تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةمصر

مصر: هل انتقلت العلاقة مع أبوظبي من تعدد التباينات الى تصاعد التوترات؟

في ظل تضارب المعطيات وغموض ما يجري في سيناء والجنوب الليبي

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

** تمهيد                                 

1- التباينات بين القاهرة وابوظبي قديمة وهي تعود الى بدايات سنة 2018 وتمثلت يومها في أن المصريين لا يرون في “خليفة حفتر” سوى “قائدا عسكريا فقط لا غير”، بينما كان الاماراتيون لا يزالون يروا فيه “قائدا عسكريا وزعيما سياسيا يمكنه حكم ليبيا”(وفقا لخطة “إعادة انتاج القذافي2” أو “ايجاد سيسي ليبيا”)، وترتكز “أبوظبي” في بحثها عن تجسيد خطة أكبر وهي خطة “بسط أنظمة عسكرية/شمولية في كل المنطقة الشمال افريقية”، بينما تسعى القاهرة الى التناسب مع السياسات الأمريكية الجديدة في المنطقة وخاصة في ليبيا وفي هذا الأخير تعتبر الرؤية الأمريكية أنه لابد من مسار ديمقراطي ليبي يسمح للبلد أن يكون ضمن خطة “ازدهار افريقيا” بناء على موقعه المهم والاستراتيجي وطبيعة ثرواته الهائلة والنادرة….

 

2- تنامت تلك التباينات بقوة في صائفة 2018 (من المهم التأكيد والتذكير أن تفاصيل زيارة ومحادثات “عارف النايض” في وللرجمة– مقر إقامة وعمل حفتر- يومها أثبتت التباين في المواقف بين البلدين)، وقد تجددت تلك التباينات مباشرة اثر مؤتمر “باليرمو” في نوفمبر من نفس السنة قبل أن تصبح تباينات واضحة وجلية لكل المتابعين وخاصة منذ تحفظ المصريون -وعلى الأقل من حيث الشكل – على هجوم حفتر على طرابلس في 04-04-2019 (وهو أمر بينته صور امتعاض “حفتر” بعد لقائه بالسيسي في 15-04-2019)، ولتتوتَّر الأمور أكثر اثر القبض على جاسوس اماراتي في “القاهرة” إضافة الى تلكأ حفتر قبل ذلك في تسليم الضابط المصري السابق “عشماوي”خاصة وان هذا الأخير مُتورط في عمليات إرهابية في ليبيا وسيناء…

 

3- تم خلال الأيام الماضية تداول مُعطيات منقولة عن مصادر ديبلوماسية مفادها أن السلطات في “الإمارات” و”اليونان” و”قبرص” تُحاول فعليا عرقلة التقارب المصري التركي الحاصل حالياً بخطى أسرع مما كان يتصور العديد من المراقبين وخاصة بعد بدء إجراء اتصالات على مستوى وزيري الخارجيةخلال الأحداث الأخيرة في القدس وغزة للتعاون يومها في تهيئة الظروف لإنجاح المبادرة المصرية (الهادفة يومها لوقف إطلاق النار)، وكذلك استمرار الاتصالات لحل القضايا محل الخلاف، ومعلوم أن نفس تلك المصادر أوردت معطيات مفادها أنّ اليونان وقبرص تجريان اتصالات بشكل دائم مع الخارجية والمخابرات في مصر….

 

4- عمليا تدرك القاهرة جيداً أن تلك الاتصالات تأتي بتنسيق مع الإمارات، وهي تهدف فعليا إلى التشكيك في نيات أنقرة، والشكوى من ممارسات تركية مزعومة على الحدود البحرية المشتركة التي نتجت عن الاتفاقيات السابق توقيعها بين “مصر” و”قبرص” و”اليونان”، غير أن “مصر” حسمت موقفها بعدم الانجرار إلى هذه اللعبة، وتواصلت مع كل الأطراف المعنية، كما تحرّت الحقائق بواسطة الأجهزة العسكرية المختصة أكثر من مرة، ليثبت أن الهدوء يسود الموقف الميداني في شرق المتوسط.

 

5- كُلّ النقاط والمعطيات سالفة الذكر، تُمكننا من رسم قراءة أولية تُحدد على الأقل أسباب توتر العلاقات بين “القاهرة” و”ابوظبي”؟ ومدى حقيقة تلك التوترات ودرجة عمقها وتحول طبيعتها وتفاصيلها من التكتيكي الى الاستراتيجي خاصة وأن معطيات متداولة أن “بن زايد” قد أرسل تهديدات إثر احدى زياراته للقاهرة منذ أشهر وأنه طالب بأموال وربما أشياء أخرى بغض النظر انها مطالب أو تهديدات أو تذكير باتفاقات غير رسمية؟

** ماذا جرى في سيناء، وأي علاقة لذلك بتنامي التوترات مع أبو ظبي؟  

 

1- أولا،التنظيم الإرهابي المعروف باسم “ولاية سيناء” تمكّن على مدار السنوات السبع الماضية من اغتيال عشرات القيادات العسكرية والأمنية والشرطية في شمال سيناء، من خلال اعتداءات شملت الاغتيال المباشر من مسافة صفر، وتفجير عبوات ناسفة، وبرصاص القناصة، وخلال اشتباكات مسلحة. وشملت هذه الاغتيالات عدداً من القيادات البارزة برتب رفيعة، ومسؤولين مباشرين عن نشاط الجيش في المحافظة. وتركزت هذه العمليات في مدن “رفح” و”الشيخ زويد” و”العريش” و”بئر العبد” ووسط “سيناء”.

2- ثانيا، أن وصول تنظيم ولاية سيناء الإرهابي إلى قيادات عسكرية وأمنية ليس أمراً سهلاً في شمال سيناء، خصوصاً في ظلّ القبضة الأمنية القوية التي لا اختلاف عليها خلال العامين الأخيرين، وقدرة قوات الجيش على فرض السيطرة في كافة أنحاء المحافظة بشكل شبه كامل بعد سنوات من فقدان هذه السيطرة وتوسع انتشار التنظيم على حساب وجود الجيش والشرطة…

3- ثالثا، إن ما جرى أخيراً له ثلاث تفسيرات:

  • التفسير الأول: ويتمثل في أن أحد المتعاونين مع الجيش المصري ويعرف جيداً تحركات القوات والمسؤولين، أخبر طرفاً في التنظيم بمعلومات حصرية، وهذا متوقع جداً في ظلّ حالة صراع المصالح في شمال سيناء، والعلاقة غير السوية بين القوات النظامية والمجموعات القبلية التي كان يعمل بعضها أصلاً في التهريب عبر الحدود على مدار العقود الماضية، والكثير من أفرادها كان مطلوباً لقوات الأمن والجهاز القضائي، إلا أنه تمت تسوية أوضاعهم، وإشراكهم في الحرب على الإرهاب في شمال سيناء…
  • التفسير الثاني: ويتمثل في أنه تم مثلا تسريب معلومات أمنية وعسكرية من قبل أفراد أو ضباط في القوات المسلحة لصالح التنظيم. وهذا يعيد هواجس تجارب سابقة لانشقاق ضباط في الجيش المصري والتحاقهم بتنظيم “داعش” الإرهابي، خصوصاً أنها المرة الأولى التي يتم فيها تسجيل خسارة بشرية كبيرة في صفوف جهاز المخابرات الحربية والاستطلاع (المقدم أركان حرب “أحمد محمد جمعة”)، ويأتي ذلك وسط هدوء أمني شبه تام في كل أنحاء المحافظة. وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول كيفية الوصول لهذه الشخصية التي كانت في مهمة عمل في مناطق وسط سيناء، التي ينشط فيها التنظيم، وكذلك المجموعات القبلية المساندة للجيش، والتي تعتبر مناطق شبه خالية من السكان مقارنة بشمال سيناء. كما أن هناك علامات استفهام حول عملية قتل قائد قوات التدخل السريع في منطقة جنوب الشيخ زويد، العميد “خالد علاء الدين العريان”، برصاصة قناص، من مسافة بعيدة، وسط عدد كبير من العسكريين الذين كانوا موجودين في المكان…
  • التفسير الثالث: وهولاينفي أي من التفسيرين (الأول والثاني)، ولكنه يتعلق في إمكانية تورط أجهزة مخابرات سواء كانت مصنفة عدوة أو صديقة (والاحتمال الثاني أكثر ورودا) في العلاقة مع التنظيم الإرهابي، وفي هذه الحالية الأمور معقدة ولا يفهمها الا المختصون خاصة وأنها تتم عبر تعقيدات وترتيبات كبيرة وخفية وتتداخل فيها أجهزة وتنظيمات وممولين، ولكن من المهم القول ان بعض مواقع واعلاميين (موقع “الحقيقة بوست” مثالا للذكر لا الحصر)، قد أكدوا أن السلطات المصرية قد اعتقلت خلال الأيام الماضية شخصا مقربا من الاماراتيين وعلى علاقة بهم، وأنه وفقا لنفس الموقع قد ثبت ضلوعه في عمليات إرهابية، وأن المتهم قد قدم للنيابة أيضا وفقا لنفس المصادر .        4- رابعا، بغض النظر عن قصة القبض عن شخصية مقربة من الاماراتيين وصحة تفاصيلها سواء جزئيا أو كليا، وعن مدى ما ستفضي اليه تحقيقات النيابة المصرية وما قد تؤدي الأبحاث المصرية المفتوحة أمنيا وقضائيا حول الاغتيالات في سيناء وهي اغتيالات محيرة وكبيرة كميا وكيفيا خاصة وأن التنظيم تم اضعافه خلال السنوات الماضية وانحسر بكل شبه كلي، والسؤال كيف تنامىالتنظيم الإرهابي (أي “ولاية سيناء”) من جديد؟، والثابت اليوم لدى المتابعين أن التوتر قد ساد بين القاهرة وابوظبي خلال الأسابيع والأيام الماضية أي بالتوازي مع تحركات “حفتر” في الجنوب الليبي وقرب موعد مؤتمر “برلين2” وأيضا مع تعدد عمليات التنظيم الإرهابي سالف الذكر، ومعلوم أن تساؤلات عدة طرحت بداية جوان/يونيو الحالي حول تعدد عمليات التنظيم مباشرة اثر وقف اطلاق النار في الأراضي الفلسطينية المحتلة وبعد بدء عمليات الاعمار في سيناء وزيارة أكثر من مسؤول مصري لها….

 

 

** “برلين2” وزيارة المصريين لطرابلس وعلاقة ذلك بتحركات حفتر في الجنوب الليبي بسند اماراتي

 

1- الثابت أن زيارة مسؤولين مصريين للعصمة الليبية “طرابلس” قد جاءت عشية مؤتمر “برلين2” وأيضا عشية موعد مؤتمر المصالحة لأهل فزان في روما (والذي الغي بقرار سيادي ليبي)، وأيضا مباشرة بعد تحركات قوات “حفتر” في الجنوب وغلقه للحدود مع الجزائر وهي تحركات لفرض موازين قوى ومطالب في برلين2 ووعيا من حفتر ومُسانديه أن الذهاب للانتخابات في وقتها أمر أصبح شُبه مسلم به وأن برلين2 هو للتوافق على خارطة طريق للمسار الانتخابي بنُسختيه التشريعية والرئاسية ومن ثم التوافق على الأسس الدستورية لتلك الانتخابات، ومن المهم أيضا الإشارة بعد نجاح حزب “العدالة والبناء” (الذراع السياسي لإخوان ليبيا رغم أن الحزب يضم مئات المستقلين في هياكله المركزية والوسطى)، ونجاح ذلك الحزب في انتخاب رئيس جديد – أي “عماد البناني”- بعد انهاء رئيسه السابق “محمد صوان” لعُهدتين في رئاسته…

 

2- المعطيات سالفة الذكر وتحديدا في النقطة السابقة،تُبيّن وتبرز أن الخلافات بين الاماراتيين والمصريين قد غادرت مربع وجود بعض تباينات وأنها تحولت فعلا لمربع وجود توترات وبشكل تراكمي كميا وكييفا، حتى أن البعض قد أكد أنه قد تم تداول معطيات في كواليس نزل ومقاهي العاصمة الليبية مفادها أن المصريين قد قالوا خلال الزيارة الأخيرة لنظرائهم الليبيين أن “حفتر” بذهابه للجنوب واستفزاز الجزائريين قد خرج عن السيطرة بناء على دعم الاماراتيين القوي له ودعمهم المستمر له ماديا ولوجستيا وعلى كل المستويات وأنهم مستائين مثلهم من ذلك وما قد ينبني عليه مستقبلا …

 

3- الأمر الذي يقلق المصريين قبل غيرهم في علاقتهم بالإماراتيين هو أن “حفتر” ورغم ضعفه وتلويحه للبعض أن “الناظوري” هو مُرشحه مؤقتا لرئاسيات ديسمبر 2021،وهو يضغط ولكن ضمن استراتيجيا تتعارض مع مصالح المصريين بل وتربكها خاصة وأنهم يراهنون على ان تبلغ اليد العاملة المصرية ثلاث مليون مصري في ليبيا خلال الأشهر القادمة، كما انهم – أي المصريين- لا يُحبذون الاصطدام مع الاستراتيجيات الأمريكية في افريقيا وهم يُحبذون ان يكونوا في تكامل معها سواء من حيث الشراكة – وفقا للتصريحات المصرية وهو ما أكدته تصريحات عباس كامل في زيارته لواشنطن منذ يومين- أو من حيث التلاؤم مع الأدوار الوظيفية مثلهم مثل الاتراك والايطاليين والإسبان والألمان وبعض قوى وأطراف إقليمية – وفقا لقراءاتنا طبعا للدور المصري مستقبلا –

 

** الخلاصة أو في الترجيح بين تكتيك المحور المصري/السعودي/الاماراتي وبين تنامي التوترات فعلا

 

1- رغم أن التوتر المصري الاماراتي في بعض حلقاته ثابت ومؤكد وليس مجرد قراءات لبعض أحداث كما يعتقد البعض وهي قراءة تؤكدها الوقائع والمعطيات والبراهين والدليل وهي أكثر من أن تحصى أو تعد وما ذُكر أعلاه ليس الا أمثلة للتأكيد…

 

2- من الصعب عمليا تصديق القراءة المبنية على نظرية المؤامرة والمتمثلة في “أن المحور الإقليمي وثلاثي التركيبة (مصر – الامارات – السعودية)، قد عمد في إطار فرض خياراته قد لجأ للتكتيكي والايهام بانقسامه واللعب على عامل الازدواجية”، ومعلوم أن السعوديين والاماراتيين يحبذون منذ بداية العقد الماضي اللعب على هوامش السياسات الأمريكية مهما كان الرئيس وخاصة وأن “بايدن”ليس منساقا وبالتالي اعتمدوا على تضييع الوقت وربح الوقت وصولا الى 2024 التي يرى فيها الساسة الاماراتيون أنها قد تُعيد “ترامب” أو بديل شبيه به للبيت الأبيض، ومن ثم يتم السماح مجددا للثنائي “بن سلمان/بن زايد” تشكيل المنطقة على هواهما ورؤيتيهما”…

 

3- فعليا المحور الثلاثي لم يعد موجودا ولم تعد قراءاته للأحداث واحدة ولا علاقات دوله واستراتيجياتها واحدة، ورغم ذلك يمكن الجزم ببقاء رؤية مشتركة لكل بلدين فيما بينهما من المحور الثلاثي في عدد من قضايا الإقليم ولكن الثابت أن هناك تباينات كبرى أيضا في قضايا أخرى بين كل بلدين من بلدانه الثلاث، ويبدو أن العلاقات بين الرياض والقاهرة أقرب للانسجام رغم التباينات في أكثر من ملف والدليل أن “بن سلمان” قد زار القاهرة مرتين في ظرف أسبوع واحد…

 

4- في الأخير ومثلما بيَّنا أعلاه من خلال القراءات والمعطيات والأمثلة فإن العلاقة بين “القاهرة” و”أبو ظبي” هي في وضع توتر بل وبشكل تصاعدي في ظل المتغيرات الجارية في الإقليم، كما أن تلك التوترات لم ولن تهدأ خاصة اذا ما صحت قراءات ومعطيات موقع “الحقيقة بوست” بشأن علاقة بعض مُقربين من الإمارات بما يجري في “سيناء” وتحديدا في العلاقة بذلك التنظيم الإرهابي أي “تنظيم ولاية سيناء” والذي اغتال عسكريين مصريين عاليي الرتب، والثابت أن التوتر حقيقي في ليبيا وفي فلسطين وأيضا في “اثيوبيا” والمصريين لم ول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق