تحاليلسياسية

الانخراط العسكري الإيطالي بالساحل الأفريقي: تخفيف عن كاهل فرنسا

أكد وزير الدفاع الإيطالي، لورينزو جويريني، خلال الأيام الماضية، الأخبار التي بقيت متداولة طيلة الأسابيع الأخيرة، من دون تأكيدات: “نعم سننخرط عسكرياً أكثر في مهمة “تاكوبا” في منطقة الساحل الأفريقي”. و”تاكوبا” هي الاسم الرسمي لقوة أو “بعثة دولية” تشكلت العام الماضي بقيادة فرنسا، وتتألف من قوات خاصة أوروبية، بهدف “تدريب القوات في مالي والنيجر وبوركينا فاسو”، وفق ما أُعلن. ويؤيد الاتحاد الأوروبي، الانخراط الفرنسي والإيطالي الجديد في أفريقيا، والذي لا يشمل فقط دول الساحل الخمس (موريتانيا وبوركينا فاسو ومالي وتشاد والنيجر) التي تنشط فيها القوات الخاصة الفرنسية والأوروبية، بل يمتد الدعم إلى النشاط في ليبيا، وفق ما نقلت صحيفة “فورميشي” الإيطالية في 19 مارس/آذار الحالي عن مسؤول السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل. فقد اعتبر أنّ الانخراط العسكري الأوروبي المتزايد في “دول الساحل” بمثابة دفاع عن مصالح القارة، مرحباً بالانضمام الإيطالي إلى القوة، بحجة تعزيز منع الهجرة، من بين قضايا أخرى.

وكان وزير الدفاع الإيطالي، أعلن، عند تشكيل رئيس الوزراء الجديد ماريو دراغي، حكومة جديدة، أنّ روما تتجه نحو انخراط عسكري أكثر في مالي على وجه الخصوص. ونقلت عنه صحيفة “لا ريبوبليكا” الإيطالية، في 18 مارس الحالي، تأكيده أنّ انخراط العسكريين الإيطاليين المقدرين بعدة مئات، إلى جانب آليات عسكرية، يستهدف “الدفاع عن أوروبا”. وحجة الدفاع تلك، يستخدمها الإليزيه لتبرير العمليات العسكرية في منطقة الساحل الغربي لأفريقيا. وتحدثت وكالة الأنباء الإيطالية “آكي”، في اليوم التالي (19 مارس)، عن وصول طلائع القوات الإيطالية إلى تلك المنطقة، في الأسبوع الثاني من الشهر الحالي. ويدعم نشر تلك القوات معسكرا يمين الوسط واليمين المتشدد في روما، ولا تلقى سوى معارضة اليسار ومنظمات حقوقية إيطالية ترفض العودة إلى انخراط البلد (وهو الذي شارك بقوة عسكرية في 2013 في منطقة الساحل) في صراع يتوسّع في مالي ومناطق الجوار.

ويبدو واضحاً في معظم الصحافة الإيطالية، أنّ الأمر يدور حول “إنهاك القوات الفرنسية في الساحل، ما يتطلب عونا أوروبياً”. وفي الواقع، إذا كانت القوة الفرنسية هي البارزة في مالي والنيجر، فإنّ المنطقة ومنذ سنوات، تشهد تواجداً لقوات أوروبية أخرى، بما فيها قوة عسكرية دنماركية دائمة، على الرغم من البعد الجغرافي الإسكندنافي عن منطقة غرب أفريقيا. وبقي الغموض يكتنف مهام “البعثة الدولية”، على الرغم من كشف بعض الصحف الإيطالية عن أنّ المسألة لا تتعلق فقط بالمعلن عنه بشأن “محاربة الجماعات المتطرفة لحماية المصالح الاستراتيجية للقارة الأوروبية”.

وتؤكد وزارة الدفاع في روما أنّ تعزيز التواجد العسكري القتالي، إلى جانب القوات الفرنسية ووحدات أوروبية أخرى، يعكس التزاماً عسكرياً لتحمل مسؤولية مشتركة من أجل أمن أوروبا، من ليبيا إلى القرن الأفريقي وصولاً إلى خليج غينيا. وفي المقابل، يرى مراقبون وكتاب في روما، أنّ تعزيز التواجد الأوروبي في غرب أفريقيا غير منفصل عن الفراغ الذي سيخلفه الإعلان الأميركي، في يناير/كانون الثاني الماضي، بعد تنصيب الرئيس جو بايدن، عن الرغبة بتقليص، وربما إنهاء التواجد العسكري الأميركي في الساحل. وتحدثت وسائل إعلام إيطالية محلية أخيراً، عن اجتماع حصل قبل شهرين، سعت إليه باريس، وضم دول الساحل الخمس، على ضوء تقارير أميركية عن إعادة نشر الولايات المتحدة قواتها، وتعزيز تواجدها في المحيط الهادئ. وبعيد اجتماع لحلف شمال الأطلسي عقد في بروكسل منتصف يناير الماضي، طلب الإليزيه بصفة مستعجلة، مع دول أوروبية، على رأسها روما، تعزيز بعثة “تاكوبا”، وفق ما أكدت صحيفة “إل فوغليو” الإيطالية في 6 فبراير/شباط الماضي. ولم يتأخر ساسة روما بالإعلان خلال الأسبوع الماضي عن بدء إرسال طلائع القوات الإيطالية.

وفي تحليل بعض وسائل الإعلام الإيطالية، يبدو أنّ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي اجتمع بقادة دول الساحل الخمس عبر الفيديو في فبراير الماضي، يخشى أن يتم الطعن بشرعية تواجد جيش بلاده في هذه المنطقة من أفريقيا، وخصوصاً أن عملياته مستمرة منذ 2014 بحجة “محاربة الإرهاب”، وذلك بعد أن فشل بإقناع الأميركيين بالحفاظ على تواجدهم العسكري هناك. وعلى خلفية توجه الولايات المتحدة نحو التركيز أكثر على التحديات الروسية والصينية، لا يبدو أنّ واشنطن ستتخلى بالمطلق عن انتشار قواتها الخاصة المقدرة بنحو 7 آلاف، تحت حجة “تقديم تدريب واستشارات وتعاون” في حوالي 40 بلداً أفريقياً، بينما تتراجع حماستها في المقابل للانخراط في عمليات قتالية تخوضها باريس، وإن وعدت باستمرار المساعدة اللوجستية في عمليات قوة “برخان” الفرنسية في مالي.

 

ومنذ الأشهر الأخيرة من عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، كانت وزارة الدفاع الأميركية، بحسب ما صرح به الوزير حينها، مارك إسبر، تعتزم تقليص التواجد في أكبر قاعدة طائرات بدون طيار في أغاديز بشمال النيجر، من دون أن يعني ذلك التخلي الكلي عن تلك القاعدة، التي كلفت مئات ملايين الدولارات، وأمّنت لواشنطن وحلفائها الغربيين منصة مراقبة هائلة فوق منطقة الساحل.

انخراط أوسع

خلال الأيام المقبلة إذاً، سيصل المزيد من القوات الإيطالية للمشاركة إلى جانب الفرنسيين في عملية “تاكوبا” التي يقودها عسكريو باريس، تحت عنوان مساعدة جيوش مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ولمواجهة “المقاتلين المتطرفين بقيادة تنظيمي القاعدة وداعش”، على ما تصف “إل فوغليو”، بحسب اتفاق توصل إليه ماكرون مع رئيس الوزراء الإيطالي السابق، جوزيبي كونتي، في فبراير الماضي، قبل أن يصبح دراغي رئيساً جديداً للوزراء في روما، والذي يبدو ماضياً في تحقيق انخراط بلاده بشكل نشط في العمليات العسكرية في المنطقة.

وتواجه القوة الفرنسية، المدعومة من وحدات أوروبية أخرى، حرب عصابات صعبة، والتواجد الإيطالي الذي يجري تعزيزه هذه الأيام، كان متمركزاً منذ 7 سنوات في وحدة صغيرة في النيجر، أوكلت إليها (منذ 2013) محاولة السيطرة على تدفق المهاجرين باتجاه سواحل المتوسط الجنوبية، ومنها إلى الجزر الإيطالية. وعلى ما يبدو، فإنّ اتساع رقعة الرمال التي تغوص فيها الوحدات العسكرية الفرنسية، بما فيها على الأراضي الليبية خلال الأعوام الماضية، باتت تقلق باريس التي وجّهت ما يشبه النداء للحلفاء الأوروبيين للتخفيف عنها في الساحل.

ووفقاً لوثائق متداولة في مجلس الشيوخ الإيطالي، فإنّ الطلب الفرنسي بالانضمام الإيطالي النشط يعود إلى صيف العام الماضي، على الرغم من المطبات الدبلوماسية والتلاسن الذي لم يتوقف بين أقطاب اليمين المتشدد في روما وباريس، على خلفية سياسات الهجرة ومشاريع سكك حديدية حدودية. وقد وجه وزير الخارجية، لويجي دي مايو، من حركة “5 نجوم”، انتقادات لاذعة لماكرون في مناسبات عدة. ووفقاً لتلك الوثائق التي تناولتها الصحف الإيطالية في أعقاب تصريحات وزير الدفاع لورينزو جويريني، عن مشاركة بلده مع باريس في الساحل، فإنّ الأيام المقبلة ستشهد إرسال مئات من الجنود، وبالأخص من الوحدات الخاصة في مكافحة الإرهاب، وعشرات المركبات العسكرية وثماني طائرات، وكلها قابلة للزيادة مستقبلاً، مع تخصيص 15 مليون يورو للمهمة. ولا تقتصر عمليات “تاكوبا” على التدريب، كما هو معلن، بل المشاركة بنشاط في العمليات العسكرية، التي تتجاوز الحدود المالية التي تنتشر فيها أكثرية القوة الفرنسية. ومنذ نهاية 2020، تزايد عدد القوات الفرنسية التي سقطت في تلك العمليات، إذ سجل شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي وحده، مقتل 5 من جنود وضباط القوة الفرنسية في كمائن نصبت لهم في سياق حرب عصابات متوسعة.

ويرى بعض المراقبين للشأن الأفريقي في روما، أنّ العمليات الأوروبية لا تتعلّق فقط بتدريب القوات المحلية، وخصوصاً في مالي التي تشهد عدم استقرار سياسي، وانقلابات متوالية، بل بمصالح في دول الصحراء الكبرى والساحل الغربي الأفريقي. فلعقود، ظلّت تلك المناطق محطّ أنظار القوى الاستعمارية الفرنسية القديمة، وخصوصاً لغناها باليورانيوم والمواد الأساسية الخام الأخرى، وذلك بحسب ما أشار إليه الباحث لويرنزو فيتا في تقرير نشره الموقع المتخصص بالشؤون الإيطالية “إيطاليا… إنسايد أوفر” في 7 فبراير الماضي. واعتبر فيتا أنّ ماكرون يواجه مصاعب كثيرة بعد فشله بجلب الأميركيين العام الماضي لمشاركته تلك المصالح، فيما ردت بريطانيا بدعم قواته المنهكة في عملية “برخان”، ببضع وحدات عسكرية صغيرة وطائرات هليكوبتر، قبل أن يوسع نداءه من خلال وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورنس بارلي، إلى بقية الحلفاء الأوروبيين، بمن فيهم روما. وبدأت باريس فعلياً تشكو من مصاعب مواجهاتها، في حرب عصابات تقودها جماعات متطرفة لطردها من مالي وبقية دول الجوار. وترى تقارير إيطالية مختلفة، ومنها تحليل نشرته وكالة “آكي” للأنباء، أخيراً، أنّ “مناخاً من الحرب الباردة بين روسيا وأميركا يلوح في الأفق، وهذه المنطقة الأفريقية تتحول إلى جزء من ذلك المناخ”.

“تاكوبا”…

ومنذ الإعلان عن عملية “تاكوبا” في 13 يناير/كانون الثاني 2020، بحضور رؤساء تشاد وبوركينا فاسو ومالي وموريتانيا والنيجر، تسارعت الخطوات الفرنسية لإنشاء فرقة خاصة من القوات الأوروبية تحت “تفويض عملياتي لتدريب قوات الساحل على محاربة الجماعات الإرهابية ومساعدتها في القتال”. وبعد نحو شهرين من ذلك الإعلان، انضمت 11 دولة أوروبية رسمياً إلى “تاكوبا”، وهي بلجيكا وجمهورية التشيك والدنمارك وإستونيا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والبرتغال والسويد والمملكة المتحدة. وتتفاوت مشاركة تلك الدول العسكرية في المهمة، في حين تبرز المشاركة والحماسة الدنماركية أكثر من غيرها، خصوصاً مع ربط ساسة كوبنهاغن مشاركتهم بسياسات داخلية، تتعلّق بتصفير الهجرة واللجوء إلى القارة الأوروبية. كما تتباين مشاركة هذه الدول، من حيث الأعداد والقوة النيرانية. وتخصص بعضها مئات ملايين اليوروهات في عملياتها العسكرية تلك، وتدفع بطائرات مروحية، كما تفعل استوكهولم من خلال الزج بمروحيات “بلاك هوك” لدعم المشاة الفرنسيين في عملية “برخان”. والجدير بالذكر أنّ القوات الفرنسية تتحمل النصيب الأكبر من عدد قتلى وإصابات القوات الأوروبية المشاركة في العمليات.

وفي سياق متصل، قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، يوم الجمعة الماضي: “نقوم بتعزيز قوات الأمن في الساحل الذين يكافحون ضد الإرهابيين ويلاحقون مرتكبي الجرائم المنظمة”، مضيفاً: “لقد أظهرت الهجمات التي وقعت في النيجر ومالي الأسبوع الماضي، مرة أخرى مدى ضرورة التزامنا”. وتابع أنه “من أجل جعل هذه المهمة أكثر فاعلية، فإننا نعتمد اليوم خريطة طريق تحالف دول الساحل، والتي تحدد أهدافاً والتزامات واضحة. ونتفق جميعاً على أن الوسائل العسكرية وحدها لن تحقق السلام المستدام لشعوب منطقة الساحل”.

وبانضمام إيطاليا أخيراً إلى العملية العسكرية “تاكوبا”، بقيادة فرنسية، يصبح واضحاً أنّ الدول الأوروبية تسابق الزمن لترسيخ قدم لها في مستعمرات أفريقية سابقة، وخصوصاً مع اتساع النفوذ الصيني في القارة السمراء، وبوادر توترات أميركية روسية تلوح في الأفق، ويشبهها البعض بـ”بداية حرب باردة جديدة

للاطلاع الى المصدر : اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق