة. افتقرت حركات الاحتجاج الشعبية من النوع الذي أطاح بالرؤساء المتسلطين في مصر وليبيا في عام 2011 وفي السودان والجزائر في عام 2019 إلى الوحدة والتماسك لفرض تغييرات أكثر عمقًا ومنهجية على المنظومة الحاكمة.

عوامل تشكيل السياسة العسكرية

يتباين شكل العقود السلطوية في هذه البلدان الأربعة في شمال إفريقيا، لكن لا يوجد الكثير مما يوحي بأن مثل هذه العقود ستختفي في المستقبل المنظور. ستتشكل السياسة العسكرية، في كلٍ من هذه البلدان، من خلال أربعة عوامل رئيسة. العامل الأول هو العلاقة بين المؤسسة العسكرية ورئيس الدولة، التي كانت الدعامة الرئيسة للنظام السلطوي والضامنة لاستمراره. ولأن المؤسسة العسكرية كانت ترى أصلاً أن الرؤساء قوّضوا التفاهمات الأساسية أو هدّدوا المصالح الحيوية، تمكّنت الحركات الاحتجاجية الشعبية من تعجيل الإطاحة بالرئيسين السابقين حسني مبارك في مصر ومعمر القذافي في ليبيا في عام 2011، ثم بعمر البشير في السودان وعبد العزيز بوتفليقة في الجزائر في عام 2019. ومنذ ذلك الحين، سعت المؤسسة العسكرية إلى تأكيد استقلاليتها عن القادة الجدد في كل من هذه البلدان، سواء من خلال التعديلات الدستورية في مصر والجزائر أو من خلال المساومة والتنافس مع القادة المدنيين الناشئين والجهات المسلّحة المنافسة في المشهد السياسي والعسكري المتشظي في ليبيا والسودان.

ثانيًا، يتشكّل مسار السياسة العسكرية من خلال العلاقات والديناميات داخل كل من الأجهزة القسرية للدولة وفيما بينها. اضطر الرؤساء في بلدان شمال إفريقيا الأربعة هذه، في عامي 2011 و2019، إلى الاعتماد بشكل أساسي على الشرطة وأجهزة الأمن الداخلي وغيرها من القوّات شبه العسكرية أو قوّات حفظ النظام لقمع الاحتجاجات عندما رفضت القوّات المسلّحة المهمة. ويعكس موقف القوّات المسلّحة إرث التنافس وانعدام الثقة إزاء هؤلاء النظراء، وفي جميع الحالات مكّنها من استعادة النفوذ السياسي. وهذا يفسر عزم وزارتي الدفاع المصرية والجزائرية على تأكيد سلطتهما على أجهزة الأمن الداخلي والاستخبارات في مراحل ما بعد الفترة الانتقالية، ما يعزز استقلاليتهما المتزايدة عن السلطة الرئاسية. في المقابل، إن وجود الجماعات شبه العسكرية المنافسة القوّية يقيد القوّات المسلّحة الليبية والسودانية، ما يؤدي إلى عملية تنازعية تفاوضية ثلاثية الأطراف أكثر تعقيدًا معها ومع الممثلين المدنيين. وفي جميع البلدان الأربعة، يؤدي التنازع بين القوّات المسلّحة وخصومها، والتنافس بين الِشلل و”العشائر” داخل المؤسسة العسكرية، والروابط الخارجة عن المؤسسات بين الضباط والمدنيين إلى تعقيد الأمور. لكن هذه الديناميات لا تتجاوز في أي حال من الأحوال حدود التفاهمات التي ترتكز عليها الائتلافات الحاكمة، ولا تشير إلى استعداد عسكري لتفكيك النظام السلطوي والانتقال إلى الحكم المدني الفعال.

يشكّل التطور المشوّه والاستقلالية المقيّدة بشدة للقطاع الخاص العامل الثالث في تشكيل السياسة العسكرية. إنّ إرث المراحل المتتالية من التأميم الاقتصادي وبرامج الخصخصة المتقطعة، التي ضاعفتها العقوبات الدولية في حالتي ليبيا والسودان، جعل السعي وراء الريع نمطًا اقتصاديًا أساسيًا وولّد رأسمالية المحسوبية. أدى هذا الأمر، إلى جانب التدخلات الحكومية المكثفة التي تستمر في التحكم بالنشاط الاقتصادي للقطاع الخاص، إلى شلّ طبقة رجال الأعمال كقوّة اجتماعية سياسية. وبدلًا من اعتباره حليفًا في النظام السياسي الحاكم، ترى المؤسسة العسكرية في القطاع الخاص منافسًا محتملًا للنظام الحاكم وتسعى إلى مواصلة تهميشه. ولهذا السبب، تفضل المؤسسة العسكرية المحسوبين الجُدد بين رجال الأعمال، حتى في الوقت الذي سهّلت فيه عزل المحسوبين المقربين من الرؤساء السابقين. وعلى نفس القدر من الأهمية، استغلت المؤسسة العسكرية في كل من بلدان شمال إفريقيا الأربعة الضعف الناتج في أداء القطاع الخاص، وضعف طابعه المؤسساتي، واللوائح الحكومية المواتية للظهور كفاعل اقتصادي توسعي بل و مفترس في كثير من الأحيان.

أخيرًا، يتأثر مسار السياسة العسكرية بقدرة الفاعلين المحليين الرئيسين على الاستفادة من الدعم الأجنبي. وهذا يعني في المقام الأول رئيس الدولة والمؤسسة العسكرية، بالتأكيد في مصر والجزائر، مع استثناء جزئي لشخصيات مدنية مثل رئيس الوزراء أو رئيس البرلمان في ليبيا والسودان. في البلدين الأخيرين، يساهم استعداد الحكومات الأجنبية لتأييد ومساعدة شركاء مختارين بين القوّات المسلّحة الوطنية وخصومها من الجماعات شبه العسكرية في النظرة المحلية تجاه أهمية هذه القوّات وشرعيتها، ويضمن حصتها في ترتيبات الحكم الناشئة والعلاقات العسكرية المدنية. في مصر والجزائر، تُعدّ قدرة الرؤساء على حماية العلاقات مع مقدمي المساعدات العسكرية الأجانب في مواجهة المطالب الدولية باحترام حقوق الإنسان أو التحول الديمقراطي أمرًا أساسيًا للحفاظ على ولاء قواّتهم المسلّحة. فمن خلال تأمين صفقات أسلحة كبيرة على الرغم من قيود الميزانية، يُظهر الرؤساء نفعهم للمؤسسة العسكرية ويوازنونها في آن. إن الأهمية التي توليها الحكومات الغربية لمكافحة الإرهاب ومنع الهجرة غير الشرعية، إلى جانب المنافسات الجيوسياسية مع القوى العالمية والإقليمية الأخرى، تعزز مكانة القوّات المسلّحة في موازين القوى المحلية، بينما تعزز الزيادة في المساعدات العسكرية الأجنبية استقلاليتها وتقلص مساءلتها أمام حكوماتها .

استمرار السلطوية

تكشف هذه العوامل الأربعة أن المؤسسة العسكرية في كل من هذه البلدان الأربعة في شمال إفريقيا لا تزال غير مستعدة للتخلي عن مكانتها المتميزة في الدولة والسياسة. ومع ذلك، فإن هذه المؤسسات العسكرية عالقة في معضلة، إذ لا يمكن أن يؤدي عملها على خدمة مصلحتها الذاتية إلى النتائج المثلى التي تريدها. لا أمل للفاعلين العسكريين الأقوياء في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي ولّدت حركات احتجاجية شعبية في عامي 2011 و2019، والتي تلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى في أعقاب جائحة فيروس كورونا. لقد ساعدت هذه المؤسسات العسكرية في إدامة الظروف التي تولّد الأزمات على مستويات متعددة، لكنها أيضًا تواصل عرقلة الحوار الهادف وإعاقة الإصلاحات التي يمكن أن تحسّن الوضع، معتبرة الإصلاحات تهديدًا لتفوقها السياسي واستقلاليتها.

ومع ذلك، فإن المؤسسة العسكرية هي وحدها القادرة على تحدي عملية إعادة إنتاج النظام السلطوي. فيمكن أن يؤدي الانكماش الاقتصادي والمالي في حقبة ما بعد جائحة كورونا إلى تآكل المكافآت المادية والتفاهمات التي كانت تدعم في السابق حصة القوّات المسلّحة في النظام الحاكم. في هذه الحالة، قد تُجبَر المؤسسة العسكرية على دخول فضاء غير مألوف، حيث يتعين عليها التفاوض مع الجهات الفاعلة السياسية والاجتماعية الأخرى فيما تسعى إلى الحفاظ على مكانتها المتميزة. لكن حدوث تحول جوهري في نمط الحكم يتضمن انسحابًا ولو جزئيًا من قبل المؤسسة العسكرية ليس في الأفق المنظور. بل لا تزال المؤسسة العسكرية في الوقت الحالي شريكًا رئيسًا للنخب الحاكمة التي تستخدم مزيجًا من العنف الصريح والعصبية القومية الضيقة والإقصاء الاجتماعي لإغلاق الباب أمام التفاوض.

المصدر : مركز مالكوم كير كارنيغي بتاريخ 17 مارس 2021

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق